6118 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قال : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ : إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ أَضَرَّ بِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُ ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ . الحديث الثاني : قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ) هُوَ الْمَاجِشُونُ . قَوْلُهُ : ( مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ شَرْحِهِ ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الرَّجُلِ وَلَا اسْمَ أَخِيهِ إِلَى الْآنِ ، وَالْمُرَادُ بِوَعْظِهِ أَنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُلَازَمَتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ . قَوْلُهُ : ( الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ ) حَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِعُ بِحَيَائِهِ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقِيَّةٌ ، فَصَارَ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي . قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَاكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خَيْرًا كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَشْكَلَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدُّ صَاحِبَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا ، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا ، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَيَاءٌ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُشِيرَ إِلَى أن مَنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقَهُ أَنَّ الْخَيْرَ يَكُونُ فِيهِ أَغْلَبُ فَيَضْمَحِلُّ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ مِنْهُ مِمَّا ذكَرُ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحَيَاءِ مِنَ الْخَيْرِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ إِذَا صَارَ عَادَةً وَتَخَلَّقَ بِهِ صَاحِبُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِجَلْبِ الْخَيْرِ إِلَيْهِ ، فَيَكُونُ مِنْهُ الْخَيْرُ بِالذَّاتِ وَالسَّبَبِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : الْحَيَاءُ الْمُكْتَسَبُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ دُونَ الْغَرِيزِيِّ ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ غَرِيزَةً مِنْهُ فَإِنَّهَا تُعِينُهُ عَلَى الْمُكْتَسَبِ ، وَقَدْ يَنْطَبِعُ بِالْمُكْتَسَبِ حَتَّى يَصِيرَ غَرِيزِا ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جُمِعَ لَهُ النَّوْعَانِ فَكَانَ فِي الْغَرِيزِيِّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ، وَكَانَ فِي الْحَيَاءِ الْمُكْتَسَبِ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَيَاءِ · ص 539 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحياء · ص 165 142 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، حدثنا ابن شهاب ، عن سالم ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعاتب في الحياء يقول : إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضر بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن الحياء من الإيمان . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي ، وعبد العزيز بن أبي سلمة بفتحتين الماجشون ، وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، واسمه دينار ، والحديث من أفراده . قوله : يعاتب بضم الياء على صيغة المجهول يعني يلام ويذم ويوعظ ، قوله : لتستحي بياء واحدة ، وبياءين ، فإذا جزم يجوز أن يبقى بدونها ، وقال ابن التين : هو من استحي بياء واحدة ، وقال الجوهري : أصل استحيت استحييت ، فأعلوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء ، فقالوا : استحيت استثقالا لما دخلت عليها الزوائد ، وقال سيبويه : حذفت لالتقاء الساكنين ؛ لأن الياء الأولى تقلب ألفا لتحركها ، وقال المازني : لم تحذف لالتقاء الساكنين ؛ لأنها لو حذفت لذلك لما ردوها إذا قالوا : هو يستحيي ولقالوا : هو يستح ، وقال الأخفش : استحي بياء واحدة لغة تميم ، وبياءين لغة أهل الحجاز ، قوله : دعه ، أي اتركه وهو أمر من يدع ، قوله : فإن الحياء من الإيمان ، أي من كمال الإيمان ، قاله أبو عبد الملك ، وقال الهروي : جعل الحياء وهو غريزة من الإيمان وهو الاكتساب ؛ لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي ، وإن لم يكن له نية ، فصار كالإيمان القاطع بينه وبينها .