19 - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ 563 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ ، قَالَ الْأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِيَ الْعِشَاءُ . قَوْله : ( بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْجَزْمِ كَأَنْ يَقُولَ بَابُ كَرَاهِيَةِ كَذَا لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي نَهْيًا مُطْلَقًا ، لَكِنْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَلَبَةِ الْأَعْرَابِ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَأَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ الْعِشَاءِ عَلَيْهِ أَحْيَانًا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتْرَكُ لَهُ التَّسْمِيَةُ الْأُخْرَى كَمَا تَرَكَ ذَلِكَ الْأَعْرَابُ وُقُوفًا مَعَ عَادَتِهِمْ ، قَالَ : وَإِنَّمَا شُرِعَ لَهَا التَّسْمِيَةُ بِالْمَغْرِبِ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُشْعِرُ بِمُسَمَّاهَا أَوْ بِابْتِدَاءِ وَقْتِهَا ، وَكُرِهَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعِشَاءِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَقَعَ الِالْتِبَاسُ بِالصَّلَاةِ الْأُخْرَى ، وَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ بِقَيْدٍ كَأَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ الْأُولَى ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ الْأُولَى وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، أَمَّا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ . قَوْله : ( عَبْدُ الْوَارِثِ ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ ، وَقَوْله : ( عَنِ الْحُسَيْنِ ) هُوَ الْمُعَلِّمُ . قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ أَبِيهِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ هُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ مَنْسُوبًا بِذِكْرِ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْله : ( لَا تَغْلِبكُمْ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : يُقَالُ غَلَبَهُ عَلَى كَذَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَعَرَّضُوا لِمَا هُوَ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ بِالْعِشَاءِ وَالْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ فَيَغْصِبُ مِنْكُمُ الْأَعْرَابُ اسْمَ الْعِشَاءِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِهَا . قَالَ : فَالنَّهْيُ عَلَى الظَّاهِرِ لِلْأَعْرَابِ وَعَلَى الْحَقِيقَةِ لَهُمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى الْغَلَبَةِ أَنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا اسْمًا وَهُمْ يُسَمُّونَهَا اسْمًا ، فَإِنْ سَمَّيْتُمُوهَا بِالِاسْمِ الَّذِي يُسَمُّونَهَا بِهِ وَافَقْتُمُوهُمْ ، وَإِذَا وَافَقَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ صَارَ كَأَنَّهُ انْقَطَعَ لَهُ حَتَّى غَلَبَهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ غَصَبَ وَلَا أَخَذَ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : الْمَعْنَى لَا تُطْلِقُوا هَذَا الِاسْمَ عَلَى مَا هُوَ مُتَدَاوَلٌ بَيْنَهُمْ فَيَغْلِبُ مُصْطَلَحُهُمْ عَلَى الِاسْمِ الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَعْرَابُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا ، وَالْعَرَبِيُّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعَرَبِ وَلَوْ لَمْ يَسْكُنِ الْبَادِيَةَ . قَوْله : ( عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ) التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ يُبْعِدُ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ صَلَاتُهَا عَنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ : السِّرُّ فِي النَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا تُسَمَّى عِشَاءً فَيُظَنَّ امْتِدَادُ وَقْتِهَا عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَخْذًا مِنْ لَفْظِ الْعِشَاءِ اهـ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَقْوِيَةَ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهَا الْمَغْرِبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا ، فَإِنَّ الظُّهْرَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِهَا عِنْدَ الظَّهِيرَةِ وَلَيْسَ وَقْتُهَا مُضَيَّقًا بِلَا خِلَافٍ . قَوْله : ( قَالَ : وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ : هِيَ الْعِشَاءُ ) سِرُّ النَّهْي عَنْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْعِشَاءِ لُغَةً هُوَ أَوَّلُ ظَلَامِ اللَّيْلِ ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ، فَلَوْ قِيلَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ لَأَدَّى إِلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ ، وَقَدْ جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَظَاهِرُ إِيرَادِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا وَاحِدًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إِدْرَاجِهِ . ( فَائِدَةٌ ) : لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ تَسْمِيَةَ الْمَغْرِبِ عِشَاءً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَمَنْ قَالَ مَثَلًا : صَلَّيْتُ الْعِشَاءَيْنِ ، إِذَا قُلْنَا : إِنَّ حِكْمَةَ النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً خَوْفُ اللَّبْسِ لِزَوَالِ اللَّبْسِ فِي الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَوْرَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْمَتْنِ ، فَقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ أَبِيهِ اهـ . وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ : لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ تُسَمِّيهَا عَتَمَةً . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ كَذَلِكَ ، وَجَنَحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ لِمُوَافَقَتِهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ - كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . وَالَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا فِي الْمَغْرِبِ ، وَالْآخَرُ فِي الْعِشَاءِ ، كَانَا جَمِيعًا عِنْدَ عَبْدِ الْوَارِثِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ · ص 52 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من كره أن يقال للمغرب العشاء · ص 169 19 - باب من كره أن يقال للمغرب : العشاء 563 - حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو : ثنا عبد الوارث ، عن الحسين : ثنا عبد الله بن بريدة : حدثني عبد الله المزني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ) . قال : وتقول الأعراب : هي العشاء . عبد الله المزني ، هو : ابن مغفل - رضي الله عنه . وقد استدل بهذا الحديث من كره تسمية المغرب العشاء ، وهو قول أصحاب الشافعي وغيرهم . وقال أصحابنا : لا يكره ذلك ، واستدلوا بأن العشاء تسمى العشاء الآخرة ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ) . خرجه مسلم . وسيأتي بعض الأحاديث المصرحة بذلك ، فدل على أن المغرب العشاء الأولى . وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة لأنها آخر الصلوات ، لا لأن قبلها عشاء أخرى . وقد حكي عن الأصمعي ، أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة ، ولا يلتفت إلى ذلك . وفي ( صحيح مسلم ) عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر يوم الأحزاب بين العشاءين : المغرب والعشاء . قال أصحابنا : وحديث ابن مغفل يدل على أن تسميتها بالمغرب أفضل ، ونحن نقول بذلك . ومن متأخريهم من قال : حديث ابن مغفل إنما يدل على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب حتى يهجر اسم المغرب ، أو يقل تسميتها بذلك ، كما هي عادة الأعراب ، فأما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجه النهي حينئذ إليه . وقد تقدم أنها تسمى صلاة البصر - أيضا - ، فإذا سميت بذلك من غير أن يهجر تسميتها بالمغرب ، ويغلب تسميتها بذلك ؛ جاز .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من كره أن يقال للمغرب العشاء · ص 58 ( باب من كره أن يقال للمغرب العشاء ) أي هذا باب في بيان قول من كره أن يقال للمغرب العشاء ، وإنما لم يجزم بقوله باب كراهية كذا ؛ لأن لفظ الحديث لا يقتضي نهيا مطلقا ؛ لأن النهي فيه عن غلبة الإعراب على ذلك ، فكأنه رأى جواز إطلاقه بالعشاء على وجه لا يترك التسمية الأخرى ، كما ترك الإعراب ، والمشروع أن يقال : لها المغرب ؛ لأنه اسم يشعر بمسماها وبابتداء وقتها ، ووجه كراهة إطلاق العشاء عليها لأجل الالتباس بالصلاة الأخرى ، فعلى هذا لا يكره أن يقال للمغرب العشاء الأولى ، ويؤيده قولهم : العشاء الآخرة ، كما ثبت في الصحيح ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه لا يقال للمغرب العشاء الأولى ، ويحتاج إلى دليل خاص ؛ لأنه لا حجة له من حديث الباب . وقال المهلب : إنما كره أن يقال للمغرب العشاء ؛ لأن التسمية من الله تعالى ورسوله ، قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا 40 - ( حدثنا أبو معمر ، هو عبد الله بن عمرو ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، قال : حدثنا عبد الله بن بريدة ، قال : حدثني عبد الله المزني ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، قال : وتقول الأعراب : هي العشاء ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنه نهاهم أن يسموا المغرب بالاسم الذي تسميه الأعراب ، وهو العشاء . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو معمر بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري . الثاني عبد الوارث بن سعيد التنوري . الثالث الحسين المعلم . الرابع عبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة قاضي مرو ، مات بها سنة خمس عشرة ومائة . الخامس عبد الله بن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المزني من أصحاب الشجرة قال : ( كنت أرفع أغصانها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) روي له ثلاثة وأربعون حديثا للبخاري منها خمسة ، وهو أول من دخل تستر وقت الفتح مات سنة ستين . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : ( لا يغلبنكم الأعراب ) قال الأزهري : معناه : لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخروها ، ولكن صلوها إذا كان وقتها والعشاء أول ظلام الليل ، وذلك من حين يكون غيبوبة الشفق ، فلو قيل في المغرب عشاء لأدى إلى اللبس بالعشاء الآخرة ، والكراهة في ذلك أن لا تتبع الأعراب في هذه التسمية ، وقيل : إن الأعراب يسمونها العتمة لكونهم يؤخرون الحلب إلى شدة الظلام . وقال القرطبي : لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى ، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى لا على التحريم ، ولا على أنه لا يجوز ألا تراه عليه الصلاة والسلام قد قال : " ولو يعلمون ما في العتمة والصبح " ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة . وقال الطيبي : يقال : غلبه على كذا غصبه منه ، أو أخذه منه قهرا ، والمعنى : لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء ، والعشاء بالعتمة ، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله تعالى بها ، قال : فالنهي على الظاهر للأعراب وعلى الحقيقة لهم . وقال غيره : معنى الغلبة : أنكم تسمونها اسما وهم يسمونها اسما ، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به ، وافقتموهم ، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له حتى غلبه ، ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ ، ( قلت ) : لما فسر الطيبي الغلبة بالغصب يحتاج إلى هذا التقدير ليتضح المعنى . وقال التوربشتي شارح ( المصابيح ) : المعنى : لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم ، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم ، قوله : ( الأعراب ) ، قال القرطبي : الأعراب : من كان من أهل البادية ، وإن لم يكن عربيا ، والعربي من ينسب إلى العرب ، ولو لم يسكن البادية . وقال ابن الأثير : الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليهما أعرابي وعربي ، قوله : " على اسم صلاتكم المغرب " ، كلمة على متعلقة بقوله : ( لا يغلبنكم ) ، والمغرب بالجر صفة للصلاة ، وهذه اللفظة ترد تفسير الأزهري : لا يغلبنكم الأعراب ، وهو الذي ذكرناه عنه ، عن قريب ، قوله : " قال وتقول الأعراب " ، قال الكرماني : أي قال عبد الله المزني ، وكان الأعراب يقولون ويريدون به المغرب ، فكان يشتبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة ، فنهى عن إطلاق العشاء على المغرب دفعا للالتباس . وقال بعضهم : وقد جزم الكرماني بأنه فاعل قال هو عبد الله المزني راوي الحديث ويحتاج إلى نقل خاص لذلك ، وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي أنه من تتمة الحديث ، فإنه أورد بلفظ ، فإن الأعراب تسميها ، والأصل في مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على إدراجه . قلت : لم يجزم الكرماني بذلك ، وإنما قال : قال عبد الله المزني : بناء على ظاهر الكلام ، فإنه فصل بين الكلامين بلفظ قال ، والظاهر أنه الراوي على أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة مطوية في رواية الإسماعيلي ، قوله : " هي العشاء " بكسر العين وبالمد ، وهو من المغرب إلى العتمة ، وقيل : من الزوال إلى طلوع الفجر ، واعلم أنه قد اختلف في لفظ المتن المذكور ، فرواه أحمد في ( مسنده ) وأبو نعيم في ( مستخرجه ) وابن خزيمة في ( صحيحه ) كرواية البخاري ، ورواه أبو مسعود الرازي ، عن عبد الصمد : لا يغلبنكم على اسم صلاتكم ، فإن الأعراب تسميها عتمة ، وكذا رواه علي بن عبد العزيز البغوي ، عن أبي معمر شيخ البخاري ، وأخرجه الطبراني كذلك ورجح الإسماعيلي رواية أبي مسعود الرازي ، لموافقته حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، الذي رواه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن ابن عمر بلفظ : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها في كتاب الله العشاء وإنهم يعتمون بحلاب الإبل ، ولابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن ، ولأبي يعلى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف كذلك .