35 - بَاب الْأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ 595 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ بِلَالٌ : أَنَا أُوقِظُكُمْ فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ : يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ ؟ قَالَ : مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ ) سَقَطَ لَفْظُ ذَهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : إِنَّمَا صَرَّحَ الْمُؤَلِّفُ بِالْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِقُوَّةِ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْخَبَرِ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ . قَوْلُهُ : ( سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً ) كَانَ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ خَيْبَرَ ، كَذَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِمَا بَيَّنْتُهُ فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ مِنْ كِتَابِ التَّيَمُّمِ . وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي أَوَّلِهِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَسِيرُ بِنَا وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ قِصَّةً لَهُ فِي مَسِيرِهِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَسَ حَتَّى مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، وَأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَعَّمَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَأَنَّهُ فِي الْأَخِيرَةِ مَالَ عَنِ الطَّرِيقِ فَنَزَلَ فِي سَبْعَةِ أَنْفُسٍ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ : احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْقَوْمِ : لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا وَلَا قَوْلِ بِلَالٍ : أَنَا أُوقِظُكُمْ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَا السَّائِلِ . وَالتَّعْرِيسُ نُزُولُ الْمُسَافِرِ لِغَيْرِ إِقَامَةٍ ، وَأَصْلُهُ نُزُولٌ آخِرَ اللَّيْلِ . وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْنَا . قَوْلُهُ : ( أَنَا أُوقِظُكُمْ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ : فَمَنْ يُوقِظُنَا ؟ قَالَ بِلَالٌ : أَنَا . قَوْلُهُ : ( فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ فَغَلَبَتْ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ . قَوْلُهُ : ( يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ ؟ ) أَيْ : أَيْنَ الْوَفَاءُ بِقَوْلِكَ أَنَا أُوقِظُكُمْ . قَوْلُهُ : ( مِثْلُهَا ) أَيْ مِثْلُ النَّوْمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ ) هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبْضِ الرُّوحِ الْمَوْتُ ، فَالْمَوْتُ انْقِطَاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَالنَّوْمُ انْقِطَاعُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فَقَطْ . زَادَ مُسْلِمٌ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ . الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( حِينَ شَاءَ ) حِينَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَيْسَ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ نَوْمَ الْقَوْمِ لَا يَتَّفِقُ غَالِبًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ يَتَتَابَعُونَ ، فَيَكُونُ حِينَ الْأُولَى خَبَرًا عَنْ أَحْيَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ . قَوْلُهُ : ( قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ ) كَذَا هُوَ بِتَشْدِيدِ ذَالِ أَذِّنْ وَبِالْمُوَحَّدَةِ فِيهِمَا ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ فَآذِنْ بِالْمَدِّ وَحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ بِالنَّاسِ . وَآذِنْ مَعْنَاهُ أَعْلِمْ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( فَتَوَضَّأَ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : فَتَوَضَّأَ النَّاسُ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ ، فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ : فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ فَتَوَضَّئُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ أَبْيَنُ سِيَاقًا ، وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ تَأْخِيرَهُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَارْتَفَعَتْ كَانَ بِسَبَبِ الشُّغْلِ بِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ ، لَا لِخُرُوجِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ . قَوْلُهُ : ( وَابْيَاضَّتْ ) وَزْنُهُ افْعَالَّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِثْلُ : احْمَارَّ وَابْهَارَّ ، أَيْ صَفَتْ . وَقِيلَ : إِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَوْنٍ بَيْنَ لَوْنَيْنِ ، فَأَمَّا الْخَالِصُ مِنَ الْبَيَاضِ مَثَلًا فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : أَبْيَضُ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ بِالنَّاسِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : جَوَازُ الْتِمَاسِ الْأَتْبَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَكِنْ بِصِيغَةِ الْعَرْضِ لَا بِصِيغَةِ الِاعْتِرَاضِ ، وَأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاعِيَ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ وَالِاحْتِرَازُ عَمَّا يُحْتَمَلُ فَوَاتُ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِهِ ، وَجَوَازُ الْتِزَامِ الْخَادِمِ الْقِيَامَ بِمُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءُ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ بِالْوَاحِدِ ، وَقَبُولُ الْعُذْرِ مِمَّنِ اعْتَذَرَ بِأَمْرٍ سَائِغٍ ، وَتَسْوِيغُ الْمُطَالَبَةِ بِالْوَفَاءِ بِالِالْتِزَامِ ، وَتَوَجَّهَتِ الْمُطَالَبَةُ عَلَى بِلَالٍ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى اجْتِنَابِ الدَّعْوَى وَالثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهَا لَا سِيَّمَا فِي مَظَانِّ الْغَلَبَةِ وَسَلْبِ الِاخْتِيَارِ ، وَإِنَّمَا بَادَرَ بِلَالٌ إِلَى قَوْلِهُ : أَنَا أُوقِظُكُمْ اتِّبَاعًا لِعَادَتِهِ فِي الِاسْتِيقَاظِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَجْلِ الْأَذَانِ ، وَفِيهِ خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي الْقَدَرِ وَأَنَّهُ لَا وَاقِعَ فِي الْكَوْنِ إِلَّا بِقَدَرٍ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَا يُؤَذَّنُ لَهَا ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ . وَحَمْلُ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ مُتَعَقَّبٌ ، لِأَنَّهُ عَقَّبَ الْأَذَانَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ لَمَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْهَا . نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مَحْضُ الْإِعْلَامِ ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ . فَأَقَامَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ التَّأْذِينَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَيْضًا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ قَضَاءِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ رَكَعَهُمَا فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لِذَلِكَ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْحُ قَالَ : لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِمُرَاقَبَةِ وَقْتِ صَلَاةٍ غَيْرَهَا ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمَأْمُورُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ غَيْرُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَغَلَهُ عَنْهَا اهـ . وَهُوَ كَلَامٌ مُتَدَافِعٌ ، فَأَيُّ عُذْرٍ أَبْيَنُ مِنَ النَّوْمِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِقَاطِعٍ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِ بِلَالٍ بِمُجَرَّدِهِ ، بَلْ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى الْفَجْرِ لَوِ اسْتَيْقَظَ مَثَلًا ، وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ الِانْتِبَاهِ مَثَلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ مِنْ كِتَابِ التَّيَمُّمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ · ص 79 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الأذان بعد ذهاب الوقت · ص 324 35 - باب الأذان بعد ذهاب الوقت ذكر البخاري أربعة أبواب - هذا أولها - في قضاء الصلوات الفوائت ، وأول الأبواب : ذكر الأذان للصلاة الفائتة إذا قضاها بعد ذهاب وقتها . وقال : 595 - حدثنا عمران بن ميسرة : ثنا محمد بن فضيل : ثنا حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : سرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله . قال : ( أخاف أن تناوموا عن الصلاة ) . قال بلال : [إني] أوقظكم ، فاضطجعوا ، وأسند بلال ظهره إلى راحلته ، فغلبته عيناه ، فنام ، فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد طلع حاجب الشمس ، فقال : ( يا بلال ، أين ما قلت ؟ ) قال : ما ألقيت علي نومة مثلها قط . قال : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ، يا بلال ، قم فأذن بالناس بالصلاة ) ، فتوضأ ، فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . ( التعريس ) : النزول للنوم . وقيل : يختص بآخر الليل ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه . وفي الحديث : دليل على أن من نام قرب وقت الصلاة وخشي من أن يستغرق نومه الوقت حتى تفوته الصلاة ، فوكل من يوقظه ، أنه يجوز له أن ينام حينئذ ، وقد ذكرنا ذلك في ( باب : النوم قبل العشاء ) . