[ 64 ] ( 40 ) - وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ . وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا . وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) قَالُوا : مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، بَلْ هَذَا كَمَا يُقَالُ : الْعِلْمُ مَا نَفَعَ ، أَوِ الْعَالِمُ زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ ، أَوِ الْمَحْبُوبُ . وَكَمَا يُقَالُ : النَّاسُ الْعَرَبُ ، وَالْمَالُ الْإِبِلُ . فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ . وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى ( تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ ، عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ . وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ . فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ . وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَالْأُلْفَةُ إِحْدَى فَرَائِضِ الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا . وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) يَعْنِي ابْنَ الْعَاصِي . قَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ ; فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ ، وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ . فَأَمَّا ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ) فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَمَّا ( أَبُو الْخَيْرِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاسْمُهُ مَرْثَدٌ بِالْمُثَلَّثَةِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ . قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ : كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَأَمَّا ( يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ) فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِالْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا . وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ . وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِسَخَائِهِ وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ . وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ بَكِيرٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ . فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شَهِدَا ، وَهُمَا بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ ، وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ، وَمَعْرِفَتِهِمَا بِأَحْوَالِهِ . هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ : كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ . وَقَالَ قُتَيْبَةُ : لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ . وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ . وَأَمَّا ( مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ) فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ ، وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ . وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ : مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ ، وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ) فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ . وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إِلَى ابْنِ وَهْبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَأَمَّا ( عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ) فَهُوَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَنِهِ وَقَارِئِهِمْ . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ دُرَّةُ الْغَوَّاصِ . وَقَالَ : هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ · ص 207 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ · ص 220 ( 14 ) بَابُ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ 38 - [ 32 ] عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ : غَيْرَكَ - قَالَ : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ . ( 14 ) وَمِنْ بَابِ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ ( قوله : قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ) أي : علِّمْني قولاً جامعًا لمعاني الإسلام ، واضحًا في نفسه ، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك ، أعمَلُ عليه ، وأكتفي به ؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر : عَلِّمْنِي شَيْئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى ، فَقَالَ : لاَ تَغْضَبْ . وهذا الجوابُ ، وجوابُهُ بقوله : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ ، واختُصِرَ له القول اختصارًا ؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُخْبِرًا بذلك عن نفسه ؛ فإنّه - عليه الصلاة والسلام - جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَيْن الكلمتَيْن معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها ؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه ، وذاكرًا بلسانه . ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه ، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل ، وأَمْرِهِ بالاِستقامةِ على أعمال الطاعاتْ ، والانتهاءِ عن جميع المخالفاتْ ؛ إذْ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج ، فإنَّها ضِدُّه . وكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي : آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه ، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها ؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب : استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب ، وملخَّصُهُ : اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى ، عَقْدًا وقولاً وفعلاً ، وداموا على ذلك . 39 - [ 33 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ . وَفِي أُخْرَى : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ) أي : أيُّ خصالهم أفضلُ ؟ بدليل جوابه بقوله : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنَّه يسألُ عن أفضلِ خصالِ المسلمين المتعدِّيَةِ النفعَ إلى الغير ، فأجابَهُ بأعمِّ ذلك وأنفعِهِ في حقِّه ؛ فإنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان يجيبُ كُلَّ سائلٍ على حَسَبِ ما يُفْهَمُ منه ، وبما هو الأهمُّ في حقِّه والأنفعُ له . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) قال أبو حاتم : تقول : قَرَأَ عليه السلامَ وأقْرَأَهُ الكتابَ ، ولا تقول : أَقْرَأَهُ السلامَ إلاَّ في لغة سُوء ، إلاَّ أن يكونَ مكتوبًا فتقول : أَقْرِئْهُ السلامَ ، أي : اجعلْهُ يقرؤه . وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء ؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة ، والأُلْفةِ الإسلاميَّة ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ . وفيه : دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقْصَرُ على من يُعْرَفُ ، بل على المسلمين كافَّة ؛ لأنّه كما قال - عليه الصلاة والسلام - : السَّلاَمُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا ، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا . ورَدُّ السلامِ أوكَدُ من ابتدائه ، وسيأتي القولُ فيه ، إن شاء الله تعالى . و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ فقَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما ؛ بدليلِ افتراق الجواب ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنه إنما سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة ، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة ، فأجاب كُلاًّ منهما بما يليقُ بسؤاله ، والله تعالى أعلم ، وهذا أولى مِنْ أن تقول : الخبران واحد ، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول ، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك . 40 - [ 34 ] وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) أي : مَنْ كانتْ هذه حالَهُ ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ ، وأمكنَهُمْ فيه . ويبيِّن ذلك : أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا ، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله تعالى مِنْ قلبه ، ورجاءُ ثوابه ، فيُكْسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبْطِ لسانه ويده ، فلا يتكلَّمُ إلاَّ بما يعنيه ، ولا يفعلُ إلاَّ ما يَسْلَمُ فيه ؛ ومَنْ كان كذلك ، فهو المسلمُ الكامل ، والمتَّقي الفاضل . ويقرُبُ من هذا المعنى بل يزيدُ عليه : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ؛ إذْ معناه : أَنَّهُ لاَ يتمُّ إيمانُ أحدٍ الإيمانَ التامَّ الكامل ، حتَّى يَضُمَّ إلى سلامةَ النَّاسِ منه إرادته الخيرِ لهم ، والنُّصْحَ لجميعهم فيما يحاوله معهم . ويستفادُ من الحديث الأوَّل : أنَّ الأصلَ في الحقوقِ النفسيَّة والماليَّة المنعُ ؛ فلا يحلُّ شيءٌ منها إلاَّ بوجهٍ شرعيٍّ ، واللهُ تعالى أعلَمُ بغيبه وأحكم .