198 - 768 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ 199 - 769 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَكَانَ قَيَّامُ : قَيِّمُ ، وَقَالَ : وَمَا أَسْرَرْتُ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَيُخَالِفُ مَالِكًا وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ . وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ مُنَوِّرُهُمَا وَخَالِقُ نُورِهِمَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ بِنُورِكَ يَهْتَدِي أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِ اسْمِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - النُّورِ ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي بِنُورِهِ يُبْصِرُ ذُو الْعِمَايَةِ ، وَبِهِدَايَتِهِ يَرْشُدُ ذُو الْغَوَايَةِ . قَالَ : وَمِنْهُ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ أَيْ مِنْهُ نُورُهُمَا . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذُو النُّورِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النُّورُ صِفَةَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى . وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ أَيْ هُوَ خَالِقُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : مُدَبِّرُ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( قَيِّمُ ) . قَالَ الْعُلَمَاءُ : مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ ، وَالْقَيِّمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَقَائِمٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَيُقَالُ : قَوَّامٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَزُولُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَمَعْنَاهُ مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ ، وَهُمَا سَائِغَانِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : لِلرَّبِّ ثَلَاثُ مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ : السَّيِّدُ الْمُطَاعُ ، فَشَرْطُ الْمَرْبُوبِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ : لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَيِّدُ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ بَلِ الْجَمِيعُ مُطِيعٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَتَيْنَا طَائِعِينَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنْتَ الْحَقُّ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحَقُّ فِي أَسْمَائِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مَعْنَاهُ الْمُتَحَقِّقُ وُجُودُهُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وَتَحَقَّقَ فَهُوَ حَقٌّ ، وَمِنْهُ : الْحَاقَّةُ أَيِ الْكَائِنَةُ حَقًّا بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ) أَيْ كُلُّهُ مُتَحَقِّقٌ لَا شَكَّ فِيهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ خَبَرُكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، وَقِيلَ : أَنْتَ صَاحِبُ الْحَقِّ ، وَقِيلَ : مُحِقُّ الْحَقِّ ، وَقِيلَ : الْإِلَهُ الْحَقُّ دُونَ مَا يَقُولُهُ الْمُلْحِدُونَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ) أَيْ ، وَمَعْنَى صِدْقٌ ( لِقَاؤُكَ حَقٌّ ) أَيِ الْبَعْثُ ، وَقِيلَ : الْمَوْتُ . وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ ، وَالصَّوَابُ الْبَعْثُ ، فَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُلْحِدِ لَا بِالْمَوْتِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَلَكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي ) إِلَى آخِرِهِ . مَعْنَى ( أَسْلَمْتُ ) اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، ( وَبِكَ آمَنْتُ ) أَيْ صَدَّقْتُ بِكَ وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرْتَ ، وَأَمَرْتَ وَنَهَيْتَ ، ( وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ) أَيْ أَطَعْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى عِبَادَتِكَ أَيْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رَجَعْتُ إِلَيْكَ فِي تَدْبِيرِي ، أَيْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ ، ( وَبِكَ خَاصَمْتُ ) أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْقُوَّةِ خَاصَمْتُ مَنْ عَانَدَ فِيكَ وَكَفَرَ بِكَ ، وَقَمَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ وَبِالسَّيْفِ ( وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ) أَيْ كُلَّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ حَاكَمْتُهُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْتُكَ الْحَاكِمَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَا غَيْرُكَ مِمَّا كَانَتْ تَحَاكَمُ إِلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ صَنَمٍ وَكَاهِنٍ وَنَارٍ وَشَيْطَانٍ وَغَيْرِهَا ، فَلَا أَرْضَى وَلَا أَعْتَمِدُ غَيْرَهُ . وَمَعْنَى سُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْفِرَةَ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ : أَنَّهُ يَسْأَلُ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَخُضُوعًا وَإِشْفَاقًا وَإِجْلَالًا ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَصْلِ الدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ وَحُسْنِ التَّضَرُّعِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْمُعَيَّنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مُوَاظَبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّيْلِ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِهِ وَالْإِقْرَارِ بِصِدْقِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَائِهِ بِاللَّيْلِ · ص 389 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل · ص 396 ( 769 ) [644] - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ : اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ ، وَما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي ، لا إِلهَ إِلا أَنْتَ . وَفِي رِوَايَةٍ : " قَيِّمُ " مَكَانَ : " قَيَّامُ " . وقوله : اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ؛ أي : منوّرها في قول الحسن ؛ دليله : قراءة علي - رضي الله عنه - : ( الله نَوَّرَ السماوات ) بفتح النون ، والواو مشددة . قال ابن عباس : هادي أهلهما . ومجاهد : مدبرهما ، وقيل : هو المنزه في السماوات والأرض من كل عيب ، من قول العرب : امرأة نوارة ؛ أي : مبرأة من كل ريبة. وقيل : هو اسم مدح ، يقال : فلان نور البلد ، وشمس الزمان ؛ كما قال النابغة : فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إذا طلعت لم يبدُ منهن كوكبُ وقال آخر : إذا سار عبد الله في مَرْو ليلةً فقد سار فيها نورها وجمالها وقال أبو العالية : مزيِّن السماوات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزيِّن الأرض بالأنبياء ، والأولياء ، والعلماء . وقوله : أنت قيّام السماوات والأرض : قيام على المبالغة ، من قام بالشيء : إذا هيأ له ما يحتاج إليه ، ويقال : قيوم ، وقيام ، وقيِّم . وقرأ عمر : ( الله لا إله إلا هو الحي القيّام ) . وعلقمة : ( القيِّم ) . وقال قتادة : هو القائم بتدبير خلقه . الحسن : القائم على كل نفس بما كسبت . ابن جبير : الدائم الوجود . ابن عباس : الذي لا يحول ولا يزول . وقوله : أنت رب السماوات والأرض ؛ أي : مصلحهما ، ومصلح من فيهما ، مأخوذ من الربّة ، وهي نبت تصلح عليه المواشي ، يقال : رَبَّ ، يَرُبُّ رَبَّا ، فهو رابٌّ ، وربٌّ ، وربّى يربي تربية ، فهو مُربٍّ . قال النابغة : وربَّ عليه اللَّهُ أحْسَنَ صَنْعَه وقال آخر : يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أنه إذا فعل المعروف زاد وتمَّما والربُّ أيضًا : السِّيِّد ، فيكون معناه : أنه سيد من في السماوات والأرض . والرب : المالك ؛ أي : هو مالكهما ومالك من فيهما . وقوله : أنت الحق ؛ أي : الواجب الوجود ، وأصله من : حق الشيء ؛ إذا ثبت ووجب ، ومنه : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ؛ أي : ثبت ووجب ، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره ؛ إذ وجوده لنفسه ، فلم يسبقه عدم ، ولا يلحقه عدم ، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه ، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وإليه الإشارة بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولقاؤنا الله تعالى عبارة عن مآل حالنا بالنسبة إلى جزائنا على أعمالنا في الدار الآخرة ، والساعة : يوم القيامة ، وأصله القطعة من الزمان ، لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر بها الأزمان ؛ سُمِّيت بذلك ، والله أعلم . وإطلاق اسم الحق على هذه الأمور كلها ؛ معناه : أنها لا بد من كونها ، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها ، وتكرار الحق في تلك المواضع على جهة التأكيد والتفخيم والتعظيم لها . وقوله : لك أسلمت ؛ أي : انْقَدْتُ وخضعت . وبك آمنت ؛ أي : صدّقت . وعليك توكلت ؛ أي : فوّضت . [ وإليك أنبت ؛ أي : رجعت . وبك خاصمت ؛ أي : بما لقَّنْتَنِي من الحجة غلبت الخصوم . وإليك حاكمت ؛ أي : إليك فوّضت ] الحكومة ؛ كما قال تعالى : أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وقد تقدم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في كتاب الطهارة . فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم ، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره ، وإن أحلنا ذلك عليهم ، فيكون استغفاره لِيَسُنَّه لأمته ، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يلازم حالة الافتقار والعبودية . وقوله : وما قدمت ؛ أي : قبل وقتي هذا . وما أخرت : عنه . وما أسررت ؛ أي : أخفيت . وأعلنت : أظهرت . أنت إلهي ؛ أي : معبودي ومقصودي ، الذي وَلِهَ فيك قلبي ، وتحيَّر في عظمتك وجلالك عقلي ، وكَلَّ عن ثنائك لساني ، فغاية الوسيلة إليك ، لا أحصي ثناءً عليك . لا إله إلا أنت ؛ أي : لا معبود غيرك ، ولا معروف بهذه المعرفة سواك.