821- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دفعه : أن الناس يعذبون في قبورهم ، لما سئل عن ذلك بعد قول اليهودية لعائشة : أعاذك الله من عذاب القبر . 6123 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب : أن مالكا حدثه - وحدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرنا مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن ، عن عائشة : أن يهودية جاءت تسألها ، فقالت أعاذك الله من عذاب القبر ، فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيعذب الناس في قبورهم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائذا بالله من ذلك . ثم ركب رسول الله ذات غداة مركبا ، فخسفت الشمس ، فرجع ضحى ، فمر بين ظهراني الحجر ، فقام يصلي .... فذكرت صلاة الكسوف وكيف صلاها ، قالت : ثم انصرف ، فقال : ما شاء الله أن يقول ، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر . ففي هذا الحديث بدءا دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون الناس يعذبون في قبورهم ، وأمره الناس بعد ذلك أن يتعوذوا من عذاب القبر . فكان دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك بدءا عندنا - والله أعلم - قبل أن يوحى إليه أن الناس يعذبون في قبورهم ، ثم أوحي إليه بعد ذلك : أنهم يعذبون في قبورهم ، فأمرهم أن يتعوذوا بالله من ذلك . فقال قائل : وكيف تقبلون هذا ؟ وقد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر . 6124 - ما قد حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ، قال : حدثنا سلامة بن روح ، عن عقيل بن خالد ، قال : قال ابن شهاب : وحدثني ابن أبي نملة : أن أبا نملة الأنصاري ، أخبره : أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من اليهود ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الله أعلم . فقال اليهودي : أنا أشهد أنها تتكلم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ، ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله ، وكتبه ، ورسله ، فإن كان حقا ، لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا ، لم تصدقوهم . 6125 - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني ابن أبي نملة : أن أبا نملة الأنصاري أخبره ، ثم ذكر مثله . قال : ففي هذا الحديث أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يكذبوا أهل الكتاب بما حدثوهم به ، ولا يصدقوهم ، إذ كانوا قد قرؤوا من كتب الله ما لم يقرأه المحدثون بذلك من أمته ، وفي الحديث الأول دفع ما حدثته به عائشة عن اليهودية وهذا تضاد شديد ! فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الأول ، كان قبل أن يؤمر بالالتفات إلى ما حدثه به أهل الكتاب ، ثم أمر بعد ذلك بالوقوف عنده ، وترك التصديق به ، والتكذيب له ، فكان ما حدثوه به ، له دفعه ، كما للرجل دفع ما لم يعلمه ، وإن كان في الحقيقة حقا ، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل مالا ، أنه له عليه ، والمدعى عليه لا يعلم بذلك ، أنه في سعة من إنكاره إياه ، ومن حلفه له عليه ، وإن كان قد يجوز أن يكون له عليه ، فذهبت عنه معرفته ، أو كان منه بانقلابه في نومه على مال له ، فأتلفه عليه ، فوجبت له عليه قيمته ، وهي المال الذي ادعاه عليه . وكان مثل ذلك ما كان منه - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ما لا يعلم ، كان في سعة من نفيه ، وإن كان قد يحتمل أن يكون في الحقيقة بخلاف ما هو عليه عنده ، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - أن يقابل مثل ذلك إذا قيل له بمثل ما في الحديث الثاني ، وإن كان ما في الحديث الأول واسعا له ، مع أنا قد تأملنا حديث عمرة الذي بدأنا بذكره في هذا الباب عن عائشة ، فوجدنا غير واحد من الرواة عن عائشة قد خالفوها عنها ، فمنهم مسروق بن الأجدع : . 6126 - كما حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أتتني عجوز يهودية ، فقالت : يعذب أهل القبور ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : صدقت ، يعذب أهل القبور عذابا تسمعه البهائم . 6127 - وكما حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : دخل علي عجوزان من عجائز يهود المدينة قالتا لي : إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ، فكذبتهما ، ولم أصدقهما ، فخرجتا ، ودخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إن عجوزين دخلتا علي ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون ، فقال : صدقتا ، إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها . فقالت عائشة : فما رأيته بعد ذلك في صلاة ، إلا يتعوذ من عذاب القبر . ومنهم ذكوان : 6128 - حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا آدم بن أبي إياس وأسد ، قالا : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان ، عن عائشة ، قالت : استطعمت يهودية ، فقالت : أطعموني ، أعاذكم الله من فتنة الدجال ، ومن فتنة عذاب القبر ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول هذه اليهودية ؟ قال : وما قالت؟ قلت : فإنها قالت : أعاذكم الله من فتنة الدجال ، وفتنة عذاب القبر ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع يديه ، فبدأ يستعيذ بالله من فتنة الدجال وعذاب القبر . وقد روى عروة بن الزبير ، عن عائشة في ذلك : . 6129 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدثنا يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن يهودية دخلت عليها وعندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : أشعرت أنكم تفتنون في القبور ؟ فارتاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : إنما تفتن يهود . قالت عائشة : فلبثنا ليالي ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ؟ قالت : ثم سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ من عذاب القبر . قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ما قد دل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان دفع ذلك في البدء قبل أن يوحى إليه أنهم يفتنون في قبورهم ، ثم أوحي إليه أنهم يفتنون في قبورهم ، فرجع إلى التصديق بذلك ، والاستعاذة منه. وفي هذا ما قد دل على موافقة عروة عمرة على ما روت من ذلك عن عائشة ، وكان هذا عندنا - والله أعلم - أولى بما روي عن عائشة مما رواه مسروق وذكوان عنها ؛ لأن في هذا تقدم دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ثم إثباته إياه بعد ذلك . فكان الذي كان عند مسروق وذكوان في ذلك ، هو الأمر الثاني ، وكان الذي كان عند عروة وعمرة ، الأمر الأول ، والأمر الثاني ، فكانا بذلك أولى ، وكانا بما حفظا من ذلك قد حفظا ما قصر مسروق وذكوان عن حفظه ، والله نسأله التوفيق .
مخالف
شرح مشكل الآثارص 191 تأويل مختلف الحديثحَدِيثٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا مَوْتُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ · ص 385 41 - قَالُوا : حَدِيثٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا مَوْتُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : لَقَدِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ الْعَرْشُ ، وَلَقَدْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، وَمَا كِدْتُ أَصِلُ إِلَى جِنَازَتِهِ ، ثُمَّ رُوِّيتُمْ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَقَدْ ضُغِطَ ضَغْطَةً اخْتَلَفَتْ لَهَا أَضْلَاعُهُ ، قَالُوا : كَيْفَ يَتَحَرَّكُ عَرْشُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَوْتِ أَحَدٍ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى بِهِ . وَقَدْ رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ . وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ الْقَمَرُ وَهُمَا عَلَى مَا رُوِّيتُمْ - ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ ، فَكَيْفَ بِالْعَرْشِ الْمَجِيدِ ؟ وَعَلَى أَنَّ الْعَرْشَ لَوْ تَحَرَّكَ لَتَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَكَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْعَرْشُ لِمَوْتِ مَنْ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَضُمُّ عَلَيْهِ قَبْرَهُ ، حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ؟ وَكَيْفَ يُعَذِّبُ مَنْ يُغَسِّلُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلِكٍ ، وَلَا يَصِلُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جِنَازَتِهِ لِازْدِحَامِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْمٌ ، فَذَهَبُوا فِيهِ إِلَى أَنَّ الِاهْتِزَازَ مِنَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ الْحَرَكَةُ ، كَمَا يَهْتَزُّ الرُّمْحُ ، وَكَمَا تَهْتَزُّ الشَّجَرَةُ إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيحُ ، وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا وَقَعْتِ الشَّنَاعَةُ وَوَجَبَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْعَرْشُ هَاهُنَا السَّرِيرُ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ تَحَرَّكَ ، وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ لِسَعْدٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَضِيلَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ سَرِيرٍ مِنْ سُرُرِ الْمَوْتَى لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَحَرَّكَ لِتَجَاذُبِ النَّاسِ إِيَّاهُ . وَبَعْدُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ السَّرِيرَ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَدْ رَوَى فِي حَدِيثٍ آخَرَ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِهِ ؟ وَلَيْسَ الِاهْتِزَازُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَلَا الْعَرْشُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْآخَرُونَ ، بَلِ الِاهْتِزَازُ: الِاسْتِبْشَارُ وَالسُّرُورُ ، يُقَالُ : إِنَّ فُلَانًا لَيَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ أَيْ : يَسْتَبْشِرُ وَيُسَرُّ ، إِنَّ فُلَانًا لَتَأْخُذُهُ لِلثَّنَاءِ هِزَّةٌ ، أَيِ : ارْتِيَاحٌ وَطَلَاقَةٌ . وَمِنْهُ قِيلَ فِي الْمَثَلِ : إِنْ فُلَانًا إِذَا دُعِيَ اهْتَزَّ ، وَإِذَا سُئِلَ ارْتَزَّ . وَالْكَلَامُ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ اهْتَزَّ ، أَيِ : ارْتَاحَ وَسُرَّ ، وَإِذَا سُئِلَ الْحَاجَةَ ارْتَزَّ ، أَيْ : ثَبَتَ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يَطْلُقْ . فَهَذِهِ مَعْنَى الِاهْتِزَازِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا الْعَرْشُ ، فَعَرْشُ الرَّحْمَنِ - جَلَّ وَعَزَّ - عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِاهْتِزَازِهِ اسْتِبْشَارَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ وَيَحُفُّونَ حَوْلَهُ بِرُوحِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأَقَامَ الْعَرْشَ مَقَامَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيُحِيطُ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ : اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، يُرِيدُ مَا بَكَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلَا أَهْلُ الْأَرْضِ ، فَأَقَامَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مَقَامَ أَهْلِهِمَا ، وَكَمَا قَالَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، أَيْ : سَلْ أَهْلَهَا . وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُحُدٍ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ، يُرِيدُ: يُحِبُّنَا أَهْلُهُ ، يَعْنِي الْأَنْصَارَ ، وَنُحِبُّهُ أَيْ : نُحِبُّ أَهْلَهُ . كَذَلِكَ أَقَامَ الْعَرْشَ مَقَامَ حَمَلَتِهِ وَالْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَبْشِرُ بِرُوحِ الْمُؤْمِنِ ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابًا فِي السَّمَاءِ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ ، وَيُعْرَجُ فِيهِ بِرُوحِهِ إِذَا مَاتَ ثُمَّ يُرَدُّ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى سَهْلٌ قَرِيبٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَقَدِ اسْتَبْشَرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ بِرُوحِ سَعْدٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : كَيْفَ يُعَذَّبُ مَنْ تَبَادَرَ إِلَى غُسْلِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ؟ فَإِنَّ لِلْمَوْتِ وَلِلْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ زَلَازِلًا شِدَادًا ، وَأَهْوَالًا لَا يَسْلَمُ مِنْهَا نَبِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ ، يَدُلُّكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . وَلَوْ كَانَ يَسْتَحِيلُ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ خَافَ مَا قَضَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ وَأَخْفَاهُ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَجْعَلْ مِنْهُمْ أَحَدًا عَلَى أَمْنٍ وَلَا طُمَأْنِينَةٍ ، وَيَدُلُّكَ قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي ، وَقَوْلُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي . وَيَدُلُّكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . أَعْلَمَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا يَرِدُ النَّارَ ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وَيذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَوْ كَانَ لِي طِلَاعُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتُدِيَتْ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تَدْخُلُهُمْ دَهْشَةٌ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .