3 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ . 6416 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ . قَوْلُهُ ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ إِشَارَةً إِلَى ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا قَصَّرَ فِيهِ . قَوْلُهُ ( عَنِ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ ) أَنْكَرَ الْعُقَيْلِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ وَقَالَ : إِنَّمَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ بِصِيغَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ عَنْهُ وَكَذَا أَصْحَابُ الطُّفَاوِيِّ عَنْهُ ، وَتَفَرَّدَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ بِالتَّصْرِيحِ قَالَ : وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْأَعْمَشُ مِنْ مُجَاهِدٍ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْهُ فَدَلَّسَهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِالْعَنْعَنَةِ وَقَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ مَا سَأَلَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إِلَّا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ ، عَنِ الطُّفَاوِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ مَكَثْتُ مُدَّةً أَظُنُّ أَنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ لَيْثٍ حَتَّى رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ رَوَاهُ عَنِ الطُّفَاوِيِّ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَلَيْثٌ ، وَأَبُو يَحْيَى ضَعِيفَانِ ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ عَبْدَةَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ ( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْكِبِي ) فِيهِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَخَذَ بِبَعْضِ جَسَدِي وَالْمَنْكِبُ بِكَسْرِ الْكَافِ مَجْمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالتَّثْنِيَةِ . قَوْلُهُ ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ وَبَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ فَإِنَّ مَنْ شَأْنَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنَ لَمْحَةً وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ إِلَخْ ، وَبِقَوْلِهِ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ ، وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ بِحَيْثُ يكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ ، وَزَادَ لَيْثٌ فِي رِوَايَتِهِ : وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمَّا كَانَ الْغَرِيبُ قَلِيلَ الِانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِشٌ مِنْهُمْ إِذْ لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِمَنْ يَعْرِفُهُ مُسْتَأْنِسٌ بِهِ ، فَهُوَ ذَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ خَائِفٌ وَكَذَلِكَ عَابِرُ السَّبِيلِ لَا يَنْفُذُ فِي سَفَرِهِ إِلَّا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفِهِ مِنَ الْأَثْقَالِ غَيْرَ مُتَثَبِّتٍ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ قَطْعِ سَفَرِهِ مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَتِهِ مِنْ قَصْدِهِ شَبَّهَهُ بِهِمَا وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْذِ الْبُلْغَةِ مِنْهَا وَالْكَفَافِ فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسَافِرُ إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ إِلَى غَايَةِ سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا يُبَلِّغُهُ الْمَحَلَّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الْفَرَاغِ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا وَالِاحْتِقَارِ لَهَا وَالْقَنَاعَةِ فِيهَا بِالْبُلْغَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ الْمَارُّ عَلَى الطَّرِيقِ طَالِبًا وَطَنَهُ ، فَالْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّدُهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَشَأْنُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ أَنْ يُنَزِّلَ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَةَ الْغَرِيبِ فَلَا يَعْلَقُ قَلْبَهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَلَدِ الْغُرْبَةِ بَلْ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِوَطَنِهِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَجْعَلُ إِقَامَتَهُ فِي الدُّنْيَا لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَجِهَازَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ وَهَذَا شَأْنُ الْغَرِيبِ أَوْ يَكُونُ كَالْمُسَافِرِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ دَائِمُ السَّيْرِ إِلَى بَلَدِ الْإِقَامَةِ . وَاسْتَشْكَلَ عَطْفُ عَابِرِ السَّبِيلِ عَلَى الْغَرِيبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ الطِّيبِيِّ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّرَقِّي لِأَنَّ تَعَلُّقَاتِهِ أَقَلُّ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْغَرِيبِ الْمُقِيمِ . قَوْلُهُ ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ) فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ وَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَصْبَحْتَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ ) أَيْ زَمَنِ صِحَّتِكَ ( لِمَرَضِك ) فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ لِسَقَمِكَ وَالْمَعْنَى اشْتَغِلْ فِي الصِّحَّةِ بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِيرٌ فِي الْمَرَضِ لَا يُجْبَرُ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ ( وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ) فِي رِوَايَةِ لَيْثٍ قَبْلَ مَوْتِكَ ، وَزَادَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا أَيْ هَلْ يُقَالُ لَهُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ وَلَمْ يُرِدِ اسْمَهُ الْخَاصَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ هَلْ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ . وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَوْقُوفُ مِنْ هَذَا تَقَدَّمَ مُحَصَّلُ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوَّلَ كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَجَاءَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ : اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِنِهَايَةِ قِصَرِ الْأَمَلِ ، وَأَنَّ الْعَاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَمْسَى لَا يَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحَ لَا يَنْتَظِرُ الْمَسَاءِ ، بَلْ يَظُنُّ أَنَّ أَجَلَهُ مُدْرِكُهُ قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَوْلُهُ خُذْ مِنْ صِحَّتِكَ إِلَخْ أَيِ اعْمَلْ مَا تَلْقَى نَفْعَهُ بَعْدَ مَوْتِكَ وَبَادِرْ أَيَّامَ صِحَّتِكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَإِنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَطْرَأُ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الْعَمَلِ فَيُخْشَى عَلَى مَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَعَادِ بِغَيْرِ زَادِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْمَاضِيَ فِي الصَّحِيحِ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ يَعْمَلُ ، وَالتَّحْذِيرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ نَدِمَ عَلَى تَرْكِهِ الْعَمَلَ وَعَجَزَ لِمَرَضِهِ عَنِ الْعَمَلِ فَلَا يُفِيدُهُ النَّدَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ مَسُّ الْمُعَلِّمِ أَعْضَاءَ الْمُتَعَلِّمِ عِنْدَ التَّعْلِيمِ وَالْمَوْعُوظِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ ، وَذَلِكَ لِلتَّأْنِيسِ وَالتَّنْبِيهِ ، وَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا بِمَنْ يَمِيلُ إِلَيْهِ . وَفِيهِ مُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ وَإِرَادَةُ الْجَمْعِ وَحِرْصُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إِيصَالِ الْخَيْرِ لِأُمَّتِهِ وَالْحَضُّ عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ · ص 237 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل · ص 33 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل أي : هذا باب في بيان قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " كن في الدنيا " إلى آخره ، وهذه ترجمة ببعض حديث الباب ، قيل : أشار به إلى أن حديث الباب مرفوع ، وأن من رواه موقوفا قصر فيه . 5 – حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي ، عن سليمان الأعمش ، قال : حدثني مجاهد ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . مطابقته للترجمة ظاهرة ، لأنها جزء حديث الباب ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، والطفاوي بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء وبالواو نسبة إلى طفاوة ، والطفاوة موضع بالبصرة . قلت : يحتمل أن بني طفاوة نزلوا فيه فسموا به ، وأنكر العقيلي قوله حدثني مجاهد قال : وإنما رواه الأعمش بصيغة عن مجاهد ، كذلك رواه أصحاب الأعمش عنه ، وكذا أصحاب الطفاوي عنه ، وتفرد ابن المديني بالتصريح قال : ولم يسمعه الأعمش من مجاهد ، وإنما سمعه من ليث بن أبي سليم عنه فدلسه ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق حسن بن قزعة حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن الأعمش ، عن مجاهد بالعنعنة ، وأخرجه أحمد والترمذي من طريق سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد . قوله : " بمنكبي " بكسر الكاف مجمع العضد والكتف ، ويروى بالتثنية ، وفي رواية الترمذي : أخذ ببعض جسدي ، ورواية البخاري تعين هذا المبهم . قوله : " كأنك غريب " هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع ، وسائر الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق ، ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق . قوله : " أو عابر سبيل " كلمة أو للتنويع لا لشك الراوي ، قيل : الغريب هو عابر سبيل فما وجه العطف عليه ؟ وأجيب بأن العبور لا يستلزم الغربة والمبالغة فيه أكثر ؛ لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب وهو من باب عطف العام على الخاص . قوله : " وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول " في رواية ليث بن سليم : فقال لي ابن عمر : إذا أمسيت " إلى آخره ، . قوله : " وخذ من صحتك " أي : خذ بعض أوقات صحتك لوقت مرضك ، يعني اشتغل في الصحة بالطاعات بقدر ما لو وقع في المرض تقصير يقعدك بها . قوله : " ومن حياتك " : أي : وخذ من حياتك لموتك ، يعني اغتنم أيام حياتك لا تمر عنك باطلة في سهو وغفلة ؛ لأن من مات فقد انقطع عمله وفاته أمله .