بَاب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ 6243 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ : فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تتَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ ) : أَيْ أَنَّ الزِّنَا لَا يَخْتَصُّ إِطْلَاقُهُ بِالْفَرْجِ ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ نَظَرٍ وَغَيْرِهِ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ رُؤْيَةِ مَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِتَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ ، وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ سِيَاقَهُمَا سَوَاءٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَفْظُهُ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اللَّمَمِ ، فَقَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا . فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مَوْقُوفَةٌ وَرِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَرْفُوعَةٌ ، وَمَحْمُودٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَعَلَّقَهُ فِيهِ لِوَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَيْنَ طَاوُسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : سمي النَّظَرُ وَالنُّطْقُ زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتَدَلَّ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ : وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ عَلَى أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا قَالَ : زَنَتْ يَدُكَ ، لَا يُحَدُّ . وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ : يُحَدُّ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، وَاحْتَجَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُضَافُ لِلْأَيْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَقَوْلُهُ : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَتَيْنِ جِنَايَةَ الْأَيْدِي فَقَطْ بَلْ جَمِيعُ الْجِنَايَاتِ اتِّفَاقًا ، فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ : زَنَتْ يَدُكَ ، وَصَفَ ذَاتَهُ بِالزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّضُ ، اهـ . وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ · ص 28 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب زنا الجوارح دون الفرج · ص 239 باب زنا الجوارح دون الفرج أي : هذا باب في بيان زنا الجوارح دون الفرج ، وهي جمع جارحة ، وجوارح الإنسان أعضاؤه التي يكتسب بها ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج ، بل يطلق على ما دون الفرج ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق على ما يأتي بيانه في حديث الباب . 16 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : لم أر شيئا أشبه باللمم من قول أبي هريرة ( ح ) ، وحدثني محمود ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى ، وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك كله ، ويكذبه . مطابقته للترجمة في قوله : فزنا العين النظر إلى آخره ، والكلام فيه على أنواع . الأول : في رجاله الحميدي ، هو عبد الله بن الزبير بن عيسى المنسوب إلى أحد أجداده ، وحميد مصغر حمد ، وسفيان هو ابن عيينة ، وابن طاوس هو عبد الله ، وطاوس هو ابن كيسان الهمداني ، ومحمود هو ابن غيلان ، وعبد الرزاق هو ابن همام ، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد . الثاني : أنه اقتصر أولا على قول أبي هريرة بقول ابن عباس من طريق سفيان موقوفا ، ثم عطف عليه رواية معمر ، عن ابن طاوس فساقه مرفوعا بتمامه . الثالث : في معناه ، فقوله اللمم ما يلم به الشخص من شهوات النفس ، وقيل : هو المقارب من الذنوب ، وقيل : هو صغائر الذنوب . قوله : كتب ، أي : قدر . قوله : حظه ، أي : نصيبه مما قدر عليه . قوله : لا محالة بفتح الميم ، أي : لا حيلة له في التخلص من إدراك ما كتب عليه ، ولا بد من ذلك . قوله : المنطق بالميم ، ويروى النطق بلا ميم . قوله : تمنى أصله تتمنى فحذفت منه إحدى التاءين كما في قوله تعالى : نَارًا تَلَظَّى أي : تتلظى . قوله : والفرج يصدق ذلك المذكور من زنا العين ، وزنا اللسان ، والتصديق بالفعل ، والتكذيب بالترك ، وقيل : التصديق والتكذيب من صفات الإخبار فما معناهما هاهنا ، وأجيب بأنه لما كان التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع ، والتكذيب الحكم بعدمها ، فكأنه هو الموقع ، أو الدفع ، فهو تشبيه ، أو لما كان الإيقاع مستلزما للحكم بها عادة ، فهو كناية . الرابع : فيما يتعلق بالمقصود منه ، فقوله : زنا العين ، يعني : فيما زاد على النظرة الأولى التي لا يملكها ، فالمراد النظرة على سبيل اللذة ، والشهوة ، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به من محادثة ما لا يحل له ذلك منه ، والنفس تمنى ذلك وتشتهيه ، فهذا كله يسمى زنا ؛ لأنه من دواعي الزنا الفرج ، وقال المهلب : كل ما كتبه الله عز وجل على ابن آدم فهو سابق في علم الله لا بد أن يدركه المكتوب ، وأن الإنسان لا يملك دفع ذلك عن نفسه ، غير أن الله تعالى تفضل على عباده ، وجعل ذلك لمما وصغائر لا يطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق لها ، فإذا صدق الفرج كان ذلك من الكبائر ، واحتج أشهب بقوله ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه أنه إذا قال : زنى يدك ، أو رجلك لا يحد ، وخالفه ابن القاسم ، وفي التوضيح ، وقال الشافعي : إذا قال : زنت يدك يحد ، واعترض عليه بعض من عاصرناه من الشافعية ، والأصح أن هذا كناية ، ففي الروضة إذا قال : زنت يدك ، أو عينك ، أو رجلك ، أو يداك ، أو عيناك ، فكناية على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، يعني : من الشافعية .