[ 24 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ . وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ الْوَفْدُ ؟ أَوْ : مَنْ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا : رَبِيعَةُ . قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى . قَالَ : فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ . قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ . قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ . وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ . قَالَ شُعْبَةُ : وَرُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ . قَالَ شُعْبَةُ : وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ . وَقَالَ : احْفَظُوهُ ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : مَنْ وَرَاءَكُمْ . وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ : الْمُقَيَّرِ . [ 25 ] وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي . ( ح ) ، وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَقَالَ : أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ . وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ : الْحِلْمُ ، وَالْأَنَاةُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ . وَقَالَ الْآخَرُونَ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ) هَذَا مِنِ احْتِيَاطِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِنَّ غُنْدَرًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَهُ بِلَقَبِهِ وَالْآخَرَانِ بِاسْمِهِ ، وَنَسَبهِ وَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ . قَالَ الْآخَرَانِ عَنْهُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، فَحَصَلَتْ مُخَالَفَةٌ بَيْنهمَا وَبَيْنَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ دَالَ غُنْدَرٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ حَكَى ضَمَّهَا أَيْضًا ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ تَلْقِيبِهِ بِغُنْدَرٍ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ) كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ، وَتَقْدِيرُهُ : بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَحَذَفَ لَفْظَةَ بَيْنَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِحَذْفِ " يَدَيْ " ، فَتَكُونُ " يَدَيْ " عِبَارَةً عَنِ الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أَيْ : قَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَعْنَى التَّرْجَمَةِ فَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ لُغَةٍ بِلُغَةٍ ، ثُمَّ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْفَارِسِيَّةِ ، فَكَانَ يُتَرْجِمُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِهَا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ ؛ إِمَّا لِزِحَامٍ مَنَعَ مِنْ سَمَاعِهِ فَأَسْمَعَهُمْ ، وَإِمَّا لِاخْتِصَارٍ مَنَعَ مِنْ فَهْمِهِ فَأَفْهَمَهُمْ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . قَالَ : وَإِطْلَاقُهُ لَفْظَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِهَذَا . قَالَ : وَلَيْسَتِ التَّرْجَمَةُ مَخْصُوصَةً بِتَفْسِيرِ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى ، فَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَى قَوْلِهِمْ بَابُ كَذَا اسْمَ التَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ يُعَبِّرُ عَمَّا يَذْكُرُهُ بَعْدَهُ ؛ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُفْهِمُهُمْ عَنْهُ وَيُفْهِمُهُ عَنْهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ) أَمَّا ( الْجَرُّ ) فَبِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ الْوَاحِدَةُ جَرَّةٌ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِرَارٍ وَهُوَ هَذَا الْفَخَّارُ الْمَعْرُوفُ . وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَاءِ الْمَرْأَةِ الرِّجَالَ الْأَجَانِبَ وَسَمَاعِهَا صَوْتَهُمْ وَسَمَاعِهِمْ صَوْتَهَا لِلْحَاجَةِ . وَفِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ . . . إِلَخْ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ ، بَلْ حُكْمُهُ بَاقٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ، اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ وَأَكْثَرَتْ مِنْهُ تُرِيدُ بِهِ الْبِرَّ وَحُسْنَ اللِّقَاءِ ، وَمَعْنَاهُ : صَادَفْتُ رَحْبًا وَسَعَةً . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : ( النَّدَامَى ) ؛ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَ ( خَزَايَا ) بِحَذْفِهِمَا . وَرُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِإِسْقَاطِهِمَا فِيهِمَا ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ ( غَيْرَ ) ؛ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْحَالِ . وَأَشَارَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ إِلَى أَنَّهُ يُرْوَى أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الصِّفَةِ لِلْقَوْمِ ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ جَاؤوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَمَّا ( الْخَزَايَا ) فَجَمْعُ خَزْيَانَ ؛ كَحَيْرَانَ وَحَيَارَى ، وَسَكْرَانَ وَسَكَارَى . وَالْخَزْيَانُ الْمُسْتَحِي ، وَقِيلَ : الذَّلِيلُ الْمُهَانُ . وَأَمَّا ( النَّدَامَى ) فَقِيلَ : إِنَّهُ جَمْعُ نَدْمَانَ بِمَعْنَى نَادِمٍ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي نَادِمٍ حَكَاهَا الْقَزَّازُ صَاحِبُ " جَامِعِ اللُّغَةِ " وَالْجَوْهَرِيُّ فِي " صِحَاحِهِ " ، وَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى بَابِهِ ، وَقِيلَ : جَمْعُ نَادِمٍ إِتْبَاعًا لِلْخَزَايَا ، وَكَانَ الْأَصْلُ نَادِمِينَ فَأُتْبِعَ لِخَزَايَا تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ ، وَهَذَا الْإِتْبَاعُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ مِنْ فَصِيحِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ، أَتْبَعَ مَأْزُورَاتٍ لِمَأْجُورَاتٍ ، وَلَوْ أَفْرَدَ وَلَمْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مَأْجُورَاتٍ لَقَالَ : مَوْزُورَاتٍ ؛ كذا قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَجَمَاعَاتٌ . قَالُوا : وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : إِني لَآتِيهِ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا ؛ جَمَعُوا الْغَدَاةَ عَلَى غَدَايَا إِتْبَاعًا لِعَشَايَا ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا غَدَوَاتٌ . وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ تَأَخُّرٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَا عِنَادٌ وَلَا أَصَابَكُمْ إِسَارٌ وَلَا سَبَاءٌ وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَسْتَحْيُونَ بِسَبَبِهِ أَوْ تَذِلُّونَ أَوْ تُهَانُونَ أَوْ تَنْدَمُونَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ) الشُّقَّةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، أَشْهَرُهُمَا وَأَفْصَحُهُمَا الضَّمُّ ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ : وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ ، وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ . وَالشُّقَّةُ السَّفَرُ الْبَعِيدُ ؛ كَذَا قَالَهُ ابْنُ سِكِّيتٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَقُطْرُبٌ وَغَيْرُهُمْ . قِيلَ : سُمِّيَتْ شُقَّةً لِأَنَّهَا تَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ . وَقِيلَ : هِيَ الْمَسَافَةُ . وَقِيلَ : الْغَايَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهَا . فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُمْ " بَعِيدَةً " مُبَالَغَةً فِي بُعْدِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلِهِمْ : ( فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ ) هُوَ بِتَنْوِينِ ( أَمْرٍ ) ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : هُوَ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ الَّذِي يَنْفَصِلُ بِهِ الْمُرَادُ وَلَا يُشْكِلُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : مَنْ وَرَاءَكُمْ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ؛ الْأُوَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا ، وَهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَا جَمِيعًا ) فَلَفْظَةُ ( جَمِيعًا ) مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ ، وَمَعْنَاهُ : اتَّفَقَا وَاجْتَمَعَا عَلَى التَّحْدِيثِ بِمَا يَذْكُرهُ ، إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَإِمَّا فِي وَقْتَيْنِ ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ : الْحِلْمُ ، وَالْأَنَاةُ ) أَمَّا ( الْأَشَجُّ ) فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - الْعَصَرِيُّ ؛ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْأَكْثَرُونَ أَوِ الْكَثِيرُونَ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زِيَادِ بْنِ عَصَرِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَامِرٍ . وَقِيلَ : الْمُنْذِرُ بْنُ عُبَيْدٍ . وَقِيلَ : اسْمُهُ عَائِذُ بْنُ الْمُنْذِرِ . وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ . وَأَمَّا ( الْحِلْمُ ) فَهُوَ الْعَقْلُ ، وَأَمَّا ( الْأَنَاةُ ) فَهِيَ التَّثْبِيتُ وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ ، وَهِيَ مَقْصُورَةٌ . وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لَهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْوَفْدِ أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَةَ بَادَرُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامَ الْأَشَجُّ عِنْدَ رِحَالِهِمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَتَهُ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ : نَعَمْ . فَقَالَ الْأَشَجُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَمْ تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ ، فَمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ . قَالَ : " صَدَقْتَ ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ . . . الْحَدِيثَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فَالْأَنَاةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ ، وَالْحِلْمُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوْدَةِ نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ . قُلْتُ : وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَشَجِّ : " إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ . . . " الْحَدِيثَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا ؟ قَالَ : " بَلْ قَدِيمٌ " . قَالَ : قُلْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَائِعِ الدِّينِ · ص 153 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا · ص 170 ( 5 ) بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا 17- [ 14 ] عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ؟ فَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنِ الْوَفْدُ ؟ - أو : مَنِ الْقَوْمُ ؟ - قَالُوا : رَبِيعَةُ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أو بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى ، قَالَ : فَقَالُوا : يَا رسولَ الله ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ، قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ؛ قَالَ : أَمَرَهُمْ بِالإِْيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِْيمَانُ بِاللهِ ؟ قَالُوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ : الْمُقَيَّرِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : النَّقِيرِ - وَقَالَ : احْفَظُوهُ ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ وَرَاءَكُمْ . ( 5 ) وَمِنْ بَابُ إِطْلاَقِ اسْمِ الإِْيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِسْلاَمًا معنى جَعَلَ في هذه الترجمة : سمّى ، كما قال تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ويصلُحُ أن يكون بمعنى : صيَّر ؛ كما تقول العرب : جعلتُ حُسنَ فلانٍ قبحًا ، أي : صيَّرتُهُ ، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام من حديث جبريل . ( قوله : أبو جمرة ) هذا الذي يروي عن ابن عبَّاسٍ حديثَ وَفْدِ عبد القَيْس ، هو بالجيم والراء ، واسمه : نَصْرُ بنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ ، وقد روى عن ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ آخر يقالُ له : أبو حَمْزةَ - بالحاء المهملة والزاي - واسمه : عِمْرَانُ بنُ أبي عطاءٍ القَصَّابُ . و ( قوله : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وبَيْنَ النَّاسِ ) أي : أبلِّغُ كلامه ، وأفسِّره لِمَنْ لا يفهمه ، وعُرْفُ الترجمةِ : التعبيرُ بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم ، وقيل كان أبو جمرة يتكلَّم بالفارسيَّة . وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عبَّاس كان يكتفي في الترجمة بواحد ؛ لأنَّهُ مُخْبِرٌ ، وقد اختُلِفَ فيه ، فقيل : لا يكفي الواحدُ ، بل لا بدَّ من اثنين ؛ لأنَّها شهادة . و ( قوله : فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ) وهي : جمعُ جَرَّةٍ ، وهي : قِلاَلٌ من فَخَّارٍ ، غير أنها مَطلِيَّةٌ بالزجاج ، وهو الحَنْتَمُ ، ونبيذُ الجرِّ : هو ما يُنْبَذُ فيها من التمر وغيره . وإنما سأَلَتْهُ عن حكم النبيذ في الجِرَارِ : هل يَحِلُّ أم لا ؟ فذكَرَ لها ما يدُلُّ على منْع ذلك ، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصَّته . ففيه : ما يدلُّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليلَ مستغنيًا به عن النصِّ على الفتيا إذا كان السائلُ بصيرًا بموضع الحُجَّة . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : مَنِ القَوْمُ ؟ أو مَنِ الْوَفْدُ ؟ ) هذا شَكٌّ من بعض الرواة . و الوَفْد : الوافدون ، وهم القادمون والزائرون ، يقال : وَفَدَ يَفِدُ ، فهو وافد ، والجمع : وَافِدونَ وَوُفُود ، والقوم وَفْدٌ ، وقال ابنُ عبَّاسِ - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا رُكْبانًا . و ( قوله : مَرْحَبًا ) هو من الرُّحْب - بضمِّ الراء - وهو السعة ، والرَّحْبُ - بفتح الراء - : هو الشيءُ الواسع ، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ ، لا يُستعمل إظهارُهُ ، أي : صادفْتَ رُحْبًا ، أو أتيتَ رَحْبًا ؛ فاسْتَأْنِسْ ولا تَسْتَوْحِشْ . والخَزَايَا جمع خَزْيَان ؛ مثلُ : نَدْمَان ونَدَامَى ، وسَكْران وسَكَارَى ؛ كما قال تأَبَّطَ شَرًّا : . . . . . . ... وَالْمَوْتُ خَزْيَانُ يَنْظُرُ خَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ؛ إذا ذَلَّ ، وخَزَايَةً : إذَا خَجِلَ واستحيى . والنَّدَامَى هنا : جمعُ نادمٍ ؛ لكنَّه على غير قياس ؛ لأنَّ قياس نَدَامَى أن يكون جمع نَدْمَان ، كما قلناه ، والندمان : هم المُجَاليِسُ على الخمر وساقيها ؛ كما قال الشاعر : فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالأَْكْبَرِ اسْقِنِي وَلاَ تَسْقِني بِالأَْصْغَرِ المُتَثَلِّمِ وليس مرادًا هاهنا ، وإِنَّمَا جَمَعَ نَادِماً هذا على نَدَامَى ؛ إتباعًا لخَزَايَا ؛ على عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ ، وإنْ لم يكنْ بمعناه ؛ كما قالوا : إنِّي لآتيه بالغَدَايَا والعَشَايَا ؛ فجمعوا الغُدْوَةَ : غَدَايَا ؛ لمَّا ضمَّوه إلى العشايا ؛ كما قال شاعرهم : هَتَّاكِ أَخْبِيَةٍ وَلاجِ أَبْويَةٍ . . . . . فجمَعَ البابَ على أَبْوِيةً ، لَمَّا أتبعَهُ أَخْبِيَة ، ولو أفرده لما جاز ذلك ، ومن هذا النوع : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - للنساء المتَّبعات للجنازة : ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ، ولولا مراعاةُ الإتباع قال : مَوْزُورات بالواو ؛ لأنه من الوِزْرِ . وقال القَزَّاز في جامعه : يقال في النادم : نَدْمَانُ ؛ فيكون نَدَامَى على القياس ، ومعنى هذا القول : التأنيسُ ، والإكرامُ والثناءُ عليهم بأنَّهم بادروا بإسلامهم طائِعِينَ من غيرِ خِزْيٍ لَحِقَهُمْ من قَهرٍ ولا سِبَاء ، ثُمَّ إنَّهم لمَّا أسلموا كذلك احْتُرِمُوا وأُكْرِموا وأُحِبُّوا ، فلم يَنْدَمُوا على ذلك ، بل انشرحَتْ صدورهم للإسلام ، وتنوَّرَتْ قلوبُهُمْ بالإيمان . وغَيْرَ خزايا : منصوبٌ على الحال ، أي : أتيتُمْ في هذه الحال . وروي : ولا الندامى ، ولا ندامى ، معرَّفًا وغير مُعَرَّف ؛ وهما بمعنىً واحدٍ . والشُّقَّة البعيدة : المسافةُ البعيدة الصعبة . والحَيُّ : القبيل ، وربيعة : هو خبَرُ مبتدأ محذوف ؛ أي : نحنُ بنو ربيعة . و ( قوله : وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهرِ الْحَرَامِ ) كذا الرواية الصحيحة بتعريف الحرام ، وإضافة الشهر إليه ، وهو من باب إضافةِ الشيء إلى صفته ؛ كما قالوا : مسجدُ الجامع ، وصلاةُ الأُولَى ؛ وقال تعالى : وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وهو على تقدير محذوف ؛ فكأنّه قال : شَهرٌ الوقتِ الحرامِ ، ومسجدُ المكانِ الجامعِ ، ولدارُ الحالةِ الآخِرَةِ ، ونحوه . ويعنون بشَهرِ الحرامِ : رجبًا ؛ لأنَّه متفردٌ بالتحريم من شهور الحِلِّ ، بخلاف سائر الأشهر الحُرُم ؛ فإنَّها متوالية ؛ ولذلك قال فيها : ثلاثةٌ سَرْد ، وواحدٌ فَرْد ، يعنون به : رجبًا ، وهو الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّهُ شَهرُ مُضَرَ ، وإنما نسبُهُ إليهم : إمَّا لأنَّها انفردَتْ بابتداء احترامه ، أو لتخصيص الاحترامِ به ، أو بزيادةِ التعظيمِ له على غيرهم ، والله تعالى أعلم . وقد وقع في بعض النسخ : في شهرٍ حَرَامٍ ، وهو يصلُحُ لرجبٍ وحدَهُ ، ولجميعِ الأشهُرِ الحُرُمِ ، وحاصلُ قولهم هذا أنه اعتذارٌ عن امتناعِ تكرُّرِ قدومهم عليه . و ( قوله : فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، نَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ ) قيّدناه على مَنْ يُوثَقُ بعلمِه : نُخْبِر بهُ مرفوعًا ، وندخل مرفوعًا ومجزومًا ؛ فرفعهما على الصفة لأَمْر ، وجزمُ ندخُلْ على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء ؛ فكأنَّه قال : إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ ، فعلنا به ، ورجَوْنَا دخولَ الجنة بذلك الفعل . والقولُ الفصلُ : هو الواضحُ البليغُ الذي يَفْصِلُ بين الحقِّ والباطل ؛ كما قال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . و ( قوله : فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍٍ ) ثُمَّ إنَّه ذكر خمسًا : فقيل في ذلك : إنَّ أَوَّلَى الأربعِ الموعود بها : هو إقامُ الصلاة ، في ذكَرَ كلمةَ التوحيد ؛ تبرُّكًا بها ، وتشريفًا لها ... كما قيل ذلك في قوله تعالى : ُ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ في قولِ كثيرٍ من أهل العلم . وقيل : إنما قصد إلى ذِكْرِ الأركان الأربع التي هي : التوحيدُ ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، ثم ظهر له أنَّهُمْ أهلُ غزو وجهاد ، فَبَيَّنَ لهم وجوبَ أداءِ الخُمُسِ ، والله أعلم . وإنما لم يذكُرْ لهم الحجَّ ؛ لأنَّهم لم يكنْ لهم إليه سبيلٌ من أجلِ كُفَّارِ مُضَرَ ، أو لأَنَّ وجوبَ الحجِّ على التراخي ، والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام ، وأنَّهما حقيقتان متباينتانِ في الأصل ، وقد يُتَوَسَّعُ فَيُطْلَقُ أحدها على الآخر ، كما جاء هنا ؛ فإنَّهُ أطلَقَ الإيمانَ على الإسلام ؛ لأنَّهُ عنه يكون غالبًا ، وهو مُظْهِرُهُ .