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام قرب طلوع الفجر ينام على حالة لا يستثقل معها في نومه ، لتكون أقرب إلى استيقاظه . وقد روى الإمام أحمد حديث أبي قتادة هذا بسياق مطول ، وفيه : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه ، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى ، وأقام ساعده . وقد خرجه مسلم من طريق الإمام أحمد بدون هذه الزيادة . وظن جماعة ، أنها في سياق حديث مسلم ، فعزوها إليه ، ومنهم : الحميدي وأبو مسعود الدمشقي ، حتى إنه عزاها بانفرادها إلى مسلم ، ولعلهم وجدوها في بعض نسخ ( الصحيح ) . والله أعلم . وقوله : ( إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردها عليكم حين شاء ) يدل على أن النائم تقبض روحه . وهذا مطابق لقول الله عز وجل : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فدلت الآية على أن النوم وفاة ، ودل الحديث على أن النوم قبض ، ودلا على أن النفس المتوفاة هي الروح المقبوضة . وفي حديث أبي جحيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومهم عن الصلاة ، أنه قال لهم : ( إنكم كنتم أمواتا ، فرد الله إليكم أرواحكم ) . خرجه أبو يعلى الموصلي والأثرم وغيرهما . ويشهد لهذا : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند استيقاظه من منامه : ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ) . وفي حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن هذه الأرواح جارية في أجساد العباد ، فيقبضها إذا شاء ، ويرسلها إذا شاء ) . خرجه البزار . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما استيقظوا : ( أي بلال ) ، فقال بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله بنفسك . وفيه : دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس ؛ فإنه أقر بلالا على قوله : إن الله أخذ بأنفسهم ، مع قوله : ( إن الله قبض أرواحنا ) . وقد قيل : إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة ، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها فهي روح ، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس . وقد تسمى في الحالة الأولى نفسا - أيضا - إما مع قيد ، كقوله تعالى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ وقوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وإما مع الإطلاق ، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يمينه : ( والذي نفسي بيده ) . وفي الآية والحديث : دليل على أن قبض الأرواح من الأبدان لا يشترط له مفارقتها للبدن بالكلية ، بل قد تقبض ويبقى لها به منه نوع اتصال كالنائم . ويستدل بذلك على أن اتصال الأرواح بالأجساد بعد الموت لإدراك البدن النعيم والعذاب ، أو للسؤال عند نزول القبر لا يسمى حياة تامة ، ولا مفارقتها للجسد بعد ذلك موتا تاما ، وإلا لكان الميت يحيى ويموت في البرزخ مرارا كثيرة . وهذا يرد قول من أنكر إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال والنعيم أو العذاب . وبسط القول في هذا يتسع ، وقد ذكر في موضع آخر . وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الله في قضائه عليهم بالنوم عن الصلاة : وفي حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الله عز وجل لو شاء ألا تناموا عنها لم تناموا ، [ولكن] أراد أن يكون لمن بعدكم ، فهذا لمن نام أو نسي ) . خرجه الإمام أحمد . وخرج - أيضا - بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه قال عقب روايته لهذا الحديث : ما يسرني به الدنيا وما فيها - يعني : للرخصة . وفي إسناده مقال . وقد روي عن مسروق مرسلا ، وأن هذا الكلام في آخره من قول مسروق ، وهو أصح - : قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان . ويشبه هذا الحديث : [ما] ذكره مالك في ( الموطأ ) ، أنه بلغه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنما أنسى لأسن ) . وقد قيل : إن هذا لم يعرف له إسناد بالكلية . ولكن في ( تاريخ المفضل بن غسان الغلابي ) : حدثنا سعيد بن عامر ، قال : سمعت عبد الله بن المبارك قال : قالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما أنسى - أو أسهو - لأسن ) . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا بلال ، قم فأذن للناس بالصلاة ) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها ، وهو مقصود البخاري بهذا . وقد خرج البخاري في ( أبواب التيمم ) حديث النوم عن الصلاة من حديث عمران بن حصين ، بسياق مطول ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : ( لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا ) ، فارتحلوا ، فسار غير بعيد ، ثم نزل فدعا بالوضوء ، فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، بسياق مطول ، وفيه : فكان أول من استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشمس في ظهره . قال : فقمنا فزعين ، ثم قال : ( اركبوا ) ، فركبنا ، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل ، ثم دعا بميضأة ، فتوضأ وضوءا دون وضوء ، ثم أذن بلال بالصلاة ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم صلى الغداة ، فصنع كما كان يصنع كل يوم - وذكر بقية الحديث - وفي آخره - : أن عمران بن حصين صدق عبد الله بن رباح ، لما سمعه يحدث به عن أبي قتادة . وخرجه الإمام أحمد من حديث قتادة ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، وقال في حديثه : وأمر بلالا فأذن ، فصلى ركعتين ، ثم تحول من مكانه ، فأمره فأقام الصلاة ، فصلى صلاة الصبح . وخرج مسلم - أيضا - من رواية الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة - فذكر هذه القصة ، وقال في آخر الحديث : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اقتادوا ) ، فاقتادوا رواحلهم شيئا ، ثم توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بهم الصبح . وقد اختلف على الزهري في وصله بذكر أبي هريرة ، وإرساله عن سعيد بن المسيب . وصحح أبو زرعة ومسلم وصله ، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله . وذكر الاختلاف في ذلك أبو داود ، وخرجه من طريق معمر موصولا ، وذكر في حديثه ، قال : فأمر بلالا فأذن ، وأقام وصلى . وذكر أبو داود : أن مالكا وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم لم يذكروا في حديثهم : الأذان . وخرجه مسلم من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صلى سجدتين ، وأقيمت الصلاة فصلى الغداة . وقد خرجه النسائي من حديث عطاء بن السائب ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر - فذكر الحديث ، وقال في آخره : فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤذن فأذن ، ثم صلى الركعتين قبل الفجر ، ثم أمره فأقام ، فصلى بالناس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود ذكر الأذان والإقامة وصلاة ركعتي الفجر بينهما في هذه القصة ، من حديث الحسن ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . والحسن ، لم يسمع من عمران عند الأكثرين . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - أيضا - كذلك من حديث عمرو بن أمية الضمري . ومن حديث ذي مخبر الحبشي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرج الإمام أحمد ذكر الأذان والإقامة من حديث ابن مسعود - أيضا - في هذه القصة . وقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة وقضاها بعد وقتها : هل يشرع له أن يؤذن لها ويقيم ، أم يقيم ولا يؤذن ؟ وفي ذلك أقوال : أحدها : أنه يؤذن ويقيم ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وأبي ثور وداود . والثاني : يقيم ولا يؤذن ، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك ، والشافعي في قول له ، وحكي رواية عن أحمد . لأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات ، والإقامة للدخول في الصلاة وهو موجود . والثالث : إن أمل اجتماع الناس بالأذان ، وإلا فلا ، وهو قول للشافعي . لأن الأذان إنما يشرع لجمع الناس . والرابع : إن كانوا جماعة أذن وأقام ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فاته وحده أقام ولم يؤذن ، وهو قول إسحاق . والخامس : إن كان في سفر أذن وأقام ، وإن كان في حضر أجزأته الإقامة - : نقله حرب ، عن أحمد . ومأخذ الاختلاف بين العلماء : هل الأذان حق للوقت ، أو حق لإقامة الصلاة المفروضة ، أم حق للجماعة - وعلى هذا ؛ فهو يشرع للجماعة بكل حال - أم إذا كانوا متفرقين وكان الأذان يجمعهم ؟ وعلى رواية حرب عن أحمد ، فيكتفي بأذان أهل المصر عن الأذان للفائتة . قال أصحابنا والشافعية : ويشرع للفائتة رفع الصوت بالأذان ، إلا أن يكون في مصر ويخشى التلبيس على الناس ، فيسر به ، وإنما كان أذان بلال في فلاة ، ولم يكن معهم غيرهم . وقوله في حديث أبي قتادة الذي خرجه البخاري : ( فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس ) - إلى قوله - : ( فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى ) . وهذا قد يوهم أنه أخر الصلاة قصدا حتى زال وقت النهي . وقد خرجه البخاري في آخر ( صحيحه ) بلفظ آخر ، وهو : ( فقضوا حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت ، فقام فصلى ) . وهذا يشعر بأنه لم يكن التأخير قصدا ، بل وقع اتفاقا حتى كمل الناس قضاء حوائجهم - وهو كناية عن التخلي - ووضوئهم . وفي رواية مسلم لحديث أبي قتادة ، أنه - صلى الله عليه وسلم - سار حتى ارتفعت الشمس ، ثم نزل فصلى . وخرج النسائي من حديث حبيب بن أبي حبيب ، عن عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : أدلج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عرس ، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس - أو بعضها - فلم يصل حتى ارتفعت الشمس ، فصلى ، وهي صلاة الوسطى . حبيب هذا ، خرج له مسلم . وقال أحمد : لا أعلم به بأسا . وقال يحيى القطان : لم يكن في الحديث بذاك . وقد اختلف الناس في قضاء الفوائت في أوقات النهي عن الصلاة الضيقة والمتسعة : فقالت طائفة : لا يقضي الصلاة في وقت نهي ضيق خاصة ، وهو وقت الطلوع والغروب والاستواء . هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان الثوري . وتعلقوا بظاهر حديث أبي قتادة وابن عباس . ولذلك قالوا : إن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته ، كما سبق كذلك . وروي عن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي بكرة ما يدل على مثل ذلك . وحكي عن بعض المتأخرين من أصحابنا ، ورواية عن أحمد ، أنه لا يقضي الفائتة في وقت نهي . وهذا لا يصح عن أحمد . وجمهور العلماء : على أن الفوائت تقضى في كل وقت ، سواء كان وقت نهي أو غيره . وروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأبي ذر . وهو مذهب النخعي والثوري والأوزاعي والثوري في رواية ، ومالك والشافعي وأحمد . وكل هؤلاء رأوا أن النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة إنما توجه إلى النفل دون الفرض ، بدليل أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس أن يصلي معها أخرى ، وقد تمت صلاته ، وقد سبق ذكره . واستدلوا - أيضا - بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أدركها ) . وهذا يعم كل وقت ذكر فيه ، سواء كان في أوقات النهي أو غيرها . فإن قيل : فقد عارض ذلك عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي ، فإنه لم يخص مفروضة من نافلة . قيل : نحمله على النافلة ونخص الفرض من عمومه ؛ بدليل فرض الوقت ؛ فإنه يجوز فعله في وقت النهي ، كما يصلى العصر في وقت غروب الشمس ، وهذا مجمع عليه ، وليس فيه خلاف ، إلا عن سمرة ، وبدليل لمن طلعت عليه الشمس وهو يصلي الفجر أن يتمها ؛ ولأن العمومين إذا تعارضا وكان أحدهما موجبا ملزما ، والآخر مانعا حاظرا ، فإنه يقدم الواجب الملزم ، فإنه أحوط . ويدل عليه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي ، فلم يجبه حتى سلم أنكر عليه تأخره للإجابة ، وقال له : ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ وهذا يدل على أن عموم النص الموجب الملزم مقدم على عموم النص الحاظر المانع ، وهو النهي عن الكلام في الصلاة . وهذا بخلاف النصوص العامة المبيحة ، أو النادبة ، فإنها لا تقدم على المانعة الحاظرة ؛ ولهذا كان المرجح أنه لا يصلي في أوقات النهي . فأما صلاة الركعتين والإمام يخطب ، كما دلت عليه السنة ، فإنه لم يعارض نص الأمر للداخل إلى المسجد بالصلاة نص آخر يمنع الصلاة والإمام يخطب . وفي حديث أبي قتادة الذي خرجه مسلم ، أنه صنع كما يصنع كل يوم . وهذا يدل على أنه صلى الصبح كما كان يصليها كل يوم من غير زيادة ولا نقص . وفي حديث ذي مخبر الحبشي ، أنه قال : فصلى غير عجل . وهذا يرد الحديث المروي عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الصبح ذلك اليوم ، فقرأ بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم قال : ( صليت بكم بثلث القرآن ، وربع القرآن ) ، وقال : ( إذا نسيت صلاة الفجر إلى صلاة العشاء فذكرتها ، [فابدأ] ، فإنها كفارتها ) . خرجه ابن عدي من رواية جعفر بن أبي جعفر الأشجعي ، عن أبيه ، عن أبن عمر . وجعفر هذا ، قال البخاري فيه : منكر الحديث . وروى أبو داود في ( المراسيل ) : ثنا يوسف بن موسى : ثنا جرير ، عن علي بن عمرو الثقفي ، قال : لما نام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الغداة استيقظ ، فقال : ( لنغيظن الشيطان كما أغاظنا ) ، فقرأ يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر . وهذا غريب جدا . وظاهر الأحاديث يدل على أنه جهر في صلاته تلك بالقراءة ؛ فإنه صلى كما كان يصلي كل يوم ، وقد تقدم في كثير من الروايات أنه صلى ركعتي الفجر ، ولم يذكر ذلك في بعض الروايات . وقد اختلف العلماء في قضاء ركعتي الفجر لمن نام عنها حتى تطلع الشمس : فذهب الأكثرون إلى أنها تقضى قبل الصلاة المفروضة ، منهم : أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود ، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك . وسئل أحمد : هل قال أحد : لا يصلي ركعتي الفجر ؟ قال : لا . وقال مالك : لا يركع ركعتي الفجر ، ويبدأ بالمفروضة . قال : ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعهما . ومالك إنما قال بحسب ما بلغه من الروايات في هذا الباب ، وقد صح عند غيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ركعهما . وقد روي في بعض طرق حديث أبي قتادة في هذا الباب زيادة أخرى ، وهي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوتر فقضاه . قال أبو بكر الأثرم : ثنا عبد الحميد بن أبان الواسطي : ثنا خالد بن عمرو ، عن شعبة ، عن ثابت البناني ، عن أنس - وعن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام ، فلم يستيقظ حتى ارتفعت الشمس ، ثم استيقظ فقام ، فأوتر ، فصلى الركعتين ، ثم صلى بأصحابه . وذكر : ( أنس ) في إسناده ليس بمحفوظ . وخالد بن عمرو ، هو : القرشي الأموي الكوفي ، ضعيف الحديث جدا . وذكر محمد بن يحيى الهمداني في ( صحيحه ) ، قال : روى قتيبة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ثابت ، عن بكر ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أيقظهم حر الشمس أمرهم أن يوتروا . كذا ذكره تعليقا ، ولم يسنده . وقد قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئا من التطوع ، إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر . وهذا يدل على أنه لم يثبت عنده قضاء الوتر ؛ ولهذا نص في رواية غير واحد من أصحابه على أنه تقضى السنن الرواتب دون الوتر . وروي عنه رواية أخرى ، أنه يقضي الوتر . وعلى قوله بقضاء الوتر ، فهل يقضى ركعة واحدة ، أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين عنه . مأخذهما : أن الوتر ، هل هو الثلاث ، أو الركعة الواحدة ، وما قبلها تطوع مطلق ؟ وفي الأمر بقضاء الوتر بعد طلوع الفجر أحاديث متعددة يطول ذكرها . وممن أمر بقضاء الوتر من النهار : علي وابن عمر ، وهو قول الأوزاعي ومالك وأبي ثور . وعن الأوزاعي ، قال : يقضيه نهارا ، ولا يقضيه ليلا بعد العشاء إذا دخل وقت وتر الليل ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة . وعن سعيد بن جبير ، قال : يقضيه في الليلة التالية . وقالت طائفة : من فاته الوتر وحده لم يقضه ، ومن فاته الوتر مع صلاة الفجر قضاه قبلها . وهذا قول إسحاق - : نقله عنه حرب . ويتخرج رواية عن أحمد مثله ؛ لأنه يرى الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الغداة . وهل هو قضاء ، أو أداء ؟ حكي عنه فيه روايتان . والقول بأنه أداء يحكى عن مالك وإسحاق ، وهو قول كثير من السلف ؛ فإنه قد روي في وقت الوتر أنه من بعد صلاة الصبح ، فمن لم يصل الصبح فوقت الوتر باق في حقه ، ولو طلع الفجر فكذا إذا لم يصل الغداة حتى تطلع الشمس . وروي من حديث ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يومئذ وصلى بعدها الضحى . خرجه الهيثم بن كليب في ( مسنده ) . وقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدما صلى بهم : ( ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها ، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها ) . ومن حديث خالد بن سمير ، [عن عبد الله بن أبي قتادة ] ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها ) . وقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب ، وأن من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها ، وصلاها لمثلها من الغد . وأنكر ذلك عمران بن حصين ، وأخذ بقوله جمهور العلماء . وقد قيل : إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم - : قاله البخاري والبيهقي وغيرهما . وقيل : معنى قوله : ( فليصلها من الغد عند وقتها ) ، أنه يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها لئلا يظن أن وقتها تغير بصلاتها في غير وقتها . ولكن [...] خالد بن سمير فهم منه غير هذا ، فرواه بما فهمه . وروى الحسن ، عن عمران بن حصين ، أنهم قالوا : يا رسول الله ، ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ قال : ( أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم ؟ ) . خرجه الإمام أحمد . وأما ما روي من ارتحال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكان نومه ، وأمره بالارتحال ، فقد روي التعليل بذلك بأنه منزل حضرهم فيه الشيطان . ففي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( ليأخذ كل رجل برأس راحلته ؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ) قال : ففعلنا . وخرج أبو داود من رواية معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) . وقد استحب الانتقال لمن نام في موضع حتى فاته الوقت عن موضعه ذلك جماعة من العلماء ، منهم : الشافعي وأحمد ؛ لهذه الأحاديث . وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم أوجبوا ذلك ، وعن قوم أنهم أوجبوه في ذلك الوادي الذي نام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة . وقال قوم : لا يستحب ذلك ؛ لأنه لا يطلع على حضور الشيطان في مكان إلا بوحي . وهذا قول محمد بن مسلمة ومطرف ، وابن الماجشون من المالكية ، وأبي بكر الأثرم . وهو ضعيف ؛ فإن كل نوم استغرق وقت الصلاة حتى فات به الوقت فهو من الشيطان ؛ فإنه هو الذي ينوم عن قيام الليل ، ويقول للنائم : ارقد ، عليك نوم طويل ، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال في الذي نام حتى أصبح : ( بال الشيطان في أذنه ) . وأماكن الشياطين ينبغي تجنب الصلاة فيها ، كالحمام والحش وأعطان الإبل . وأيضا ؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) يدل على أن كل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه ، سواء كان بنوم أو غيره . والله أعلم . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وركع ركعتين في معرسه ، ثم سار ساعة ، ثم صلى الصبح . قال ابن جريج : قلت لعطاء : أي سفر هو ؟ قال : لا أدري . وهذا المرسل مما يستدل به على صحة الصلاة في موضع النوم ، وأن التباعد عنه على طريق الندب . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، وقال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعدما جاوز الوادي ، ثم أمر بلالا فأذن وأقام ، ثم صلى الفريضة . وروي ، عن عطاء بن يسار ، أنها كانت في غزوة تبوك ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا فأذن في مضجعه ذلك ، ثم مشوا قليلا ، ثم أقام فصلوا . وكذا قال يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة : أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بتبوك أمر بلالا أن يحرسهم لصلاة الصبح ، فرقدوا حتى طلعت الشمس ، فتنحى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكانه ذلك ، ثم صلى الصبح . وضعف ابن عبد البر هذا القول ؛ فإن في ( صحيح مسلم ) من حديث ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من غزوة خيبر ، سار ليلا حتى أدركه الكرى عرس - وذكر الحديث بطوله . كذا في رواية مسلم . وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) بلفظين : هذا أحدهما . والآخر : فيه غزوة حنين . ثم قال : إن صح ذكر ( خيبر ) في الخبر ، فقد سمعه أبو هريرة عن صحابي آخر فأرسله ، وإن كان ( حنين ) ، فقد شهدها أبو هريرة . قال : والنفس إلى أنها حنين أميل . قلت : الصحيح : أن أبا هريرة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد فتحها . وقد خرج البخاري ذلك في ( صحيحه ) في ( المغازي ) من حديث أبي هريرة . وخرجه الإمام أحمد بإسناد آخر عن أبي هريرة . وفي ( الصحيحين ) عن سالم مولى ابن مطيع ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة - الحديث . ومن زعم : أن ذكر خيبر وهم ، وإنما هو حنين فقد وهم ، وسيأتي بسط ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى . وفي ( المسند ) و ( سنن أبي داود ) ، عن ابن مسعود ، قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ( يكلؤنا ؟ ) فقال بلال : أنا - فذكر الحديث بطوله في نومهم وصلاتهم . وعن ذي مخبر الحبشي ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة . وهذا يدل على أنها ليلة أخرى غير ليلة بلال . وفي ( مسند البزار ) ، عن أنس ، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة ، ولكن إسناده ضعيف . وروي من حديث ابن مسعود ، أنه قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال القوم : عرس بنا . فقال : ( من يوقظنا ؟ ) قلت : أنا أحرسكم فأوقظكم ، فنمت وناموا - وذكر الحديث . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأذان بعد ذهاب الوقت · ص 87 باب الأذان بعد ذهاب الوقت أي : هذا باب في بيان حكم الأذان بعد خروج الوقت وفي رواية المستملي باب الأذان بعد الوقت وليس فيها لفظة ذهاب وهي مقدرة أيضا ، وهذه مسألة مختلف فيها على ما يجيء ، عن قريب إن شاء الله تعالى . 71 - حدثنا عمران بن ميسرة قال : حدثنا محمد بن فضيل قال : حدثنا حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه قال : سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله قال : أخاف أن تناموا عن الصلاة قال بلال : أنا أوقظكم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس فقال : يا بلال أين ما قلت ؟ قال : ما ألقيت علي نومة مثلها قط قال : إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء ، يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . مطابقته للترجمة في قوله : ( قم يا بلال فأذن ) . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : عمران بن ميسرة ضد الميمنة تقدم في باب رفع العلم . الثاني : محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة تقدم في باب صوم رمضان إيمانا . الثالث : حصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي مات سنة ست وثلاثين ومائة . الرابع : عبد الله بن أبي قتادة تقدم في باب الاستنجاء باليمين . الخامس : أبوه أبو قتادة واسمه الحارث بن ربعي بن بلدية الأنصاري رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومدني وفيه رواية الابن عن الأب وفيه أن شيخ البخاري من أفراده . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن محمد بن سلام ، عن هشيم ، وأخرجه أبو داود في الصلاة ، عن عمرو بن عون ، عن خالد بن عبد الله وعن هناد ، عن عبثر بن القاسم ، وأخرجه النسائي فيه ، عن هناد به وفي التفسير عن محمد بن كامل المروزي ، عن هشيم به . ( ذكر معناه ) ، قوله : ( سرنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة ) من سار يسير سيرا ، وفيه رواية عمران بن حصين : إنا أسرينا ، ويروى : سرينا ، وقد مضى الكلام فيه في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم مستوفى ، وذكرنا أيضا أن هذه الليلة في أي سفرة كانت ، قوله : ( لو عرست بنا يا رسول الله ) جواب لو محذوف تقديره : لكان أسهل علينا أو هو للتمني ، وعرست بتشديد الراء من التعريس ، وهو نزول القوم في السفر آخر الليل للاستراحة ، قوله : ( أنا أوقظكم ) وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة ( فمن يوقظنا فقال بلال : أنا ) ، قوله : ( فاضطجعوا ) يجوز أن يكون بصيغة الماضي ويجوز أن يكون بصيغة الأمر ، قوله : ( إلى راحلته ) أي : إلى مركبه ، قوله : ( فغلبته عيناه ) أي : عينا بلال وفي رواية السرخسي : فغلبت بغير ضمير ، قوله : ( فنام ) أي : بلال ، قوله : ( فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس ) أي : طرفها وحواجب الشمس نواحيها ، وفي رواية مسلم : فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره ، قوله : ( أين ما قلت ) ؟ يعني أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم ، قوله : ( ما ألقيت ) على صيغة المجهول ، وقوله : ( نومة ) مفعول نائب عن الفاعل ، قوله : ( مثلها ) أي : مثل هذه النومة التي كانت في هذا الوقت ومثل لا يتعرف بالإضافة ولهذا وقع صفة للنكرة ، قوله : ( إن الله قبض أرواحكم ) الأرواح جمع روح يذكر ويؤنث وهو جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الردية الدنية مدرك للجزئيات والكليات حاصل في البدن متصرف فيه غنى عن الاغتذاء ، بريء عن التحلل والنماء ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن ، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر بل من عالم الملكوت ، فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن ويلتذ بما يلائمه ويتألم بما ينافيه ، والدليل على ذلك قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا وضع الميت على نعشه رفرف روحه فوق نعشه ويقول : يا أهلي ويا ولدي . ( فإن قلت ) : كيف يفسر الروح وقد قال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ( قلت ) : معناه من الإبداعات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل على أن السؤال كان عن قدمه وحدوثه وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره ، ( فإن قلت ) : إذا قبض الروح يكون الشخص ميتا لكنه نائم لا ميت ( قلت ) : المعنى من قبض الروح هنا قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط ، والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهرا وباطنا فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله قبض أرواحكم مثل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا قوله : ( حين شاء ) في الموضعين ليس لوقت واحد فإن نوم القوم لا يتفق غالبا في وقت واحد بل يتتابعون فيكون حين الأول : جزءا من أحيان متعددة ، قوله : ( قم فأذن ) بتشديد الذال من التأذين وفي رواية الكشميهني : ( فآذن ) بالمد ، ومعناه أعلم الناس بالصلاة ، قوله : ( فتوضأ ) أي النبي صلى الله عليه وسلم وزاد أبو نعيم في المستخرج : فتوضأ الناس ، قوله : ( وابياضت ) على وزن افعالت من الابيضاض وهذه الصيغة تدل على المبالغة يقال : ابيض الشيء إذا صار ذا بياض ثم إذا أرادوا المبالغة فيه ينقلونه إلى باب الافعيلال ، فيقولون : ابياض وكذلك احمر واحمار وقال بعضهم : وقيل : إنما يقال ذلك في كل لون بين لونين ، فأما الخالص من البياض مثلا فإنما يقال له أبيض . قلت : هذا القول صادر عمن ليس له ذوق من علم الصرف ولا اطلاع فيه ، قوله : ( قام فصلى ) ، وفي رواية أبي داود : فصلى بالناس . ( ذكر ما يستنبط منه ) : وهو على وجوه : الأول : فيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات . الثاني : فيه جواز الالتماس من السادات فيما يتعلق بمصالحهم الدينية بل الدنيوية أيضا مما فيه الخير . الثالث : أن على الإمام أن يراعي المصالح الدينية . الرابع : فيه جواز الاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها . الخامس : فيه جواز التزام خادم بمراقبة ذلك . السادس : فيه الأذان للفائتة ولأجله ترجم البخاري الباب واختلف العلماء فيه فقال أصحابنا : يؤذن للفائتة ويقيم ، واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين رواه أبو داود وغيره وفيه : ثم أمر مؤذنا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر ثم أقام ثم صلى الفجر ، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر : وإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام وهو مخير في الباقي إن شاء أذن وأقام لكل صلاة من الفوائت ، وإن شاء اقتصر على الإقامة لما روى الترمذي ، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته يوم الخندق أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك فمن أين التخيير ؟ قلت : جاء في رواية قضاهن صلى الله عليه وسلم بأذان وإقامة ، وفي رواية : بأذان وإقامة للأولى وإقامة لكل واحدة من البواقي ، ولهذا الاختلاف خيرنا في ذلك ، وفي التحفة وروي في غير رواية الأصول ، عن محمد بن الحسن : إذا فاتته صلوات تقضى الأولى بأذان وإقامة ، والباقي بالإقامة دون الأذان ، وقال الشافعي في الجديد : يقيم لهن ولا يؤذن ، وفي القديم : يؤذن للأولى ويقيم ويقتصر في البواقي على الإقامة ، وقال النووي في شرح المهذب : يقيم لكل واحدة بلا خلاف ولا يؤذن لغير الأولى منهن ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان أصحها أنه يؤذن ولا يعتبر بتصحيح الرافعي منع الأذان . والأذان للأولى مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وقال ابن بطال : لم يذكر الأذان في الأولى عن مالك والشافعي ، وقال الثوري والأوزاعي وإسحاق : لا يؤذن لفائتة . السابع : فيه دليل على أن قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور وهو الصحيح ولكن يستحب قضاؤها على الفور ، وحكى البغوي وجها عن الشافعي أنه على الفور ، وأما الفائتة بلا عذر فالأصح قضاؤها على الفور وقيل له التأخير كما في الأولى . الثامن فيه : أن الفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، واختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع ، قال في الأصل : حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين وقال أبو بكر محمد بن الفضل : ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس لا تباح فيه الصلاة فإن عجز عن النظر تباح . التاسع : فيه دليل على جواز قضاء الصلاة الفائتة بالجماعة . العاشر : احتج به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح قال : لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بمراقبة وقت صلاة غيرها وفيه نظر لا يخفى . الحادي عشر : فيه دليل على قبول خبر الواحد واستدل به قوم على ذلك ، وقال ابن بزيزة : وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلا . الثاني عشر : استدل به مالك في عدم قضاء سنة الفجر وقال أشهب : سئل مالك هل ركع صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ؟ قال : ما بلغني وقال أشهب : بلغني أنه صلى الله عليه وسلم ركع ، وقال علي بن زياد ، وقال غير مالك : وهو أحب إلي أن يركع ، وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي وقد قال مالك : إن أحب أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشمس فعل ، قلت : مذهب محمد بن الحسن إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفع النهار إلى وقت الزوال ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما ، هذا إذا فاتت وحدها وإذا فاتت مع الفرض يقضي اتفاقا . الثالث عشر : فيه أقوى دليل لنا على عدم جواز الصلاة عند طلوع الشمس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة حتى ابياضت الشمس ولورود النهي فيه أيضا .