72 - بَاب مَنْ لَمْ يُوَاجِهْ النَّاسَ بِالْعِتَابِ 6101 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَتْ عَائِشَةُ : صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ ) أَيْ حَيَاءً مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( مُسْلِمٌ ) هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الضُّحَى ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ عِمْرَانَ الْبَطِينُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي الضُّحَى وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ نَحْوَ جَرِيرٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ ، وَمِنْ طَرِيقِ أبي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا . قَوْلُهُ : ( فَخَطَبَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ . قَوْلُهُ : ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مَا بَالُ رِجَالٍ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا لَا يُنَافِي التَّرْجَمَةَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ مَعَ التَّعْيِينِ ، كَأَنْ يَقُولَ : مَا بَالُكَ يَا فُلَانُ تَفْعَلُ كَذَا ، وَمَا بَالُ فُلَانٍ يَفْعَلُ كَذَا . فَأَمَّا مَعَ الْإِبْهَامِ فَلَمْ تَحْصُلِ الْمُوَاجَهَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهَا مَوْجُودَةً ، وَهِيَ مُخَاطَبَةٌ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ وَلَمْ يُمَيَّزْ عَنْهُمْ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ . قَوْلُهُ : ( يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ إِنِّي لِأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ) جَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ ، أَيْ أنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّ رَغْبَتَهُمْ عَمَّا أَفْعَلُ أَقْرَبُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ أَعْلَمَهُمْ بِالْقُرْبَةِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَيَغْضَبُ ثُمَّ يَقُولُ : إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَطَرِيقُ مَسْرُوقٍ هَذِهِ مُتَابَعَةٌ جَيِّدَةٌ لِأَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفِيقًا بِأُمَّتِهِ ؛ فَلِذَلِكَ خَفَّفَ عَنْهُمُ الْعِتَابَ ; لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنَ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا لَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى فِعْلِهِ . قُلْتُ : أَمَّا الْمُعَاتَبَةُ فَقَدْ حَصَلَتْ مِنْهُ لَهُمْ بِلَا رَيْبٍ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمَيِّزِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ سَتْرًا عَلَيْهِ ، فَحَصَلَ مِنْهُ الرِّفْقَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا بِتَرْكِ الْعِتَابِ أَصْلًا . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بكون مَا فَعَلُوهُ غَيْرَ حَرَامٍ فَوَاضِحٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُمْ بِفِعْلِ مَا فَعَلَهُ هُوَ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَمِّ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْمُبَاحِ ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ ، وَالْإِنْكَارِ وَالتَّلَطُّفِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ أَعْرِفْ أَعْيَانَ الْقَوْمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا الشَّيْءَ الَّذِي تَرَخَّصَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلنَا ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : إِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي وَنَحْوُ هَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ ثَلَاثَةَ رَهْطٍ سَأَلُوا عَنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السِّرِّ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَوْلُهُمْ : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَفِيهِ قَوْلُهُ لهم : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يُوَاجِهْ النَّاسَ بِالْعِتَابِ · ص 529 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يواجه الناس بالعتاب · ص 156 باب من لم يواجه الناس بالعتاب . أي : هذا باب في بيان من لم يواجه الناس بالعتاب حياء منهم . 125 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قالت عائشة : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فخطب فحمد الله ، ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية . وجه المطابقة بين الحديث والترجمة هي أن الترجمة في عدم مواجهة الناس بالعتاب ، وكذلك الحديث في عتاب قوم من غير مواجهتهم ، وقال ابن بطال : إنما كان لا يواجه الناس بالعتاب إذا كان في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجهال وجفاء الأعراب ، ألا يرى أنه ترك الذي جبذ البردة من عنقه حتى أثرت جبذته فيه ، وأما إذا انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها ، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتص منه . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، ومسلم على صيغة اسم الفاعل من أسلم ، قال بعضهم : هو ابن صبيح أبو الضحى ، ووهم من زعم أنه ابن عمران البطين ، قلت : غمز بذلك على الكرماني ، فإنه لم يجزم بأنه مسلم بن عمران البطين ، بل قال : مسلم إما مسلم بن عمران البطين ، وإما مسلم بن صبيح مصغر صبح ، وكلاهما بشرط البخاري يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، وابن عمران يقال له ابن أبي عمران ، وابن أبي عبد الله . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن عمر بن حفص ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن إسحاق بن إبراهيم وآخرين ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار . قوله : صنع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شيئا لم يعلم ما هو ، قوله : فرخص فيه من الترخيص وهو خلاف التشديد ، يعني سهل فيه من غير منع ، قوله : فتنزه عنه قوم ، يعني احترزوا عنه ولم يقربوا إليه ، وفي رواية مسلم فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه ، قوله : فبلغ ذلك ، أي تنزههم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ما بال قوم يتنزهون ، أي يحتزون ، وفي رواية مسلم : فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه ، قوله : عن الشيء أصنعه ، وفي رواية جرير : بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه ، وفي رواية أبي معاوية : يرغبون عما رخصت فيه . قوله : إني لأعلمهم إشارة إلى القوة العلمية ، قوله : وأشدهم له خشية إشارة إلى القوة العملية . وفيه الحث على الاقتداء به ، والنهي عن التعمق ، وذم التنزه عن المباح .