51 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ 6057 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . قَالَ أَحْمَدُ : أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قَالَ الرَّاغِبُ : الزُّورُ الْكَذِبُ ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَائِلًا عَنِ الْحَقِّ ، وَالزَّوَرُ بِفَتْحِ الزَّاي الْمَيْلُ . وَكَانَ مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمَنْقُولَ بِالنَّمِيمَةِ لَمَّا كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا ؛ فَالْكَذِبُ فِيهِ أَقْبَحُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي أَوَائِلِ الصِّيَامِ أَخْرَجَهُ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالسَّنَدِ وَالْمَتْنِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ ، وَقَوْلُهُ هُنَا فِي آخِرِهِ : قَالَ أَحْمَدُ : أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ يُونُسَ الْمَذْكُورُ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ إِسْنَادَهُ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ فَأَفْهَمَهُ إِيَّاهُ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَدْ خَالَفَ أَبُو دَاوُدَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ ؛ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ هَذَا ، لَكِنْ قَالَ فِي آخَرَه : قَالَ أَحْمَدُ : فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَفْهَمَنِي الْحَدِيثَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَرَاهُ ابْنَ أَخِيهِ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، فَإِنَّ مُقْتَضَى رِوَايَتِهِ أَنَّ الْمَتْنَ فَهِمَهُ أَحْمَدُ مِنْ شَيْخِهِ وَلَمْ يَفْهَمِ الْإِسْنَادَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَخَبَطَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا ؛ فَقَالَ : قَالَ : أَفْهَمَنِي ؛ أَيْ كُنْتُ نَسِيتُ هَذَا الْإِسْنَادَ فَذَكَّرَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ ، وَوَجْهُ الْخَبْطِ نِسْبَتُهُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ نِسْيَانُ الْإِسْنَادِ وَأَنَّ التَّذْكِيرَ وَقَعَ لَهُ مِنَ الرَّجُلِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَفِيَ عَنْهُ بَعْضُ لَفْظِهِ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَمِنَ الْإِسْنَادِ ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ فَمِنَ الْمَتْنِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ بِجَنْبِهِ فَكَأَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَفْهَمَهُ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَصَدَّى لِلتَّحْدِيثِ بِهِ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يُسْنِدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِغَيْرِ بَيَانٍ . وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَعَقَدَ الْخَطِيبُ لِذَلِكَ بَابًا فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ : أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ أَيْ إِلَى جَنْبِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ . ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَأَرَادَ رَجُلٌ عَظِيمٌ ، وَالتَّنْوِينُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْغَرَضُ مَدْحُ شَيْخِهِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَوْ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِهِ أَفْهَمَنِي اهـ . وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَفْهَمَهُ مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِ رَجُلٌ ، بَلِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسِيَ اسْمَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِرَجُلٍ أَوْ كَنَّى عَنِ اسْمِهِ عَمْدًا ، وَأَمَّا مَدْحُ شَيْخِهِ فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِيهِ . قُلْتُ : وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ ، وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ الْمُغِيرَةُ ، وَطَالُوتُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ ابْنِ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ أَبِيهِ أَيِّهِمَا هُوَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ فَهُوَ مُفْطِرٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى خِلَافِهِ ، لَكِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ إِثْمَهَا لَا يَفِي لَهُ بِأَجْرِ صَوْمِهِ ؛ فَكَأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُفْطِرِ . قُلْتُ : وَفِي كَلَامِهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَا ذِكْرَ لِلْغِيبَةِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ قَوْلُ الزُّورِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالْجَهْلُ ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ وَالتَّأْوِيلَ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ هُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ الصَّوْمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ · ص 488 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ · ص 130 باب قول الله تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ أي : هذا باب في قول الله عز وجل : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ والزور الكذب ، قيل له ذلك ؛ لكونه مائلا عن الحق ، والزور بالفتح الميل ، وقال ابن الأثير : الزور الكذب والتهمة والباطل . 85 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه . قال أحمد : أفهمني رجل إسناده . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : من لم يدع قول الزور ؛ لأن معناه من لم يترك ولم يجتنب ، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي ، نسب إلى جده ، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ، واسمه هشام القرشي المدني ، والمقبري بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة هو سعيد بن أبي سعيد ، واسمه كيسان ، كان يسكن عند مقبرة فنسب إليها . والحديث مضى في كتاب الصوم في باب من لم يدع قول الزور ، فإنه أخرجه هناك عن آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب به إلى آخره . قوله : والعمل به ، أي بمقتضى قول الزور ، قوله : والجهل بالنصب ، أي ولم يدع الجهل ، وهو فعل الجهال أو السفاهة على الناس ، وجاء الجهل بمعناها ، قوله : فليس لله حاجة مجاز عن عدم القبول . قوله : قال أحمد هو ابن يونس المذكور أفهمني رجل إسناده ، أي إسناد الحديث المذكور ، كأنه لم يتيقن إسناده من لفظ شيخه ابن أبي ذئب فأفهمه رجل غيره ، وبعكس هذا قاله أبو داود ، وذلك أنه لما روى هذا الحديث قال في آخره : قال أحمد فهمت إسناده من ابن أبي ذئب ، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه . وقال الكرماني : قال أحمد : أفهمني ، أي كنت نسيت هذا الإسناد فذكرني رجل إسناده ، أو أراد رجلا عظيما ، والتنوين يدل عليه ، والغرض مدح شيخه ابن أبي ذئب ، أو رجل آخر غيره أفهمه انتهى . وقال بعضهم : خبط الكرماني هنا ، قلت : هو من الذي خبط من وجوه : ( الأول ) : فيه ترك الأدب في حق من تقدمه في الإسلام والعلم والتصنيف . ( والثاني ) : ما نقل كلامه مثل ما نقلته ، بل خبط فيه حيث قال : قال أي الكرماني قوله أفهمني ، أي كنت نسيت هذا الإسناد فذكرني به رجل ، أو أراد رجل آخر عظيم لما يدل عليه التنكير ، والغرض مدح شيخه ، أو آخر انتهى ، هذا الذي ذكره هذا القائل ، ونسبه إلى الكرماني ، فانظر إلى التفاوت بين الكلامين ، فالناظر الذي يتأمل فيه يعرف أن التخبيط جاء من أين . ( والثالث ) أنه فهم من قوله : أو رجل آخر أنه يمدح شيخه ، وليس كذلك ، بل غرضه أنه يمدح شيخه أو رجلا آخر غيره أفهمه كما صرح .