3 - كِتَاب الْحَيْضِ [1] 293 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ إِسْحَقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا . [2] 293 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، ح ، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا ، قَالَتْ : وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ ؟ [3] 294 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ . كتاب الحيض ( 1 ) ( بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الْإِزَارِ ) فِيهِ ( عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرَهَا ، قَالَ : وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ ) . وَفِيهِ : ( مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ ) ، هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ فِي الرِّوَايَةِ فِي الْكِتَابِ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ إِحْدَانَا مِنْ غَيْرِ ( تَاءٍ ) فِي ( كَانَ ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ فَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ فِي بَابِ مَا جَرَى مِنَ الْأَسْمَاءِ - الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَفْعَالِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الصِّفَاتِ - مَجْرَى الْفِعْلِ ، قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ : قَالَ امْرَأَةٌ ، فَهَذَا نَقْلُ الْإِمَامِ هَذِهِ الصِّيغَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ التَّاءِ مِنْ فِعْلِ مَا لَهُ فَرْجٌ ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ، وَقَدْ نَقَلَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ خَرُوفٍ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ ، وَذَكَرَهُ آخَرُونَ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ( كَانَ ) هُنَا الَّتِي لِلشَّأْنِ وَالْقِصَّةِ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ أَوِ الْحَالُ ، ثُمَّ ابْتَدَأَتْ فَقَالَتْ : إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَمَرَهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهَا : ( فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ : مُعْظَمُهَا وَوَقْتُ كَثْرَتِهَا ، وَالْحَيْضَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ : الْحَيْضُ ، وَقَوْلُهَا : ( أَنْ تَأْتَزِرَ ) مَعْنَاهُ تَشُدُّ إِزَارًا تَسْتُرُ سُرَّتَهَا ، وَمَا تَحْتَهَا إِلَى الرُّكْبَةِ فَمَا تَحْتَهَا . وَقَوْلُهَا : ( وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ ) ؟ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَعَ إِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَمَعْنَاهُ : عُضْوُهُ ، الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ أَيْ : الْفَرْجُ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ ، وَمَعْنَاهُ : حَاجَتُهُ ، وَهِيَ شَهْوَةُ الْجِمَاعِ ، وَالْمَقْصُودُ : أَمَلَكُكُمْ لِنَفْسِهِ ; فَيَأْمَنُ مَعَ هَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ مُبَاشَرَةُ فَرْجِ الْحَائِضِ . وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَأَنْكَرَ الْأُولَى وَعَابَهَا عَلَى الْمُحَدِّثِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( الْحَيْضُ ) فَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ السَّيَلَانُ ، وَحَاضَ الْوَادِي إِذَا سَالَ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَغَيْرُها مِنَ الْأَئِمَّةِ : الْحَيْضُ : جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ، يُرْخِيهِ رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا ، ( وَالِاسْتِحَاضَةُ ) : جَرَيَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ ، قَالُوا : وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَسِيلُ مِنَ الْعَاذِلِ ، بِالْعَيْنِ - الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - وَهُوَ عِرْقٌ فَمُهُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمَحَاضًا ، فَهِيَ حَائِضٌ بِلَا هَاءٍ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ ، عَنِ الْفَرَّاءِ : حَائِضَةٌ بِالْهَاءِ ، وَيُقَالُ : حَاضَتْ ، وَتَحَيَّضَتْ ، وَدَرَسَتْ ، وَطَمَثَتْ ، وَعَرَكَتْ وَضَحِكَتْ ، وَنَفِسَتْ ، كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ : أَكْبَرَتْ وَأَعْصَرَتْ بِمَعْنَى : حَاضَتْ . وَأَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ : فَاعْلَمْ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ أَقْسَامٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يُبَاشِرَهَا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ، فَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوِ اعْتَقَدَ مُسْلِمٌ حِلَّ جِمَاعِ الْحَائِضِ فِي فَرْجِهَا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا ، وَلَوْ فَعَلَهُ إِنْسَانٌ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ حِلَّهُ ، فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِوُجُودِ الْحَيْضِ ، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، أَوْ مُكْرَهًا ; فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ ، وَإِنْ وَطِئَهَا عَامِدًا عَالِمًا بِالْحَيْضِ وَالتَّحْرِيمِ ، مُخْتَارًا فَقَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ : أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ السَّلَفِ : عَطَاءٌ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ - وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ الضَّعِيفُ : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدٌ : عِتْقُ رَقَبَةٍ . وَقَالَ الْبَاقُونَ : دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ ، عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الدِّينَارُ وَنِصْفُ الدِّينَارِ ، هَلِ الدِّينَارُ فِي أَوَّلِ الدَّمِ ؟ وَنِصْفُهُ فِي آخِرِهِ ؟ أَوِ الدِّينَارُ فِي زَمَنِ الدَّمِ ؟ وَنِصْفُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ ؟ وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعِ : مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ; فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ ، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْقِسْمُ الثَّانِي : الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ بِالذَّكَرِ ، أَوْ بِالْقُبْلَةِ ، أَوِ الْمُعَانَقَةِ ، أَوِ اللَّمْسِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهُوَ حَلَالٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا ، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ ، فَشَاذٌّ مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَا مَقْبُولٍ ، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ لَكَانَ مَرْدُودًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي مُبَاشَرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوْقَ الْإِزَارِ ، وَإِذْنِهِ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْمُخَالِفِ وَبَعْدَهُ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ ، أَوْ لَا يَكُونَ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ ، وَحَكَى الْمُحَامِلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا : أَنَّهُ يَحْرُمُ مُبَاشَرَةُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ ، إِذَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْقِسْمُ الثَّالِثُ : فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا : أَصَحُّهَا عِنْدَ جَمَاهِيرِهِمْ وَأَشْهَرُهُمَا فِي الْمَذْهَبِ : أَنَّهَا حَرَامٌ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : إِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عَنِ الْفَرْجِ ، وَيَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِاجْتِنَابِهِ إِمَّا لِضَعْفِ شَهْوَتِهِ ، وَإِمَّا لِشِدَّةِ وَرَعِهِ ; جَازَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَهَذَا الْوَجْهُ حَسَنٌ ، قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا - مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَشُرَيْحٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَازِ : عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَصْبَغُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَقْوَى دَلِيلًا ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ ، قَالُوا : وَأَمَّا اقْتِصَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُبَاشَرَتِهِ عَلَى مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ وَالْمُبَاشَرَةِ - عَلَى قَوْلِ مَنْ يُحَرِّمُهُمَا - يَكُونُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَبَعْدَ انْقِطَاعِهِ إِلَى أَنْ تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ ، إِنْ عَدِمَتِ الْمَاءَ بِشَرْطِهِ . هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ ; حَلَّ وَطْؤُهَا فِي الْحَالِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فَوْقَ الْإِزَارِ · ص 534 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما يحل من الحائض · ص 554 ( 20 ) باب ما يحل من الحائض 293 - [ 227] عَنْ عَائِشَةَ ؛ قَالَتْ : كَانَتْ إِحْدَانَا ، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا ، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا . قَالَتْ : وأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْلِكُ إِرْبَهُ . 295- [ 228 ] وَعَنْ مَيْمُونَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ ، وَهُنَّ حُيَّضٌ . ( 20 ) ومن باب ما يحل من الحائض ( قوله : أمرها أن تأتزِرَ في فورِ حيضتها ) الائتزارُ : شد الإزار على الوسط إلى الركبة ، وقال ابن القصَّار : من السرة إلى الركبة ، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - مبالغة في التحرز من النجاسة ، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها . وفور الحيضة : معظم صبها ، من فوران القِدر والبحر ، وهو غليانهما . قال ابن عرفة : والمحيض والحيض : اجتماع الدم إلى ذلك المكان ، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه ، يقال : حاضت المرأة ، وتحيضت حيضًا ومحاضًا ومحيضًا ، إذا سال الدم منها في أوقات معلومة ، فإذا سال في غيرها قيل : استحيضت ، فهي مستحاضة ، قال : ويقال : حاضت المرأة ، وتحيضت ، ودرست ، وعركت ، وطمثت . قال غيره : ونفست ، بفتح النون وكسر الفاء ، وحكي في النون الضم ، وقيل : في قوله تعالى : وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ؛ أي : حاضت ؛ وقيل : سُمي المحيض حيضًا من قولهم : حاضت السمرة : إذا خرج منها ماء أحمر . قال الشيخ : ويحتمل أن يكون قولهم : حاضت السمرة تشبيهًا بحيض المرأة ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : ثم يباشرها ) أي : تلتقي بشرتاهما ، والبشرة : ظاهر الجلد ، والأَدَمَةُ : باطنه ، ويعني بذلك : الاستمتاع بما فوق الإزار والمضاجعة ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عما يحل له من امرأته الحائض ، فقال : لتشُدَّ عليها إزارها ، ثم شأنك فأعلاها ، وهذا مبالغة في الحماية ، وأما المحرمُ لنفسِهِ فهو الفَرجُ ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم . و ( قولها : وأيكم يملك إربه ) قيدناه بكسر الهمزة وإسكان الراء ، وبفتح الهمزة وفتح الراء ، وكلاهما له معنى صحيحٌ ، وإن كان الخطابي قد أنكر الأول على المحدثين ، ووجه الأوّل أن الإرب هو العضو ، والآراب : الأعضاء ، فكنّت به عن شهوة الفرج ؛ إذ هو عضو من الأعضاء ، وهذا تكلف ، بل في الصحاح أن الإرب : العضو والدهاء والحاجة أيضًا ، وفيه لغات : إربٌ وإربةٌ وأربٌ ومأربةٌ ، ويقال : هو ذو أربٍ ؛ أي : ذو عقل ، فقولها : يملك إربه بالروايتين ، يعني : حاجته للنساء . وقول أم سلمة في الخميلة أي القطيفة ، قاله ابن دُريد . وقال الخليل : الخميلة : ثوب له خملٌ ، أي : هُدب .