92 - بَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ 6154 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . 6155 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حتى يَرِيهِ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرَ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ ) هُوَ فِي هَذَا الْحَمْلِ مُتَابِعٌ لِأَبِي عُبَيْدٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الذَّمَّ إذا كَانَ لِلِامْتِلَاءِ وَهُوَ الَّذِي لَا بَقِيَّةَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُهُ الذَّمُّ . ثم ذكر فيه حَدِيثُ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى يَرِيَهُ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ هُنَا ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ ، وَنَسَبَهَا بَعْضُهُمْ لِلْأَصِيلِيِّ ، وَلِسَائِرِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ قَيْحًا يَرِيهِ بِإِسْقَاطِ حَتَّى ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي أَكْثَرِهَا حَتَّى يَرِيَهُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَتَّى يَرِيَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِإِسْقَاطِ حَتَّى فَعَلَى ثُبُوتِهَا يُقْرَأُ يَرِيَهِ بِالنَّصْبِ ، وَعَلَى حَذْفِهَا بِالرَّفْعِ ، قَالَ : وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ يَقْرَءُونَهَا حَتَّى جَرْيًا عَلَى الْمَأْلُوفِ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَنْصِبُ . وَذُكِرَ أَنَّ ابْنَ الْخَشَّابِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ . وَوَجَّهَ بَعْضَهُمُ النَّصْبَ عَلَى بَدَلِ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ ، وَإِجْرَاءِ إِعْرَابٍ يَمْتَلِئُ عَلَى يَرِيَهُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ قَيْحًا يَتَخَضْخَضُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ وَلَفْظُهُ بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرَجِ إِذْ عَرَضَ لَنَا شَاعِرٌ يُنْشِدُ فَقَالَ : أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ ; لَأَنْ يَمْتَلِئَ فَذَكَرَهُ . وَيَرِيَهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ - آخِرُ الْحُرُوفِ - بَعْدَهَا رَاءٌ ثُمَّ يَاءٌ أُخْرَى ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُوَ مِنَ الْوَرْيِ بِوَزْنِ الرَّمْيِ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ مَوْرَى غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، وَهُوَ أَنْ يُورَى جَوْفُهُ وَأَنْشَدَ : قَالَتْ لَهُ وَرْيًا إِذَا تَنَحْنَحَا تَدْعُو عَلَيْهِ بِذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْوَرْيُ هُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْقَيْحُ جَوْفَهُ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِيهِ الْفَتْحَ بِوَزْنِ الْفَرْيِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ بِالسُّكُونِ الْمَصْدَرُ ، وَبِالْفَتْحِ الِاسْمُ . وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى يَرِيَهُ أَيْ يُصِيبَ رِئَتَهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّئَةَ مَهْمُوزَةٌ ، فَإِذَا بَنَيْتَ مِنْهُ فِعْلًا قُلْتَ : رَأَهُ يَرْأَهُ فَهُوَ مَرْئِيٌّ انْتَهَى ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَصْلِهَا مَهْمُوزًا أَنْ لَا تُسْتَعْمَلَ مُسَهَّلَةً ، وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّئَةَ إِذَا امْتَلَأَتْ قَيْحًا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ جَوْفُ أَحَدِكُمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ يَحْتَمِلُ ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَوْفَهُ كُلَّهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَلْبَ خَاصَّةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الطِّبِّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْحَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَمُوتُ لَا مَحَالَةَ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْقَلْبِ مِمَّا فِي الْجَوْفِ مِنَ الْكَبِدِ وَالرِّئَةِ . قُلْتُ : وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ : لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إِلَى لَهَاتِهِ وَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ لِلثَّانِي لِأَنَّ مُقَابِلَهُ - وَهُوَ الشِّعْرُ - مَحَلُّهُ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ الْفِكْرِ ، وَأَشَارَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنَ الشِّعْرِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُهُ أَوْ يَتَعَانَى حِفْظَهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَقَوْلُهُ قَيْحًا بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ؛ الْمُدَّةُ لَا يُخَالِطُهَا دَمٌ ، وَقَوْلُهُ شِعْرًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شِعْرٍ ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا كَمَدْحِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاطَ فِيهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَرِيبًا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا يَعْنِي