20 - بَاب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ . وَقَالَ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَأَعْتَمَ بِهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ : أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَمَةِ . وَقَالَ جَابِرٌ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ . وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ . وَقَالَ أَنَسٌ : أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ . 564 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ سَالِمٌ : ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ - وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ - ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ . قوله ( بَابُ ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا ) غَايَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا ، مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ غَلَبَةِ الْأَعْرَابِ عَلَى التَّسْمِيَتَيْنِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِطْلَاقُ اسْمِ الْعِشَاءِ عَلَى الْمَغْرِبِ ، وَثَبَتَ عَنْهُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعَتَمَةِ عَلَى الْعِشَاءِ ، فَتَصَرَّفَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَتَيْنِ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ فِي الْعِشَاءِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ؛ فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ ، وَأَنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ . وَلِابْنِ مَاجَهْ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَلِأَبِي يَعْلَى ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَذَلِكَ ، زَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ الْعَتَمَةَ صَاحَ وَغَضِبَ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْمَوْقُوفَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ : فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ كَابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ جَوَازَهُ ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَغَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ خِلَافَ الْأَوْلَى وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْرِهِ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ عَنْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا مَا هُوَ اسْمٌ لِفَعْلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَهِيَ الْحَلْبَةُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِبُونَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ . قُلْتُ : وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْحَلْبَةَ إِنَّمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهَا فِي زَمَانِ الْجَدْبِ خَوْفًا مِنَ السُّؤَالِ وَالصَّعَالِيكِ ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ فَعْلَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مَكْرُوهَةٌ لَا تُطْلَقُ عَلَى فَعْلَةٍ دِينِيَّةٍ مَحْبُوبَةٍ ، وَمَعْنَى الْعَتْمِ فِي الْأَصْلِ تَأْخِيرٌ مَخْصُوصٌ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْعَتَمَةُ بَقِيَّةُ اللَّبَنِ تَغْبِقُ بِهَا النَّاقَةُ بَعْدَ هَوًى مِنَ اللَّيْلِ ، فَسُمِّيَتِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : مَنْ أَوَّلُ مَنْ سَمَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْعَتَمَةَ ؟ قَالَ : الشَّيْطَانُ . قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي إِيرَادِ أَطْرَافِ أَحَادِيثَ مَحْذُوفَةِ الْأَسَانِيدِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي أَمْكِنَةٍ أُخْرَى ، حَاصِلُهَا ثُبُوتُ تَسْمِيَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ تَارَةً عَتَمَةً وَتَارَةً عِشَاءً ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي لَا تَسْمِيَةَ فِيهَا بَلْ فِيهَا إِطْلَاقُ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَائِدَةُ إِيرَادِهِ لَهَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ ، لَا لِمَنْعِ تَأْخِيرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ فَضْلِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً ، وَبِاللَّفْظِ الثَّانِي وَهُوَ الْعَتَمَةُ فِي بَابِ الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ . قَوْله : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ . قَوْله : ( وَالِاخْتِيَارُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : هَذَا لَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ يُفْهِمُ التَّسْوِيَةَ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّرْجِيحِ . قُلْتُ : لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ ، فَالشَّيْئَانِ إِذَا كَانَا جَائِزَيِ الْفِعْلِ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا صَارَ عِنْدَهُ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ ، وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَبِأَنَّ تَسْمِيَتَهَا عِشَاءً يُشْعِرُ بِأَوَّلِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَبِأَنَّ لَفْظَهُ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ أَنَّهُ الِاخْتِيَارُ ، وَهُوَ وَاضِحٌ لِمَنْ نَظَرَهُ ، لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ كَرِهَ فَأَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ ، وَمَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ . قَوْله : ( وَيَذْكُرُ عَنْ أَبِي مُوسَى ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُطَوَّلًا بَعْدَ بَابٍ وَاحِدٍ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِأَنَّهُ اخْتَصَرَ لَفْظَهُ ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ ، وَأَجَابَ بِهِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ ، حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ صِيغَةَ الْجَزْمِ تَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ ، وَصِيغَةُ التَّمْرِيضِ لَا تَدُلُّ . ثُمَّ بَيَّنَ مُنَاسَبَةَ الْعُدُولِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْجَزْمِ مَعَ صِحَّتِهِ إِلَى التَّمْرِيضِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَعْنًى غَيْرِ التَّضْعِيفِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ إِيرَادِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ، وَكَذَا الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهِ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ يَرَى الْجَوَازَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ بِلَفْظِ أَعْتَمَ بِالْعِشَاءِ فَوَصَلَهُ فِي بَابِ فَضْلِ الْعِشَاءِ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ ، وَفِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُهَا بِلَفْظِ أَعْتَمَ بِالْعَتَمَةِ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ بَعْدَ بَابِ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ أَيْضًا وَيُونُسَ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ ، وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ السِّيَاقَ الْمَذْكُورَ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي . ( تَنْبِيهٌ ) : مَعْنَى أَعْتَمَ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ ، وَيُطْلَقُ أَعْتَمَ بِمَعْنَى أَخَّرَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُنَا أَظْهَرُ . قَوْله : ( وَقَالَ جَابِرٌ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعِشَاءَ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَفِي بَابِ وَقْتِ الْعِشَاءِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَنَسٌ : أَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ . قَوْله : ( وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَسْنَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْحَجِّ بِلَفْظِ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا . أَمَّا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فَوَصَلَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ : جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ فِي بَابِ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْله : ( قَالَ سَالِمٌ : ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ أَبُوهُ . قَوْله : ( صَلَّى لَنَا ) أَيْ لِأَجْلِنَا ، أَوِ اللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ . قَوْله : ( وَهِيَ الَّتِي يَدْعُونَهَا النَّاسُ الْعَتَمَةَ ) تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهَا بِهَذَا الِاسْمِ ، فَصَارَ مَنْ عَرَفَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : يُجْمَعُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً وَبَيْنَ مَا جَاءَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَالثَّانِي بِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالْعَتَمَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِشَاءَ لِكَوْنِهِ أَشْهَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِشَاءِ ، فَهُوَ لِقَصْدِ التَّعْرِيفِ لَا لِقَصْدِ التَّسْمِيَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْعَتَمَةِ فِي الْعِشَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْعِشَاءِ لِلْمَغْرِبِ ، فَلَوْ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ ، لَتَوَهَّمُوا أَنَّهَا الْمَغْرِبُ . قُلْتُ : وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ . فَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْعِشَاءِ تَارَةً وَبِالْعَتَمَةِ تَارَةً مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، وَقِيلَ : إِنَّ النَّهْيَ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً نَسَخَ الْجَوَازَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ قَبْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ نَظَرٌ لِلِاحْتِيَاجِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى التَّارِيخِ ، وَلَا بُعْدَ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا ، فَلَمَّا كَثُرَ إِطْلَاقُهُمْ لَهُ نُهُوا عَنْهُ لِئَلَّا تَغْلِبَ السُّنَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَى السُّنَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ رَوَوُا النَّهْيَ اسْتَعْمَلُوا التَّسْمِيَةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا فِي مِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلِرَفْعِ الِالْتِبَاسِ بِالْمَغْرِبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله : ( وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِغَلَبَةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا · ص 53 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 171 20 - باب ذكر العشاء والعتمة ، ومن رآه واسعا مراده : أن العشاء الآخرة تسمى العشاء ، وتسمى العتمة ، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة ، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل ؛ اتباعا لقول الله عز وجل : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ وهذا قول كثير من العلماء ، أو أكثرهم ، وهو ظاهر كلام أحمد ، وقول أكثر أصحابه ، وكذا قال الشافعي في ( الأم ) : أحب إلي أن لا تسمى العشاء الآخرة عتمة ، وهو قول كثير من أصحابه ، أو أكثرهم . ومنهم من قال : يكره أن تسمى عتمة ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا . وقد روي عن طائفة من السلف ، منهم : ابن عمر وكان يكرهه كراهة شديدة ، ويقول : أول من سماها بذلك الشيطان . وكرهه - أيضا - ابنه سالم وابن سيرين . وخرج مسلم من حديث عبد الله بن أبي لبيد ، عن أبي سلمة ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء ، وهم يعتمون بالإبل ) . وفي رواية له - أيضا - : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء ، فإنها في كتاب الله العشاء ، وإنها تعتم بحلاب الإبل ) . كذا رواه ابن أبي لبيد ، عن أبي سلمة . وابن أبي لبيد كان يتهم بالقدر . وقال العقيلي : كان يخالف في بعض حديثه . وتابعه عليه ابن أبي ليلى ، عن أبي سلمة ، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ . ورواه عبد الرحمن بن حرملة ، عن أبي سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . وقيل : عن ابن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وخرجه ابن ماجه . وليس بمحفوظ . وفيه - أيضا - : عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي إسناده جهالة . وقد حمله بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة ، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب . وتسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره ، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر ، ولا يكره تسميتها صلاة الصبح . خرج البخاري في هذا الباب حديثا مسندا ، وذكر فيه أحاديث كثيرة تعليقا ، وقد خرج عامتها في مواضع أخر من كتابه ، فقال : وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر ) . وقال : ( لو يعلمون ما في العتمة والفجر ) . حديث أبي هريرة قد أسنده في ( باب : فضل صلاة العشاء في جماعة ) ، وخرج قبله في ( باب : فضل التهجير إلى الظهر ) من حديث أبي هريرة - مرفوعا - : ( لو يعلمون ما في العتمة والصبح ) . وخرجه أيضا - في ( باب : الاستهام على الأذان ) .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 172 ثم قال البخاري : فالاختيار أن يقول : العشاء ؛ لقول الله : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ قال : ويذكر عن أبي موسى : كنا نتناوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء ، فأعتم بها . حديث أبي موسى هذا قد خرجه بعد هذا قريبا في ( باب : فضل العشاء ) ، وخرجه في مواضع أخر ، وقد علقه هنا بقوله : ( ويذكر ) ، فدل على أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفا فيما علقه بها ، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف ، إلا أن أغلب ما يعلق بها ما ليس على شرطه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 173 ثم قال : وقال ابن عباس وعائشة : أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء . وقال بعضهم : عن عائشة أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة . حديث عائشة خرجه في ( باب : فضل العشاء ) ، ولفظه : ( أعتم بالعشاء ) . وحديث ابن عباس خرجه في ( باب : النوم قبل العشاء ) ، بلفظ حديث عائشة . وخرج مسلم حديث عائشة ، ولفظه : ( أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بصلاة العشاء ، وهي التي تدعى العتمة ) . وخرج النسائي حديث عائشة وابن عباس ، وعنده فيهما : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة . وخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العتمة . ومن حديث معاذ بن جبل ، قال : أبقينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 174 ثم قال البخاري : وقال جابر : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء . حديث جابر قد خرجه البخاري في الباب الذي بعد هذا ، وقد خرجه فيما مضى - أيضا .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 174 قال : وقال أبو برزة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤخر العشاء . حديث أبي برزة هذا خرجه فيما مضى في ( باب : وقت العصر ) ولفظه : ( وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة ) .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 174 ثم قال : وقال أنس : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة . حديث أنس هذا خرجه النسائي ، وخرجه البخاري في مواضع ، ولفظه : ( أخر العشاء ) . وخرج مسلم من حديث ابن عمر ، قال : مكثنا ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 175 ثم قال البخاري : وقال ابن عمر وأبو أيوب : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء . وحديثهما في جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وقد خرجه البخاري في ( كتاب الحج ) . وخرجه مسلم أيضا .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 175 وأما الحديث الذي أسنده في هذا الباب : فقال : 564 - حدثنا عبدان : أبنا عبد الله : ثنا يونس ، عن الزهري : قال سالم : أخبرني عبد الله ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - ، ثم انصرف فأقبل علينا ، فقال : ( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) . في هذا الحديث : أن صلاة العشاء يدعوها الناس العتمة ، وكذا في حديث عائشة وأبي برزة ، وهذا كله يدل على اشتهار اسمها بين الناس بالعتمة ، وهو الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ابن عمر وغيره يكرهونه أن يغلب عليها اسم العتمة حتى لا تسمى بالعشاء إلا نادرا . وأما إذا غلب عليها اسم العشاء ، ثم سميت - أحيانا - بالعتمة بحيث لا يزول بذلك غلبة اسم العشاء عليها ، فهذا غير منهي عنه ، وإن كان تسميتها بالعشاء - كما سماها الله بذلك في كتابه - أفضل . وأما ما قاله صلى الله عليه وسلم من أنه : ( لا يبقى على رأس مائة سنة من تلك الليلة أحد ) ، فمراده بذلك : انخرام قرنه وموت أهله كلهم الموجودين منهم في تلك الليلة على الأرض ، وبذلك فسره أكابر الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهما . ومن ظن أنه أراد بذلك قيام الساعة الكبرى فقد وهم ، وإنما أراد قيام ساعة الأحياء حينئذ وموتهم كلهم ، وهذه الساعة الوسطى ، والساعة الصغرى موت كل إنسان في نفسه ، فمن مات فقد قامت ساعته الصغرى ، كذا قاله المغيرة بن شعبة وغيره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 59 ( باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا ) أي هذا باب في بيان ذكر العشاء والعتمة في الآثار ، ومن رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء واسعا ، أي : جائزا ، والعتمة بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق وقت صلاة العشاء الآخرة . وقال الخليل : هي بعد غيبوبة الشفق ، وأعتم : إذا دخل في العتمة ، والعتمة : الإبطاء ، يقال : أعتم الشيء وعتمه إذا أخره ، وعتمت الحاجة واعتمت : إذا تأخرت ، فإن قلت : سياق الحديث الذي في هذا الباب ، والحديث الذي في الباب الذي قبله واحد ، فما وجه مغايرة الترجمتين ؟ قلت : لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إطلاق اسم العشاء على المغرب ، وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء ، فغاير البخاري بين الترجمتين بحسب ذلك . ( وقال أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر . وقال : لو يعلمون ما في العتمة والفجر ) . اللفظ الأول أسنده البخاري في فضل العشاء في جماعة ، والثاني أسنده في باب الأذان والشهادات ، وأشار البخاري بإيراد هذا الحديث والأحاديث التي بعده محذوفة الأسانيد إلى جواز تسمية العشاء بالعتمة ، وقد أباح تسميتها بالعتمة أيضا أبو بكر وابن عباس ، ذكره ابن أبي شيبة . ( قال أبو عبد الله : والاختيار أن يقول العشاء ، لقوله تعالى : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وكأنه اقتبس مما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء ، فإنها في كتاب الله تعالى العشاء ، قال تعالى : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ وقال ابن المنير : هذا لا يتناوله لفظ الترجمة ، فإن لفظها يفهم التسوية ، وهذا ظاهر في الترجيح ، وأجيب عنه بأنه لا منافاة بين الجواز والأولوية ، فالشيئان إذا كانا جائزي الفعل قد يكون أحدهما أولى من الآخر ، وإنما صار أولى منه لموافقته لفظ القرآن ، ( قلت ) : لا نسلم أن لفظ الترجمة يفهم بالتسوية غاية ما في الباب ، إنما تفهم الجواز عند من رآه ، والجواز لا يستلزم التسوية .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 60 ( ويذكر عن أبي موسى قال : كنا نتناوب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء ، فأعتم بها ) . هذا التعليق وصله البخاري في باب فضل العشاء مطولا ، وهو الباب الذي يلي الباب الذي بعده ، ولفظه فيه : " فكان يتناوب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم ، فوافقنا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنا وأصحابي ، وله بعض الشغل في بعض أمره ، فاعتم بالصلاة ، الحديث . فإن قلت : هذا صحيح عنده ، فكيف ذكره بصيغة التمريض ، ( قلت ) : غرضه بيان إطلاقهم العتمة والعشاء كليهما عليه ، سواء كان بصيغة التمريض نحو يذكر ، أو بصيغة التصحيح نحو قال ، كما قال وقال أبو هريرة فيما مضى الآن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 60 ( وقال ابن عباس وعائشة : أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة بالعشاء ) . هذا التعليق ذكر بصيغة التصحيح ، وحديث ابن عباس وصله في باب النوم قبل العشاء ، وهو الباب الرابع بعد هذا الباب ، ولفظه فيه . قلت : لعطاء فقال : سمعت ابن عباس يقول : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس ، الحديث . وأما حديث عائشة ، فوصله في باب فضل العشاء ، ولفظه عن عروة : أن عائشة أخبرته قال : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء ، الحديث . وكذا وصله في باب النوم قبل العشاء ، عن عروة أن عائشة قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء ، الحديث . قوله : ( أعتم النبي - عليه الصلاة والسلام - بالعتمة ) ، أي : أخر صلاة العتمة ، أو أبطأ بها ، قوله : ( بالعشاء ) بدل اشتمال من قوله : ( بالعتمة ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 60 ( وقال بعضهم عن عائشة : أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة ) . هذا التعليق وصله البخاري في باب خروج النساء إلى المساجد بالليل من طريق شعيب ، عن الزهري ، عن عروة عنها ، وأخرجه النسائي أيضا من هذا الطريق ، قوله : " أعتم بالعتمة " ، أي : دخل في وقت العتمة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 60 ( وقال جابر : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء ) . لما ذكر ثلاث تعليقات عن ثلاثة من الصحابة ، وهم أبو موسى الأشعري وابن عباس وعائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنهم ، وفيها ذكر العتمة وأعتم شرع يذكر عن خمسة من الصحابة بالتعليق فيها ذكر العشاء : الأول عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت المغرب ، عن محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم إلى آخره ، وفيه : ( والعشاء أحيانا وأحيانا ) الحديث ، ووصله أيضا في باب وقت العشاء الذي يلي الباب الذي نحن فيه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 61 ( وقال أبو برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخر العشاء ) . هذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العصر الذي مضى قبل هذا الباب بستة أبواب من حديث سيار بن سلامة ، قال : ( دخلت أنا وأبي على أبي برزة ) الحديث ، وفيه : ( وكان يستحب أن يؤخر العشاء ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 61 ( وقال أنس : أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة ) . وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب وقت العشاء إلى نصف الليل ، وهو بعد الباب الذي نحن فيه بأربعة أبواب من حديث حميد الطويل ، عن أنس قال : ( أخر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة العشاء إلى نصف الليل ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 61 ( وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس - رضي الله عنهم - : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء . وهذا التعليق فيه ثلاثة من الصحابة عبد الله بن عمر ، وأبو أيوب خالد بن زيد الخزرجي ، وعبد الله بن عباس ، أما حديث ابن عمر فوصله البخاري في الحج بلفظ : ( صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء بالمزدلفة ) ، وأما حديث أبي أيوب فوصله أيضا بلفظ : ( جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بين المغرب والعشاء ) ، وأما حديث ابن عباس ، فوصله في باب تأخير الظهر إلى العصر ، وكذا أسنده أبو داود وابن ماجه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا · ص 61 41 - ( حدثنا عبدان ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا يونس ، عن الزهري ، قال سالم : أخبرني عبد الله ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء ، وهي التي يدعو الناس العتمة ، ثم انصرف ، فأقبل علينا ، فقال : أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة منها لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، فإن فيه ذكر العشاء والعتمة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول عبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ، وهو لقب عبد الله بن عثمان المروزي . الثاني عبد الله بن المبارك . الثالث يونس بن يزيد الأيلي . الرابع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . السادس أبوه عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه رواية الابن ، عن أبيه بذكر اسمه ، وهو قوله : ( قال سالم : أخبرني عبد الله ) فإن سالما هو ابن عبد الله بن عمر ، وشيخه هنا هو أبوه عبد الله بن عمر ، وفيه أن رواته ما بين مروزي ومدني وأيلي ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) قد ذكرنا في كتاب العلم في باب السمر بالعلم أن البخاري أخرج هذا الحديث فيه ، عن سعيد بن عفير ، عن الليث ، عن عبد الرحمن بن خالد ، عن ابن شهاب هو الزهري ، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة أن عبد الله بن عمر قال : ( صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر حياته ، فلما سلم قال : أرأيتكم ) الحديث ، وأخرجه أيضا ، عن أبي اليمان ، عن شعيب عن الزهري ، وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن شعيب به ، وعن أبي رافع وعبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر به . ( ذكر معناه ) قوله : ( صلى لنا ) ويروى ( صلى بنا ) ومعنى اللام صلى إماما لنا ، وإلا فالصلاة لله لا لهم ، قوله : ( ليلة ) ، أي : في ليلة من الليالي ، قوله : ( وهي التي يدعو الناس العتمة ) ، وقد مر نظيره في حديث أبي برزة في قوله : ( وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة ) وهذا يدل على غلبة استعمالهم لها بهذا الاسم ممن لم يبلغهم النهي ، وأما من عرف النهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف ، قوله : ( ثم انصرف ) ، أي : من الصلاة ، قوله : ( أرأيتكم ) بفتح الراء وتاء الخطاب ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب السمر بالعلم ، قوله : ( فإن رأس ) ، وفي رواية الأصيلي : فإن على رأس مائة سنة ، قوله : ( منها ) ، أي : من تلك الليلة ، قوله : ( لا يبقى ) خبر إن ، والتقدير : لا يبقى عنده أو فيه . وقال النووي : المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمره بعد ذلك أو لا ، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة . وقال ابن بطال : إنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذه المدة تخترم الجيل الذين هم فيها ، فوعظهم بقصر أعمارهم ، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة ، وقيل : أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأرض البلدة التي هو فيها . وقال تعالى : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً يريد المدينة ، وقوله : ( ممن هو على وجه الأرض ) احتراز عن الملائكة ، وقد أمعنا الكلام فيه هناك . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر ، والجمهور على خلافه . وقال السهيلي ، عن أبي عمر بن عبد البر : قد تواترت الأخبار باجتماع الخضر بسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يرد قول من قال : لو كان حيا لاجتمع بنبينا - صلى الله عليه وسلم - وأيضا عدم إتيانه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس مؤثرا في الحياة ولا غيرها ، لأنا عهدنا جماعة آمنوا به ولم يروه مع الإمكان ، وزعم ابن عباس ووهب : أن الخضر كان نبيا مرسلا ، وممن قال بنبوته أيضا مقاتل وإسماعيل بن أبي زياد الشامي ، وقيل : كان وليا . وقال أبو الفرج : والصحيح أنه نبي ، ولا يعترض على الحديث بعيسى ؛ لأنه ليس على وجه الأرض ولا بالخضر ؛ لأنه في البحر ، ولا بهاروت وماروت لأنهما ليسا ببشر ، وكذا الجواب في إبليس ، ويقال : معنى الحديث : لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه ، فالحديث عام أريد به الخصوص ، والجواب الأوجه في هذا أن نقول : إن المراد ممن هو على ظهر الأرض أمته ، وكل من هو على ظهر الأرض أمته المسلمون أمة إجابة ، والكفار أمة دعوة ، وعيسى والخضر ليسا داخلين في الأمة ، والشيطان ليس من بني آدم .