32 - بَاب مَنْ لَمْ يَكْرَهْ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ رَوَاهُ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ 589 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ ) قِيلَ : آثَرَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ بِذِكْرِ الْمَذَاهِبِ عَلَى ذِكْرِ الْحُكْمِ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ عُهْدَةِ بَتِّ الْقَوْلِ فِي مَوْضِعٍ كَثُرَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ ، وَمُحَصِّلُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي تَعْيِينِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ : عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَعِنْدَ الِاسْتِوَاءِ . وَتَرْجِعُ بِالتَّحْقِيقِ إِلَى ثَلَاثَةٍ : مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَكَذَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ مَثَلًا حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ يُكْرَهُ لَهُ التَّنَفُّلُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ جَارٍ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ ، وَأَمَّا هَذِهِ الصُّورَةُ النَّادِرَةُ فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً . وَفِي الْجُمْلَةِ عَدُّهَا أَرْبَعَةً أَجْوَدُ ، وَبَقِيَ خَامِسٌ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى شَرْطِهِ فَتَرْجَمَ عَلَى نَفْيِهِ ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ : حَدِيثُ عَقَبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ : حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظِلُّهُ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَلَفْظُهُ : حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ ، فَإِذَا زَالَتْ فَصَلِّ ، وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا وَفِي آخِرِهِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مَعَ قُوَّةِ رِجَالِهِ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ ، وَبِقَضِيَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا نُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ : مَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الصُّنَابِحِيِّ ، فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَإِمَّا أَنَّهُ رَدَّهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ . انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَدَبَ النَّاسَ إِلَى التَّبْكِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ ، وَجَعَلَ الْغَايَةَ خُرُوجَ الْإِمَامِ ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ . وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ . وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ شَوَاهِدَ ضَعِيفَةً إِذَا ضُمَّتْ قَوِيَ الْخَبَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَائِدَةٌ ) : فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا فَقَالَ : يُكْرَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَيَحْرُمُ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ . وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ بِمَا ثبُتُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ ، وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ فِعْلَهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ . وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَإِبَاحَتُهَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَصْفَرَّ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَوِيٍّ ، وَالْمَشْهُورُ إِطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَمِيعِ فَقِيلَ : هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ : كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ عُمَرُ إِلَخْ ) يُرِيدُ أَنَّ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ إِيرَادُهَا فِي الْبَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلِاسْتِوَاءِ ، لَكِنْ لِمَنْ قَالَ بِهِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّهُ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ ثِقَةٍ فَيَجِبُ قَبُولُهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( أُصَلِّي ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي أَوَّلِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَقُولُ : أُصَلِّي إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( أَنْ لَا تَحَرَّوْا ) أَصْلُهُ تَتَحَرَّوْا أَيْ تَقْصِدُوا ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّهُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْمُرَادُ بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْقَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ وَقْتَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَوَقْتَ صُعُودِ الْإِمَامِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ، وَفِي حَالَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ جَمَاعَةً لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَرَاهَةُ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، وَسَيَأْتِي ثُبُوتُ الْأَمْرِ بِهِ فِي هَذَا الْجَامِعِ الصَّحِيحِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يَكْرَهْ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ · ص 74 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر · ص 285 32 - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر رواه عمر ، وابن عمر ، وأبو سعيد ، وأبو هريرة . معنى هذا الباب أنه لا تكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر ، فلا تكره في وقت قيام الشمس في وسط النهار قبل الزوال . وقوله : رواه عمر وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة - يعني : أنهم رووا النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر ، سوى ابن عمر ؛ فإنه لم تصح عنه الرواية إلا في النهي عن الصلاة في وقت الطلوع والغروب خاصة . ومراده : أن أحدا منهم لم يرو النهي عن الصلاة في وقت آخر غير هذه الأوقات .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر · ص 285 ثم قال : 589 - حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدا يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها . ووجه استدلاله بهذا على مراده : أن ابن عمر أخبر أنه لا ينهى أحدا يصلي في ساعة من ليل أو نهار ، غير أنه لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها ، وأنه يصلي كما رأى أصحابه يصلون ، وهذا يشعر بأنه رأى أصحابه ، وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ( يصلون في كل وقت من ليل أو نهار ، سوى وقت الطلوع والغروب . وهذا عجيب من ابن عمر - رضي الله عنه - ؛ فإنه يعلم أن أباه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر ويضرب على ذلك . وقد روي عن عمر من وجوه ، أنه نهى عن سجود التلاوة وصلاة الجنازة بعد الصبح قبل طلوع الشمس . وقد روي مثل قول ابن عمر مرفوعا : رويناه في كتاب ( وصايا العلماء ) لابن زبر من طريق مروان بن جعفر ، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب ، عن جعفر بن سعد ، عن خبيب بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ، عن سمرة ، قال : هذه وصية سمرة إلى بنيه ، فذكر فيها : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نصلي أي ساعة شئنا من الليل أو النهار ، غير أنه أمرنا أن نجتنب طلوع الشمس وغروبها ، وقال : ( إن الشيطان يغيب معها حين تغيب ، ويطلع معها حين تطلع ) . وهذه نسخة ، خرج منها أبو داود في ( سننه ) أحاديث . وخرجه البزار في ( مسنده ) عن خالد بن يوسف السمتي ، عن أبيه ، عن جعفر بن سعد . ويوسف بن خالد السمتي ، ضعيف جدا . وقد اختلف العلماء في وقت قيام الشمس في نصف النهار قبل زوالها : هل هو وقت نهي عن الصلاة ، أم لا ؟ فقالت طائفة : ليس هو وقت نهي ، كما أشار إليه البخاري ، وهو قول مالك ، وذكر أنه لا يعرف النهي عنه ، قال : وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار . وروي عنه ، أنه قال : لا أكرهه ولا أحبه . هذا مع أنه روى في ( الموطأ ) حديث الصنابحي في النهي عنه ، ولكنه تركه لما رآه من عمل أهل المدينة . وممن رخص في الصلاة فيه : الحسن ، وطاوس ، والأوزاعي في رواية عنه ، وهو ظاهر كلام الخرقي من أصحابنا . وقال آخرون : هو وقت نهي لا يصلي فيه ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والحسن بن حي ، وابن المبارك ، وأحمد ، وابن المنذر . وقال : ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه . ونهى عنه عمر بن الخطاب . وقال ابن مسعود : كنا ننهى عنه . وقال سعيد المقبري : أدركت الناس وهم يتقون ذلك . وقد خرج مسلم في ( صحيحه ) حديثين في النهي عن الصلاة في هذا الوقت : أحدهما : حديث أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن الصلاة ؟ قال : ( صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، حتى ترتفع ؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ؛ فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) . والثاني : حديث موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه : سمعت عقبة بن عامر يقول : ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازعة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . وفي المعنى أحاديث أخر : منها : حديث الصنابحي ، وقد ذكرناه فيما تقدم . ومنها : حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه : ( ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ، ثم لا صلاة حتى تزول الشمس ) . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضا - من حديث ليث ، عن ابن سابط ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا عند طلوع الشمس ؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ، ويسجد لها كل كافر ، ولا نصف النهار ، فإنها عند سجر جهنم ) . وليث ، هو : ابن أبي سليم . وعبد الرحمن بن سابط ، لم يسمع من أبي أمامة - : قاله ابن معين وغيره . والصحيح : أن أبا أمامة إنما سمعه من عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم . وقد روي ، عن ليث ، عن ابن سابط ، عن أخي أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن وهب ، أخبرني عياض بن عبد الله ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمن ساعات الليل والنهار ساعة تأمرني أن لا أصلي فيها ؟ - فذكر الحديث بطوله ، وفيه : ( فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس ؛ فإنه حينئذ تسعر جهنم ، وشدة الحر من فيح جهنم . فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ) - وذكر الحديث . خرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) . وخرجه ابن ماجه وابن حبان في ( صحيحه ) من طريق ابن أبي فديك ، عن الضحاك بن عثمان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، أن صفوان بن المعطل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره بنحوه . وخرجه عبد الله بن الإمام أحمد والحاكم من رواية حميد بن الأسود ، عن الضحاك ، عن المقبري ، عن صفوان بن المعطل - لم يذكر في إسناده : أبا هريرة . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . ورواه الليث بن سعد ، عن سعيد المقبري ، عن عون بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود ، أن عمرو بن عبسة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . خرجه الهيثم بن كليب في ( مسنده ) . وهو منقطع ؛ عون لم يسمع من ابن مسعود . قال الدارقطني : قول الليث أصح - يعني : من قول الضحاك ويزيد بن عياض . قال : وروي عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن ابن المسيب ، عن عمرو بن عبسة ، وهو وهم على الليث ؛ إنما روى الليث في آخر الحديث ألفاظا عن ابن عجلان عن سعيد المقبري - مرسلا . قلت : ورواه ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن المقبري ، عن عون بن عبد الله ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة نصف النهار . خرجه الطبراني . وابن لهيعة سيئ الحفظ . وروى الطبراني - أيضا - : أخبرنا أبو زرعة الدمشقي : ثنا يحيى بن صالح الوحاظي : ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن يونس بن عبيد ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات : عند طلوع الشمس حتى تطلع ، ونصف النهار ، وعند غروب الشمس . وهذا غريب جدا ، وكأنه غير محفوظ . وروى عاصم عن زر ، عن ابن مسعود ، قال : إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فما ترتفع قصمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار ، فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها ، فكنا ننهى عن الصلاة عن طلوع الشمس ، وعند غروبها ، وعند نصف النهار . خرجه يعقوب بن شيبة السدوسي في ( مسنده ) . وخرجه البزار ، ولفظه : عن ابن مسعود ، قال : نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وبعد الفجر - أو قال : بعد صلاة الصبح - حتى تطلع الشمس ، ونصف النهار . قال : في شدة الحر . القصمة - بالفتح - : الدرجة ، سميت لأنها كسرة من القصم : الكسر . وروى الإسماعيلي من حديث أيوب بن جابر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تصلوا قبل طلوع الشمس حتى تطلع ، ولا عند غروبها حتى تغرب ، ولا نصف النهار حتى تزول ) . أيوب بن جابر ، ضعيف الحديث . وقالت طائفة : تكره الصلاة وسط النهار ، إلا يوم الجمعة ، وهو قول مكحول والأوزاعي في رواية ، وسعيد بن عبد العزيز وأبي يوسف والشافعي وإسحاق . وروى الشافعي فيه حديثا بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة . وروى مالك ، عن ابن شهاب ، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي ، أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج ، فإذا خرج عمر جلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا . وخرج أبو داود من حديث ليث ، عن مجاهد ، عن أبي الخليل ، عن أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ، وقال : ( إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة ) . وقال : هو مرسل ؛ أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة . وقال الأثرم : له علل ، ومنها : أنه من حديث ليث ، ومنها : أن أبا الخليل لم يلق أبا قتادة . انتهى . وأبو الخليل ، هو : صالح بن أبي مريم ، ومن زعم أنه عبد الله بن الخليل صاحب علي فقد وهم . وقال طاوس : يوم الجمعة صلاة كله . وذكر قوله للإمام أحمد ، فأنكره ، وقال : فيصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس ؟ وقالت طائفة أخرى : يكره ذلك في الصيف لشدة الحر فيه ، دون الشتاء ، وحكي عن عطاء . وفي بعض روايات حديث ابن مسعود المتقدم ما يشهد له . وقال ابن سيرين : يكره نصف النهار في شدة الحر ، ولا يحرم . والمعنى في كراهة الصلاة وقت استواء الشمس : أن جهنم تسعر فيها ، فيكون ساعة غضب الرب سبحانه ، فهي كساعة سجود الكفار للشمس ، والصلاة صلة بين العبد وربه ؛ لأن المصلي يناجي ربه ، فتجتنب مناجاته في حال غضبه حتى يزول المقتضي لذلك . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر · ص 82 باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر أي هذا باب في بيان رواية من لم يكره الصلاة إلا بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح ثم بين هؤلاء الذي لم يكرهوا الصلاة إلا في الوقتين المذكورين بقوله . رواه عمر وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة رضي الله عنهم أي روى عدم كراهة الصلاة إلا في هذين الوقتين المذكورين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر وأبو سعيد سعد بن مالك وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم ، وأحاديثهم في ذلك تقدمت في البابين اللذين قبل هذا الباب فحديث عمر ، عن حفص بن عمر ، عن هشام وحديث عبد الله بن عمر ، عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد وحديث أبي سعيد ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن إبراهيم بن سعد وحديث أبي هريرة ، عن عبيد بن إسماعيل . 65 - حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : أصلي كما رأيت أصحابي يصلون لا أنهى أحدا يصلي بليل ولا نهار ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : ( غير أن لا تحروا ) إلى آخره وفي ( التوضيح ) غرض البخاري بهذا الباب رد قول من منع الصلاة عند الاستواء وهو ظاهر ، قوله : ( لا أمنع أحدا يصلي بليل أو نهار ) قلت : عدم منع ابن عمر ، عن الصلاة عام في جميع الليل والنهار غير أنه منع التحري في هذين الوقتين . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي . الثاني : حماد بن زيد وفي بعض النسخ حماد غير منسوب . الثالث : أيوب السختياني . الرابع : نافع مولى ابن عمر . الخامس : عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته الثلاثة بصريون ، ونافع مدني ، وفيه رواية المولى عن سيده . ( ذكر معناه ) : قوله : ( أصلي ) زاد الإسماعيلي في أوله من وجهين ، عن حماد بن زيد كان لا يصلي من أول النهار حتى تزول الشمس ويقول : أصلي إلى آخره ، قوله : ( أصحابي ) قال الكرماني : فإن قلت : ما وجه الدلالة فيه قلت : إما تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه إن أراد الرؤية في حياته صلى الله عليه وسلم ، وإما إجماعهم إن أراد بعد وفاته إذ الإجماع لا يتصور حجيته إلا بعد وفاته وإلا فقوله وحده حجة قاطعة ، قوله : ( بليل أو نهار ) ويروى بليل ولا نهار ويروى بليل ونهار بالواو فقط غير أن لا تحروا أصله أن لا تتحروا فحذفت إحدى التائين أي : غير أن لا تقصدوا وزاد عبد الرزاق في آخر هذا الحديث ، عن ابن جريج ، عن نافع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال : إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس ، وقال الكرماني : فيه دليل لمالك حيث قال : لا بأس بالصلاة عند استواء الشمس وقال الشافعي : الصلاة عند الاستواء مكروهة إلا يوم الجمعة لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة قلت : لم يثبت ذلك يوم الجمعة فإن الحديث فيه غريب وبقول مالك قال الليث ، والأوزاعي : وقال مالك : ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يتحرون الصلاة نصف النهار وعن الحسن وطاوس مثله ، والذين منعوا الصلاة عند الاستواء عمر وابن مسعود والحكم وقال الكوفيون : لا يصلى فيه فرض ولا نفل واستثنى الشافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصة لأن جهنم لا تسجر فيه ، وفيه حديث لأبي داود إن جهنم تسجر فيه إلا يوم الجمعة ، وفيه انقطاع واستثنى منه مكحول المسافر وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حتى يخرج عمر رضي الله تعالى عنه وكان لا يخرج حتى تزول الشمس وروى ابن أبي شيبة ، عن مسروق أنه كان يصلي نصف النهار فقيل له : إن الصلاة في هذه الساعة تكره فقال : ولم ؟ قال : قالوا : إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار ، فقال : الصلاة أحق ما أستعيذ به من جهنم حين تفتح أبوابها .