[237] - وحدثنا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو والْكَلْبِيُّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا ) . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَسَبَبُ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا أَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِفَوَاتِ وَقْتِهَا بِاسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ ، أَوْ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارُ وَالْأَفْضَلُ ، وَلِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَنَامُوا عَنْ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً ، وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى السَّهَرِ ، وَيُخَافُ مِنْهُ غَلَبَةُ النَّوْمِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، أَوِ الذِّكْرِ فِيهِ ، أَوْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهَا الْجَائِزِ ، أَوْ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَوِ الْأَفْضَلِ ، وَلِأَنَّ السَّهَرَ فِي اللَّيْلِ سَبَبٌ لِلْكَسَلِ فِي النَّهَارِ عَمَّا يَتَوَجَّهُ مِنْ حُقُوقِ الدِّينِ وَالطَّاعَاتِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْمَكْرُوهُ مِنَ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ هُوَ مَا كَانَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا . أَمَّا مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَخَيْرٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَذَلِكَ كَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ ، وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ ، وَمُحَادَثَةِ الضَّيْفِ وَالْعَرُوسِ لِلتَّأْنِيسِ ، وَمُحَادَثَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لِلْمُلَاطَفَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَمُحَادَثَةِ الْمُسَافِرِينَ بِحِفْظِ مَتَاعِهِمْ أَوْ أَنْفُسِهِمْ ، وَالْحَدِيثُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالشَّفَاعَةِ إِلَيْهِمْ فِي خَيْرٍ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَصْلَحَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَكُلُّ هَذَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَتْ أحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِبَعْضِهِ ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَالْبَاقِي مَشْهُورٌ . ثُمَّ كَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْمُرَادُ بِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا إِلَّا مَا كَانَ فِي خَيْرٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا النَّوْمُ قَبْلَهَا فَكَرِهَهُ عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ ، وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْكُوفِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُرَخَّصُ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ التَّغْلِيسُ وَبَيَانِ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا · ص 281 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب التغليس بصلاة الصبح · ص 270 ( 647 ) ( 235 و 237 ) [531] - وعن أَبَي بَرْزَةَ ، قَالَ : كَان رَسُولِ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ . قَالَ : وَالْمَغْرِبَ لا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ . وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ . وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا . وقوله : " والشمس حيَّة " ؛ أي : بيضاء لم تدخلها صفرة . وقيل : أي لم تذهب حرارتها . وقوله : " وكان يكره النوم قبلها ، والحديث بعدها " . أما كراهة النوم قبلها ؛ فلما يخاف من غلبة النوم ، فيفوت وقتها ، أو أفضل وقتها المستحسن ، وقال بهذا جماعة ؛ منهم : ابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهم [ وهو مذهب مالك ، ورخص فيه بعضهم ؛ منهم : علي ، وأبو موسى ، وغيرهم ] . وهو مذهب الكوفيين ، واشترط بعضهم : أن يجعل معه من يوقظه للصلاة ، وروي عن ابن عمر مثله ، وإليه ذهب الطحاوي . وأما كراهة الحديث بعدها ؛ فلما يؤدي إليه من السهر ، ومخافة غلبة النوم آخر الليل ، فينام عن قيام آخر الليل ، وربما ينام عن صلاة الصبح . قلت : ويظهر لي : أن كراهة ذلك إنما هو لَمَّا أن الله جعل الليل سكنًا - أي : يسكن فيه - ، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرّف المعايش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده . وقيل : يكره ذلك ؛ لئلا نلغو في كلامنا ، أو نخطئ فيه ، فيختم عملنا بعمل سيئ ، أو بقول سيئ . والنوم أخو الموت ، أو لعله يكون فيه الموت ، والله تعالى أعلم . وقيل : كره ذلك لتراح الكتبة الكرام . وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدث بعد العشاء : أريحوا الكَتَبَة. وهذه الكراهة تختص بما لا يكون من قبيل القُرَبِ ، والأذكار ، وتعلم العلم ، ومسامرة أهل العلم ، وتعلم المصالح وما شابه ذلك . فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن السلف ما يدل على جواز ذلك ، بل على ندبيته ، والله تعالى أعلم .