[ 48 ] ( 30 ) - حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ ، فَقَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثم قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ . قَوْلُهُ : ( هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ . وَيُقَالُ : ( هُدْبَةُ ) ؛ بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ ، يَقُولُ فِي بَعْضِهَا : ( هُدْبَةُ ) ، وَفِي بَعْضِهَا : ( هَدَّابٌ ) . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْمٌ وَالْآخَرُ لَقَبٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ مِنْهُمَا ؛ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَسِيُّ وَصَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " وَالْحَافِظُ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ الْمُتَأَخِّرُ : هُدْبَةُ هُوَ الِاسْمُ وَهَدَّابٌ لَقَبٌ . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : هَدَّابٌ اسْمٌ وَهُدْبَةُ لَقَبٌ . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو هَذَا ، وَأَنْكَرَ الْأَوَّلَ . وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ الْحَافِظُ أنَّهُ كَانَ يَغْضَبُ إِذَا قِيلَ لَهُ هُدْبَةُ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ : هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هَدَّابًا ؛ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ هُدْبَةَ هُوَ الِاسْمُ ، وَالْبُخَارِيُّ أَعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ ، فَقَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ) أَمَّا قَوْلُهُ : ( رِدْفَ ) فَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي ضَبَطَهَا مُعْظَمُ الرُّوَاةِ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ أَحَدَ رُوَاةِ الْكِتَابِ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، وَالرِّدْفُ وَالرَّدِيفُ هُوَ الرَّاكِبُ خَلْفَ الرَّاكِبِ ، يُقَالُ مِنْهُ : رَدِفْتُهُ أَرْدَفُهُ - بِكَسْرِ الدَّالِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ - إِذَا رَكِبْتُ خَلْفَهُ وَأَرْدَفْتُهُ أَنَا ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُكُوبِهِ عَلَى الرِّدْفِ وَهُوَ الْعَجُزُ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا وَجْهَ لِرِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَعِلَ هُنَا اسْمُ فَاعِلٍ مِثْلَ عَجِلَ وَزَمِنَ إِنْ صَحَّتْ رِوَايَةُ الطَّبَرِيِّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ ) أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي شِدَّةِ قُرْبِهِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ لِكَوْنِهِ أَضْبَطَ . وَأَمَّا ( مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ ) فَبِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ خَاءٌ مَكْسُورَةٌ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى : ( مُؤَخَّرَةٌ ) بفَتْحُ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَتْحَ الْخَاءِ . وَقَالَ ثَابِتٌ : مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ وَمُقَدَّمَتُهُ بِفَتْحِهِمَا ، وَيُقَالُ : آخِرَةُ الرَّحْلِ ؛ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهَذِهِ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ . وَقَدْ جَمَعَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ فِيهَا سِتَّ لُغَاتٍ فَقَالَ : فِي قَادِمَتَيِ الرَّحْلِ سِتُّ لُغَاتٍ : مُقْدِمٌ وَمُقْدِمَةٌ بِكَسْرِ الدَّالِ مُخَفَّفَةٌ ، وَمُقَدَّمٌ وَمُقَدَّمَةٌ بِفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً ، وَقَادِمٌ وَقَادِمَةٌ . قَالَ : وَكَذَلِكَ هَذِهِ اللُّغَاتُ كُلُّهَا فِي " آخِرَةِ الرَّحْلِ " ؛ وَهِيَ الْعُودُ الَّذِي يَكُونُ خَلْفِ الرَّاكِبِ . وَيَجُوزُ فِي ( يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ) وَجْهَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ؛ أَشْهُرُهُمَا وَأَرْجَحُهُمَا فَتْحُ مُعَاذَ ، وَالثَّانِي ضَمُّهُ . وَلَا خِلَافَ فِي نَصْبِ ابْنِ . وَقَوْلُهُ : ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ) فِي مَعْنَى ( لَبَّيْكَ ) أَقْوَالٌ نُشِيرُ هُنَا إِلَى بَعْضِهَا ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهَا : إِجَابَةً لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ ؛ لِلتَّأْكِيدِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قُرْبًا مِنْكَ وَطَاعَةً لَكَ . وَقِيلَ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ . وَقِيلَ : مَحَبَّتِي لَكَ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَمَعْنَى ( سَعْدَيْكَ ) أَيْ : سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ . وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِدَاءَ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُهُ ، وَلِيَكْمُلَ تَنَبُّهُ مُعَاذٍ فِيمَا يَسْمَعُهُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ وَهَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ؟ ) قَالَ صَاحِبُ " التَّحْرِيرِ " : اعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ كُلُّ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٌ أَوْ مَا سَيُوجَدُ لَا مَحَالَةَ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ الْأَزَلِيُّ الْبَاقِي الْأَبَدِيُّ ، وَالْمَوْتُ وَالسَّاعَةُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ ، وَإِذَا قِيلَ لِلْكَلَامِ الصِّدْقُ حَقٌّ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَاقِعٌ مُتَحَقِّقٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَتَحَيُّرٌ . فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ مَعْنَاهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِمْ مُتَحَتِّمًا عَلَيْهِمْ ، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لَا مَحَالَةَ ؛ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ " التَّحْرِيرِ " . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا قَالَ ( حَقُّهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ) عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ لِحَقِّهِ عَلَيْهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ : حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ ؛ أَيْ : مُتَأَكِّدٌ قِيَامِي بِهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُهُ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا · ص 185 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ · ص 201 ( 10 ) بَابُ حَقِّ الله تعالى عَلَى العِبَادِ 30 - [ 24 ] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ - وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ : عُفَيْرٌ ، ولَمْ يَذكُرْ : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ - فَقَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ! ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ! قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ : أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رسولَ الله وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ . ( 10 ) وَمِنْ بَابِ حَقِّ الله عَلَى العِبَادِ ( قوله : كُنْتُ رِدْفَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يُرْوَى : رِدْفَ بسكون الدال من غير ياء ، وبكسر الراء ، ويُرْوَى : رَدِيفَ بفتح الراء وكسر الدال وياء بعدها ، وكلاهما صحيحٌ روايةً ولغةً ، وهما اسمان للراكب خَلْفَ الراكب ، يقالُ منه : رَدِفْتُهُ أَرْدَفُهُ ، بكسر الدال في الماضي ، وفتحها في المستقبل ، وأَرْدَفْتُهُ أنا بألفٍ ، وذلك الموضعُ يسمَّى الرِّدف . ورواه الطبريُّ : رَدِف بفتح الراء وكسر الدال مِنْ غير ياء ، كـ : عَجِل وحذِر وزمِن ، وليس بمعروفٍ في الأسماء . و ( قوله : لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤَخَّرَةُ الرَّحْلِ ) كذا وقع هاهنا : مُؤَخَّرة ، وقَرَأْنَاه على مَن يُوثَقُ بعلمه بضمِّ الميم ، وفتح الراء ، والخاءُ مشدَّدة على أنَّه اسمُ مفعولٍ ؛ لأنَّها تؤخَّر . وأنكَرَ هذا اللفظ يعقوب ، وابنُ قُتَيْبة ، وقالا : المعروفُ عند العرب : أخِرَةُ الرَّحْل ، وهي العُودُ الذي خَلْفَ الراكب ، وتقابله : قادِمَتُهُ . وقيل فيها : مُؤْخِرَةٌ ، بهمزِ الواو خفيفةً وكسرِ الخاء ، حكاها صاحبُ الصحاح ، وأبو عُبَيْد . والرَّحْلُ للبعير كالسَّرْجِ للفَرَس ، والإكافِ للحمار . وعُفَيْر : تصغيرُ أَعْفَرَ تصغيرَ الترخيم ؛ كَسُوَيْد تصغيرُ أسود ، وتصغيره غير مرخم : أعيفر . والعُفْرة : بياضٌ يخالطه صُفْرة كعُفْرة الأرض والظِّبَاء . والمشهورُ في اسمِ حمارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْفُور . تنبيه : إِنْ كانتْ هاتان الروايتان قضيةً واحدةً ، فقد تجَوَّزَ بعضُ الرواة في تسميته الإكافِ رَحْلاً ، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ تلك قضيةً واحدةً تكرَّرت مرتين ، والله أعلم . وفيه ما يدلُّ على جواز ركوبِ اثْنَيْنِ على حمار ، وعلى تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما كرّر النبي - صلى الله عليه وسلم - نداءَ معاذ ثلاثًا ؛ ليستحضرَ ذهنَهُ وفهمه ، ولِيُشْعِرَه بِعِظَمِ ما يلقيه عليه . وحقُّ الله على عباده : ما أوجبَهُ عليهم بحُكْمه ، وألزمهم إيّاه بخطابه . وحقُّ العبادِ على الله : هو ما وعدَهُمْ به مِنَ الثواب والجزاء ؛ فحَقَّ ذلك ووجَبَ بحكم وعده الصِّدْقِ ، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوزُ عليه الكذبُ في الخبر ، ولا الخُلْفُ في الوعد ؛ فالله تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ بِحُكْمِ الأمر ؛ إذْ لا أمرَ فوقه ، ولا بحُكْمِ العقل ؛ إِذِ العقلُ كاشفٌ لا مُوجِبٌ ، كما بيَّنَّاهُ في الأصول .