الحَدِيث الرَّابِع قال الرَّافِعِيّ بعد أَن قرر أَن سهم الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الخُمْس من الْفَيْء ، وَأَن هَذَا السهْم كَانَ لَهُ يعْزل مِنْهُ نَفَقَة أَهله ، وَمَا فضل جعله فِي الكراع كَمَا سلف : لم يكن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يملكهُ ، وَلَا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى غَيره إِرْثا ، بل مَا يملكهُ الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم السَّلَام - لَا يورَّث عَنْهُم ، كَمَا اشْتهر فِي الْخَبَر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طرق : أَحدهَا : عَن أبي بكر الصدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نُورَّث ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة . وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه : إِنَّا لَا نُورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة . وَللترمذي فِي (غير) جَامعه بإسنادٍ عَلَى شَرط مُسلم ، عَن عُمر عَن أبي بكر ، رَفعه : إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة . وَلأَحْمَد عَن أبي بكر ، رَفعه : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يورَّث ، وَإِنَّمَا مِيرَاثه فِي فُقَرَاء الْمُسلمين وَالْمَسَاكِين . ثَانِيهَا : عَن عُمر : أَنه قَالَ لعُثْمَان وعَبْدِ الرَّحْمَن بن عَوْف والزبير وَسعد وَعلي وَالْعَبَّاس : أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه الَّذِي تقوم السَّمَاوَات وَالْأَرْض بأَمْره ؛ أتعلمون أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة ؟ قَالُوا : نعم . وللنسائي فِي سنَنه الْكُبْرَى من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عَمرو بن دِينَار ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن مَالك بن أَوْس (بن الْحدثَان) قَالَ : قَالَ عمر لعبد الرَّحْمَن وَسعد وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزبير : أنشِدُكم بِاللَّه الَّذِي قَامَت (لَهُ) السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، سَمِعْتُمْ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث ، مَا تركنَا (فَهُوَ) صَدَقَة ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نعَمْ . ثَالِثهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين تُوفِّي أردن أَن يَبْعَثْنَ عثمانَ إِلَى أبي بكر يسألنه ميراثهن ، فَقَالَت عَائِشَة : أَلَيْسَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة . رَابِعهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يقتسم ورثتي دِينَارا ، مَا تركتُ بَعْدَ نَفَقَة نسَائِي وَمؤنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : وَلَا درهما . وَلأَحْمَد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وصحَّحه عَن أبي هُرَيْرَة : أَن فَاطِمَة قَالَت لأبي بكر : مَنْ يرثكَ إِذا مت ؟ قَالَ : وَلَدي وَأَهلي . قالت : فَمَا لنا لَا نَرِثُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : سمعتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا نورَّث ، وَلَكِن أعول مَنْ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعول ، وَأنْفق عَلَى مَنْ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينْفق عَلَيْهِ . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ : أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث فَاطِمَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَن أبي بكر ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَن الْأَنْبِيَاء لَا يُورَّثون ، مَا تَرَكُوهُ فَهُوَ صَدَقَة قَالَ : هُوَ حَدِيث يرويهِ الْكَلْبِيّ ، فَاخْتلف عَنهُ ؛ فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش : عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح ، عَن أُمِّ هَانِئ ، عَن فَاطِمَة أَنَّهَا دخلت عَلَى أبي بكر فَقَالَت : أرأيتَ لَو مت مَنْ كَانَ يَرِثُك ؟ . وَخَالفهُ سُفْيَان الثَّوْريّ والمغيرة فروياه : عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن أُمِّ هَانِئ أَن أَبَا بكر قَالَ لفاطمة . فَائِدَة : قَوْله : مَا تركنَا صَدَقَة هُوَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ ، و صَدَقَة مرفوعٌ خبرٌ ، خلافًا للإمامية فِي قَوْلهم : إِنَّمَا هُوَ يَرث بِالْمُثَنَّاةِ تَحت . و صَدَقَة بِالْفَتْح ، أَي : مَا تركنَا صَدَقَة ؛ فَلَا نورَّث ، و مَا فِي مَوضِع الْمَفْعُول ، و صَدَقَة مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَعَلَى التَّفْسِير ، وَهَذَا مُخَالف لما فهم مِنْهُ أهل اللِّسَان ، وَلما حمله عَلَيْهِ أئمةُ الصَّحَابَة من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، وَمَا وَقع فِي سَائِر الرِّوَايَات (فِي) قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : لَا نورّث ، (مَا تركنَا) فَهُوَ صَدَقَة . قال أَبُو جَعْفَر النّحاس : فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : مَا تركنَا صَدَقَة ثَلَاثَة أقوالٍ للْعُلَمَاء : أَحدهَا : أَنه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة ، أَي : لَا يورَّث ، إِنَّمَا هُوَ فِي مصَالح الْمُسلمين . ثَانِيهَا : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ تصدَّق بِهِ . ثَالِثهَا : أَن تكون الرِّوَايَة : لَا نورَّث ، مَا تركنَا صَدَقَة بِالنّصب ، وَتَكون مَا بِمَعْنى الَّذِي ، وَتَكون فِي مَوضِع جَرٍّ أَيْضا . قال : والمعاني فِي هَذَا مقاربة (لِأَن الْمَقْصُود) أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لَا يورَّث .
تخريج كتب التخريج والعلل
الحديث المعنيّ2553 1 / 3 - نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : نَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله……مسند البزار · رقم 2553
١ مَدخل