[296]180 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ ، وَإسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي غَسَّانَ - قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ . ( 80 - 81 ) باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه وتعالى اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ . وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ : الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَرَوَاهَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ ، وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَهِهِمْ ، وَهِيَ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ ، وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إِلَى ذِكْرِهَا هُنَا ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الدُّنْيَا ، وَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ : أَحَدُهُمَا : وُقُوعُهَا ، وَالثَّانِي لَا تَقَعُ ، ثُمَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّصَالُ الْأَشِعَّةِ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، لَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الْجَلِيَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةٍ - تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ ( الْجَهْضَمِيُّ وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ ) أَمَّا ( الْجَهْضَمِيُّ ) فَبِفَتْحِ الْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَبِي غَسَّانَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ ، وَتَرْكُ صَرْفِهِ ، وَأَنَّ اسْمَهُ : مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَأَنَّ ( الْمِسْمَعِيَّ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى مِسْمَعِ بْنِ رَبِيعَةَ جَدِّ الْقَبِيلَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنِّي أُعِيدُهُ لِطُولِ الْعَهْدِ بِمَوْضِعِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ : عَمْرٌو ، وَقِيلَ : عَامِرٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَاطِبُ الْعَرَبَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ ، وَيُقَرِّبُ الْكَلَامَ إِلَى أَفْهَامِهِمْ ، وَيَسْتَعْمِلُ الِاسْتِعَارَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ لِيُقَرِّبَ مُتَنَاوَلَهَا ، فَعَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ زَوَالِ الْمَانِعِ وَرَفْعِهِ عَنِ الْأَبْصَارِ بِإِزَالَةِ الرِّدَاءِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِي جَنَّةِ عَدْنٍ ) أَيِ : النَّاظِرُونَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ فَهِيَ ظَرْفٌ لِلنَّاظِرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ . الْحَدِيثَ ) هَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ صُهَيْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَمْ يَرْوِهِ هَكَذَا مَرْفُوعًا عَنْ ثَابِتٍ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ قَوْلِهِ : لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا ذِكْرُ صُهَيْبٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ ; فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الْأُصُولِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ : أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُتَّصِلًا وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا ، أَوْ بَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا وَبَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا حُكِمَ بِالْمُتَّصِلِ وَبِالْمَرْفُوعِ ؛ لِأَنَّهُمَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ كُلِّ الطَّوَائِفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ رَبَّهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى · ص 391 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة · ص 411 ( 59 ) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة 180 - [ 143 ] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ، فِي جَنَّةِ عَدْنٍ . ( 59 ) ومن باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة ( قوله : ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه ) الرداء هُنا : استعارة كَنى بها عن كبريائه وعظمته ، كما قال في الحديث الآخر : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة ، وإنّما هي توسُّعات ، ووجه المناسبة أنّ الرداء والإزار لَمّا كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره ، عبّر عن عظمة الله وكبريائه بهما ؛ لأنّهما ممّا لا يجوز مشاركة الله فيهما . ألا ترى آخرَ الحديث : فمن نازَعَني واحدًا منهما قَصَمتُه ثمّ قذفتُه في النار . ومعنى حديث أبي موسى أنّ مقتضى جَبَرُوت الله تعالى وكبريائه وعزّته واستغنائه ألا يراه أحدٌ ولا يعبأ بأحد ولا يلتفت إليه ، لكن لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم ، وعوده عليهم ، يقتضي أن يمنّ عليهم بأن يُريهم وجهه ؛ إبلاغًا في الإنعام وإكمالاً للامتنان ، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم ، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم . ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدّس ، أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة ؟ في ذلك ، لأئمتنا قولان ، وكذلك القول في اليد والعين والجنب المضافة إلى الله تعالى . و ( قوله : في جنة عدن ) متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم ، فكأنه قال : كائنين في جنة عدن ، ولا يكون من الله تعالى ؛ لاستحالة المكان والزمان عليه .