6116 - حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ : لَا تَغْضَبْ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الزِّمِّيُّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، لَمْ أَرَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) خَالَفَهُ الْأَعْمَشُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَوْلَا عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ . قَوْلُهُ : ( أنَّ رَجُلًا ) هُوَ جَارِيَةُ بِالْجِيمِ ابْنُ قُدَامَةَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِغَيْرِهِ ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ وَأَقْلِلْ ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، وَلَكَ الْجَنَّةُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، قَالَ : لَا تَغْضَبْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَعْقِلُهُ . قَوْلُهُ : ( أَوْصِنِي ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَا يُبَاعِدُنِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعَلِّي أَعِيهِ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( فَرَدَّدَ مِرَارًا ) أَيْ رَدَّدَ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أبلغ ، أَوْ أَعَمَّ ، فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا تَغْضَبْ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ : كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَغْضَبْ ، وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : لَا تَغْضَبْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَزَادَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ قَالَ : تَفَكَّرْتُ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا تَغْضَبِ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ . وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَبُ بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنه الْغَضَبِ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ ، فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ الْغَضَبُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أنَّ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمَ النَّاسِ قُوَّةً . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : جَمَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِهِ وَمِنْ غَضَبِهِ ، وَكَانَتْ شَهْوَةُ السَّائِلِ مَكْسُورَةٌ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ حُصُولِهِ كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ ، وَالْغَضَبُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا ، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِبَهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَةِ كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ أَيْضًا أَقْوَى . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ : أَرَادَ لَا تَعْمَلْ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : خَلَقَ اللَّهُ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَةً فِي الْإِنْسَانِ ، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مَا اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ ، وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرَّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِنَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا ، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ انْقِبَاضُ الدَّمِ مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرُّ اللَّوْنُ حُزْنًا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَحْمَرُّ وَيَصْفَرُّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَةِ حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ نَفْسَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَكَانَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ ، هَذَا كُلُّهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَقُبْحُهُ أَشَدُّ مِنَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَدَ وَإِضْمَارَ السُّوءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحُ مِنْهُ بَاطِنُهُ ، وَتَغَيُّرُ ظَاهِرِهِ ثَمَرَةُ تَغَيُّرِ بَاطِنِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ ، وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ الْعَاقِلُ وَيَنْدَمُ قَائِلُهُ عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْغَضَبِ أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَ نفسه وَيَلْطِمُ خَدَّهُ ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا ، وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَةَ وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٌ . وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ اللَّطِيفَةُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَغْضَبْ مِنَ الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَةِ فِي دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْغَضَبِ الدُّنْيَوِيِّ لَا الْغَضَبِ الدِّينِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَيُعِينُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ مَا جَاءَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ مِنَ الْفَضْلِ ، وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَةِ ثَمَرَةِ الْغَضَبِ مِنَ الْوَعِيدِ ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ، وَأَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَطِيَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الطُّوفِيُّ : أَقْوَى الْأَشْيَاءِ فِي دَفْعِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيِّ ، وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ ، وَكُلُّ فَاعِلٍ غَيْرُهُ فَهُوَ آلَةٌ لَهُ ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّنْ ذَلِكَ الْغَيْرَ مِنْهُ انْدَفَعَ غَضَبُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ غَضَبُهُ عَلَى رَبِّهِ - جَلَّ وَعَلَا - وَهُوَ خِلَافُ الْعُبُودِيَّةِ . قُلْتُ : وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ أَمْكَنَهُ اسْتِحْضَارُ مَا ذُكِرَ ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ الشَّيْطَانُ مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الْوَسْوَسَةِ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ اسْتِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَذَرِ مِنْ الْغَضَبِ · ص 536 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحذر من الغضب · ص 164 140 - حدثني يحيى بن يوسف ، أخبرنا أبو بكر هو ابن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : لا تغضب ، فردد مرارا ، قال : لا تغضب . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم حذره من الغضب بقوله : لا تغضب . ويحيى بن يوسف الزمي بكسر الزاي وتشديد الميم ، وليس له في البخاري إلا عن أبي بكر بن عياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة القاري الكوفي ، وأبو حصين بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة ، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان . والحديث أخرجه الترمذي في البر عن أبي كريب بأتم منه . قوله : أن رجلا قيل : إنه جارية بالجيم ابن قدامة ، أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني من حديثه مبهما ومفسرا ، ويحتمل غيره ، قوله : لا تغضب إنما قال صلى الله عليه وسلم لا تغضب ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان مكاشفا بأوضاع الخلق ، فيأمرهم بما هو الأولى بهم ، ولعل الرجل كان غضوبا فوصاه بتركه . وقال البيضاوي : لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته وغضبه ، والشهوة مكسورة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب ، فلما سأله الرجل الإرشاد إلى ما يتوسل به إلى التحرز عن القبائح وعن الغضب الذي هو أعظم ضررا وأكثر وزرا ، وأنه إذا ملكها كان قهر أقوى أعدائه أمره بها ، وقال الخطابي : معنى لا تغضب لا تتعرض لأسباب الغضب وللأمور التي تجلب الغضب ؛ إذ نفس الغضب مطبوع في الإنسان ، لا يمكن إخراجه من جبلته ، أو معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب ويحملك عليه من الأقوال والأفعال .