الشِّعْرَ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَانَ شَطْرَ بَيْتٍ لَكَانَ كُفْرًا ، فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْهَ الْحَدِيثِ عَلَى امْتِلَاءِ الْقَلْبِ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ ، وَلَكِنْ وَجْهَهُ عِنْدِي أَنْ يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ مِنَ الشِّعْرِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفُهُ مُمْتَلِئًا مِنَ الشِّعْرِ . قُلْتُ : وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : يَعْنِي مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ، فَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَيْحًا أَوْ دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتَ بِهِ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَا يُعْرَفُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ : مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الْحَدِيثِ ، وَأَبُو صَالِحٍ شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ السَّمَّانُ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بَلْ هَذَا آخَرُ ضَعِيفٌ يُقَالُ لَهُ بَاذَانِ ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ . وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ أَبِي عُبَيْدٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَتْحَ وَغَيْرَهَا وَكَانَ شَاعِرًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي الشِّعْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْسَحْ عَلَى رَأْسِي ، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي فَمَا قُلْتُ : بَيْتَ شَعْرٍ بَعْدُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى كَبِدِي وَبَطْنِي وَزَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَاشْبِبْ بِامْرَأَتِكَ وَامْدَحْ رَاحِلَتَكَ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِامْتِلَاءُ مِنَ الشِّعْرِ لَمَا أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . بَلْ دَلَّتِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُ . وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ عَنْ جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تَأَوَّلَتْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الشِّعْرِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا عَيْبُ امْتِلَاءِ الْجَوْفِ مِنْهُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ رِوَايَةُ الْيَسِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ ، وَلَا الِاسْتِشْهَادُ بِهِ فِي اللُّغَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِشْكَالَ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ : عَائِشَةُ أَعْلَمُ مِنْهُ ، فَإِنَّ الَّذِي يَرْوِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ لَا يَكْفُرُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ صَنِيعِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي إِيرَادِهِ بَعْضَ أَشْعَارِ الْكَفَرَةِ فِي هَجْوِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِتَأْوِيلِ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ ثَابِتٌ بِاللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْكَثِيرِ مِنَ الشِّعْرِ لَيْسَ كَالْكَثِيرِ فَخُصَّ الذَّمُّ بِالْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِامْتِلَاءُ دُونَ الْقَلِيلِ مِنْهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ بَنَى هَذَا التَّأْوِيلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ فَلَا يَكُونُ نَاقِلًا لِلُّغَةِ ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا فَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِهِ عَلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ لَا عَلَى مَا يَعْرِضُ فِي خَاطِرِهِ ، لِمَا عُرِفَ مِنْ تَحَرُّزِهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ الشِّعْرِ مُطْلَقًا وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ سَلِمَ مِنَ الْفُحْشِ . وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ خُذُوا الشَّيْطَانَ وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ، أَوْ كَانَ الشِّعْرُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ شِعْرُهُ الَّذِي يَنْشُدُهُ إِذْ ذَاكَ مِنَ الْمَذْمُومِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، وَلَا عُمُومَ لَهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِامْتِلَاءِ الْجَوْفِ بِالشِّعْرِ الْمَذْمُومِ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَمَّا عَدَاهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ الِامْتِلَاءُ مِنَ السَّجْعِ مَثَلًا ، وَمِنْ كُلِّ عِلْمٍ مَذْمُومٍ كَالسِّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي تُقَسِّي الْقَلْبَ وَتَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتُحْدِثُ الشُّكُوكَ فِي الِاعْتِقَادِ ، وَتُفْضِي بِهِ إِلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّنَافُسِ . ( تَنْبِيهٌ ) : مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ الشِّعْرِ أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانُوا فِي غَايَةِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ ، فَزَجَرَهُمْ عَنْهُ لِيُقْبِلُوا عَلَى الْقُرْآنِ وَعَلَى ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعِبَادَتِهِ ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ · ص 563 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن · ص 188 باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن . أي : هذا باب في بيان كراهة كون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده ، أي يمنعه عن ذكر الله ومذاكرة العلم وقراءة القرآن ، وقال الكرماني : الغالب بالرفع والنصب ، قلت : أما الرفع فعلى أن يكون اسم كان وخبره قوله الشعر ، وأما النصب فعلى العكس ، وهو أن يكون الشعر هو اسمه ، والغالب خبره . 