الْحَدِيثُ السَّادِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ : رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا ، ثُمَّ تَرَكَهُ قُلْت : اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ لِلشَّافِعِيِّ عَلَيْنَا فِي وُجُوبِ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْفَجْرِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِمَذْهَبِنَا أَيْضًا ، لِأَنَّ تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُهُ فِي بَاقِي الصَّلَوَاتِ ، نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَنَا فِي دَعْوَى نَسْخِ حَدِيثِهِمْ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ سَقَطَ مِنْ النُّسْخَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْنُت فِي الْفَجْرِ وَلَنَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ . وَبِالْجُمْلَةِ ، فَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي الْآثَارِ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ مَيْمُونٍ الْقَصَّابِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عبَدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمْ يَقْنُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّبْحِ إلَّا شَهْرًا ، ثُمَّ تَرَكَهُ ، لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ ، وَلَا بَعْدَهُ . انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ لِلطَّحَاوِيِّ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى عُصَيَّةَ وَذَكْوَانَ ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ تَرَكَ الْقُنُوتَ وَهُوَ مَعْلُولٌ بِأَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ : كَانَ فَاحِشَ الْخَطَأِ ، كَثِيرَ الْوَهْمِ ، يَرْوِي عَنْ الثِّقَاتِ مَا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الْأَثْبَاتِ ، تَرَكَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ : وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى نَسْخِ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ ، بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصُّبْحِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ ، لَمَّا نَزَلَتْ لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ ، قَالَ : وَلَعَلَّ آخِرَ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، بَعْدَمَا يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ، وَهُوَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِكَثِيرٍ ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُحُدٍ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي حَيَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ مَا أَخْبَرَنَا ، وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيَانَ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ، فَنَزَلَتْ لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ بِهِ ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ : يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشُجَّ ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ يَعْنِي الدُّعَاءَ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى مَنْ قَتَلَ مَنْ أهل بِئْرِ مَعُونَةَ وَهِيَ بَعْدَ أُحُدٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى نَسْخِ الْقُنُوتِ جُمْلَةً انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ . أَحَادِيثُ الْبَابِ : أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى ، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى ، وَعَنْبَسَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ كُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ ، وَلَا يَصِحُّ لِنَافِعٍ سَمَاعٌ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ انْتَهَى . وَأَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ بِعَنْبَسَةَ ، وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : تَرَكُوه . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ هَيَّاجٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَصَفِيَّةُ هَذِهِ لَمْ تُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمٍ ، أَوْ عَلَى قَوْمٍ . انْتَهَى . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : رَوَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْنُتُ ، إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ انْتَهَى . قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ : وَسَنَدُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ ، وَهُمَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْقُنُوتَ مُخْتَصٌّ بِالنَّازِلَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَم . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوسَطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ السُّحَيْمِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ قَانِتًا فِي صَلَاةٍ إلَّا فِي الْوِتْرِ . انْتَهَى . وَأَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، وَقَالَ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ ، وَضَعفهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَوْثِيق . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ بِشْرِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقُنُوتَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ إنَّهُ لَبِدْعَةٌ ، مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ شَهْرٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى . وَأَعَلَّهُ بِبِشْرِ بْنِ حَرْبٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا ، وَضَعَّفَهُ عَنْ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَعِينٍ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ ، فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْت خَلْفَ عُثْمَانَ ، فَلَمْ يَقْنُتْ ، وَصَلَّيْت خَلْفَ عَلِيٍّ ، فَلَمْ يَقْنُتْ ، ثُمَّ قَالَ : يَا بُنَيَّ إنَّهَا بِدْعَةٌ . انْتَهَى . وَاسْمُ أَبِي مَالِكٍ ، سَعْدُ بْنُ طَارِقِ بْنِ الْأَشْيَمِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : طَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلَفْظُهُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِ ، إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ ، نَحْوًا مِنْ خَمْسِين سنة ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ ؟ قَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، مُحْدَثٌ . انْتَهَى . وَقَدْ وَثَّقَ أَبَا مَالِكٍ ، الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَالِحُ الْحَدِيثِ ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَيْنِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ يَحْفَظْ طَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ الْقُنُوتَ عَمَّنْ صَلَّى خَلْفَهُ ، فَرَآهُ مُحْدَثًا ، وَقَدْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ ، فَالْحُكْمُ لِمَنْ حَفِظَ دُونَ مَنْ لَمْ يَحْفَظ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَنَتُوا قَطُّ ، بَلْ اتَّفَقَ أَنَّ طَارِقًا صَلَّى خَلْفَ كُلٍّ مِنْهُمْ ، وَأَخَبر بِمَا رَأَى ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي النَّوَازِلِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُحَافِظُونَ عَلَى قُنُوتٍ رَاتِبٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
تخريج كتب التخريج والعلل
نصب الراية لأحاديث الهدايةأحاديث القنوت في الفجر · ص 126 نصب الراية لأحاديث الهدايةالآثار في هذا المعنى وبقية أحاديث الخصوم ومعارضتها بأحاديث · ص 131 الْآثَارُ : أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا قَنَتَ فِي الصُّبْحِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْنُتُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ : مَا شَهِدْت ، وَلَا عَلِمْت . انْتَهَى . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ صَحِبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَنَتَيْنَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَلَمْ يَرَهُ قَانِتًا فِي الْفَجْرِ ، حَتَّى فَارَقَهُ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ : وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إنَّمَا أَخَذُوا الْقُنُوتَ عَنْ عَلِيٍّ ، قَنَتَ يَدْعُو عَلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ حَارَبَهُ ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَخَذُوا الْقُنُوتَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، قَنَتَ يَدْعُو عَلَى عَلِيٍّ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ بِدْعَةٌ ، وَضَعَّفَهُ . وَمِنْ أَحَادِيثِ الْخُصُومِ : مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا انْتَهَى . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ ، وَلَفْظُهُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ؟ قَالَ : فَزَجَرَهُ أَنَسٌ ، وَقَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَالَ إِسْحَاقُ : وَقَوْلُهُ : ثُمَّ تَرَكَهُ يَعْنِي تَرَكَ تَسْمِيَةَ الْقَوْمِ فِي الدُّعَاءِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لِلنَّوَوِيِّ ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْمُسْتَدْرَكِ ، فَلْيُرَاجَعْ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَات . وَعَنْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ : قَالَ : وَلَهُ شَوَاهِدُ عَنْ أَنَسٍ ذَكَرْنَاهَا فِي السُّنَنِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ عَلَى التَّحْقِيقِ : هَذَا الْحَدِيثُ أَجْوَدُ أَحَادِيثِهِمْ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَثَّقُوا أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي كِتَابِ الْقُنُوتِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : وَإِنْ صَحَّ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا زَالَ يَقْنُتُ فِي النَّوَازِلِ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَا زَالَ يُطَوِّلُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْقُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطَّاعَةِ ، وَالْقِيَامِ ، وَالْخُشُوعِ ، وَالسُّكُوتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ وَقَالَ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَقَالَ : وَمَنْ يَقْنُتُ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَقَالَ : يَا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّك وَقَالَ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وَقَالَ : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَفِي الْحَدِيثِ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ التَّحْقِيقِ ، وَفِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ ، وَاسْمُهُ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ يَخْلِط . وَقَالَ يَحْيَى : كَانَ يُخْطِئُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كَانَ يَهِمُ كَثِيرًا ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ . انْتَهَى . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ . وَسَكَتَ عَنْهُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ . انْتَهَى . قُلْت : وَيُعَارَضُ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، ثَنَا غَالِبُ بْنُ فَرْقَدٍ الطَّحَّانِ ، قَالَ : كُنْت عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ شَهْرَيْنِ ، فَلَمْ يَقْنُتْ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ انْتَهَى . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، قَالَ : لَمْ يُرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَانِتًا فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . انْتَهَى . قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ ، فَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، إلَى يَوْمِنَا ، فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِثْلِ : عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسهلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَعَائِشَةَ ، وَمِنْ الْمُخَضْرَمِينَ : أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَقَتَادَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خيثمِ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَزِيَادُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : وَخَالَفَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ فَمَنَعُوهُ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، مُحْتَجِّينَ بِأَحَادِيثَ : مِنْهَا : حَدِيثُ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمْ يَقْنُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا شَهْرًا ، لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَقَالَ : تَابَعَهُ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : لَمْ يَقْنُتْ فِي الْفَجْرِ قَطُّ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْيَمَامِيُّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْوِتْرِ ، كَانَ إذَا حَارَبَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ، يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى زُنْبُورٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقُنُوتَ ، فَقَالَ : إنَّهُ لَبِدْعَةٌ ، مَا قَنَتَ غَيْرَ شَهْرٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ تَرَكَهُ ، رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْهُ ، قَالَ : وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِأَنَّهُ مَعْلُولٌ بِأَبِي حَمْزَةَ ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَا يُحَدِّثُ عَنْه . وَقَالَ أَحْمَدُ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَأَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا قِيلَ فِي أَبِي حَمْزَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ، فَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ ، وَأَبُو حَاتِمٍ . وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، كُلُّهَا وَاهِيَةٌ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِطُرُقٍ صِحَاح . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : فَمَعْلُولٌ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قَالَ أَبِي ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كَانَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ضَعِيفٌ جِدًّا ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى وَأَبُو حَاتِمٍ وَالسَّاجِيُّ وَغَيْرُهُم . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقُنُوتِ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ نَافِعًا لَمْ يَلْقَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى زُنْبُورٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَعَنْبَسَةُ ، كُلُّهُمْ ضُعَفَاء . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَمَعْلُولٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ بِشْرَ بْنَ حَرْبٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَبُو عَمْرٍو النَّدْبِيُّ مَطْعُونٌ فِيهِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْت ابْنَ الْمَدِينِيِّ يُضَعِّفُهُ . وَكَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي عَنْه . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : مَتْرُوكٌ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ : لَا يُحْمَد حَدِيثُهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ضَعِيفٌ ، قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ هَاهُنَا الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، أَوْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ نَسِيَ ، بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَنَا ، وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ذَكَرَ لَهُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقُنُوتِ ، فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ قَدْ قَنَتَ مَعَ أَبِيهِ ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ ، قَالَ : وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَبَرْنَا وَنَسِينَا ، ائْتُوا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَاسْأَلُوهُ ، قَالُوا : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ . وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ مِنْ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ ، وَهَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْقُنُوتِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، الْقُنُوتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، لَا الَّذِي بَعْدَ الرُّكُوعِ ، مَا أَخْبَرَنَا وَأَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ ، أخبرنا إِسْحَاقُ الدِّيرِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، وَكَانَ قُنُوتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَبَعْدَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ . انْتَهَى . وَقَالَ : إسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : ثِقَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ثِقَة . وَقَالَ أَحْمَدُ : صَالِحُ الْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي مُسْنَدِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : سَأَلْته عَنْ الْقُنُوتِ ، أَقَبْلَ الرُّكُوعِ ، أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : قَبْلَ الرُّكُوعِ ، قَالَ : قُلْت : فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَقَالَ : كَذَبُوا ، إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ ، قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، يُقَالُ لَهُمْ : الْقُرَّاءُ انْتَهَى . هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . وَفِي حَدِيثِهِمْ : إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أَلَا تَرَاهُ فَصَلَ بَيْنَ الْقُنُوتِ الْمتروك وَالْقُنُوتِ الْمَلْزُومِ ، ثُمَّ لَمْ يُطْلِقْ اللَّفْظَ حَتَّى أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ : بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَدَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ عَنْ الدُّعَاءِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : ثُمَّ تَرَكَهُ ، لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ ، وَعَادَ إلَيْهِ ، قُلْنَا : هَذَا مَدْفُوعٌ بِمَا أَخْبَرَنَا ، وَأَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَمَا يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَمَا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى أَحَدٍ بَعْدُ . انْتَهَى . وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ ، أَوْ لِأَحَدٍ ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاةِ الْفَجْرِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا ، وَفُلَانًا ، لِأَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ ، قَالَ : وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى مُضَرَ ، إذْ جَاءَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُنْ ، فَسَكَتَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْك سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بَعَثَك رَحْمَةً لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ ، ثُمَّ عَلَّمَهُ الْقُنُوتَ : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك ، وَنُؤْمِنُ بِك ، وَنَخْضَعُ لَك ، وَنَخْلَعُ ، وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَلَك نُصَلِّي ، وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ ، وَنَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخَافُ عَذَابَك ، إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ . انْتَهَى . ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ تَرَكَه ، وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا انْتَهَى . قَالَ : فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَتْرُوكَ هُوَ الدُّعَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ : أَحَادِيثُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَا هُوَ مُطْلَقٌ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَنَتَ . وَالثَّانِي : مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَيحْمِلُهُ عَلَى فِعْلِهِ شَهْرًا بِأَدِلَّتِنَا . الثَّالِثُ : مَا رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث . وَالرَّابِعُ : مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي حُجَّتِهِمْ ، نَحْوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ . قَالَ : وَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْقُنُوتِ أَحَادِيثَ ، أَظْهَرَ فِيهَا تَعَصُّبَهُ : فَمِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ عَنْ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، خَادِمِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى مَاتَ . انْتَهَى . قَالَ : وَسُكُوتُهُ عَنْ الْقَدْحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاحْتِجَاجُهُ بِهِ ، وَقَاحَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَعَصَبِيَّةٌ بَارِدَةٌ ، وَقِلَّةُ دِينٍ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ، دِينَارٌ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ آثَارًا مَوْضُوعَةً ، لَا يَحِلُّ ذِكْرُهَا فِي الْكُتُبِ ، إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ ، فَوَاعَجَبَا لِلْخَطِيبِ ، أَمَا سَمِعَ فِي الصَّحِيحِ : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ ؟ وَهَلْ مِثْلُهُ إلَّا كَمَثَلِ مَنْ أَنْفَقَ بَهْرَجًا وَدَلَّسَهُ ؟ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلنُّقَّادِ ، فَإِذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مُحْدِثٌ ، وَاحْتَجَّ بِهِ حَافِظٌ لَمْ يَقَعْ فِي النُّفُوسِ إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّ عَصَبِيَّته ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْقُنُوتِ ، وَ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْجَهْرِ ، وَمَسْأَلَةِ الْغَيْمِ ، وَاحْتِجَاجِهِ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي يَعْلَمُ بُطْلَانَهَا ، اطَّلَعَ عَلَى فَرْطِ عَصَبِيَّتِهِ ، وَقِلَّةِ دِينِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَحَادِيثَ أُخْرَى ، كُلَّهَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ حَتَّى مَاتَ وَطَعَنَ فِي أَسَانِيدِهَا .
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرةبِشْرُ بْنُ حَرْبٍ · ص 273