177 - حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا حنظلة ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا . مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه ؛ لأن امتلاء الجوف بالشعر كناية عن كثرة الاشتغال به حتى يكون وقته مستغرقا به ، فلا يتفرغ لذكر الله عز وجل ، ولا لقراءة القرآن ، وتحصيل العلم ، وهذا هو المذموم ، وفيه إشارة إلى أن ذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن ، والاشتغال بالعلم إذا كانت غالبة عليه فلا يدخل تحت هذا الذم . وعبيد الله بن موسى هو أبو محمد العبسي الكوفي ، وحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة ، وباللام ابن أبي سفيان الجمحي القرشي من أهل مكة ، واسم أبي سفيان الأسود ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر ، يروي عن أبيه . والحديث أخرجه الطحاوي ، حدثنا يونس قال : حدثنا ابن وهب قال : سمعت حنظلة قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثله ، وهذا السند أقوى من سند البخاري على ما لا يخفى ، ويونس هو ابن عبد الأعلى الصدفي المصري شيخ مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . قوله : لأن يمتلئ اللام فيه للتأكيد ، وأن مصدرية ، وهو في محل الرفع على الابتداء ، وخبره هو قوله : خير له ، قوله : قيحا نصب على التمييز ، وهو الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح ، ويقال : هو المدة التي لا يخالطها الدم ، وروى الطحاوي أيضا بإسناده ، عن عمرو بن حريث ، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا . وأخرجه البزار ، ثم قال : وهذا الحديث قد رواه غير واحد ، عن إسماعيل ، عن عمرو بن حريث ، عن عمر رضي الله تعالى عنه موقوفا ، ولا نعلم أحدا أسنده إلا خلاد عن سفيان ، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا موقوفا ، وأخرج الطحاوي أيضا بإسناده من حديث محمد بن سعد ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا ، وأخرجه مسلم أيضا ، وروى الطحاوي أيضا ، عن أبي هريرة على ما نذكره عن قريب ، وروى أيضا من حديث عوف بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته قيحا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرا . ولما أخرج الترمذي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : وفي الباب عن أبي سعيد ، وأبي الدرداء قلت : حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم ، قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعرج إذ عرض علينا شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : احذروا الشيطان ، أو أمسكوا الشيطان ؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا وحديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني من حديث خالد بن معدان ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ، ولما أخرج الطحاوي الأحاديث المذكورة قال : فكره قوم رواية الشعر ، واحتجوا بهذه الآثار ، قلت : أراد بالقوم هؤلاء مسروقا ، وإبراهيم النخعي ، وسالم بن عبد الله ، والحسن البصري ، وعمرو بن شعيب ، فإنهم قالوا : يكره رواية الشعر ، وإنشاده ، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : لا بأس برواية الشعر الذي لا قذع فيه . قلت : أراد بالآخرين الشعبي ، وعامر بن سعد ، ومحمد بن سيرين ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبا حنيفة ، ومالكا ، والشافعي ، وأحمد ، وأبا يوسف ، ومحمدا ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا ثور ، وأبا عبيد ، فإنهم قالوا : لا بأس برواية الشعر الذي ليس فيه هجاء ، ولا نكت عرض أحد من المسلمين ، ولا فحش . وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عباس ، وعمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمران بن الحصين ، والأسود بن سريع ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، قوله : لا قذع فيه بفتح القاف وسكون الذال المعجمة وبعين مهملة ، وهو الفحش والخنى ، ثم أجاب الطحاوي عن الأحاديث المذكورة بما ملخصه : قيل لعائشة : إن أبا هريرة يقول : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ؟ فقالت عائشة : يرحم الله أبا هريرة ، حفظ أول الحديث ، ولم يحفظ آخره : إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا من مهاجاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وقوله : جوف أحدكم ظاهره الجوف مطلقا بما فيه من القلب وغيره ، ويحتمل أن يراد به القلب خاصة ، وهذا هو الأظهر ؛ لأن القلب إذا وصل إليه شيء منه ، وإن كان يسيرا فإنه يموت لا محالة ، بخلاف غير القلب ، وقوله : شعرا ظاهره العموم ، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وما يشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه .