47 - 869 - حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ : قَالَ أَبُو وَائِلٍ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْمَلَكِ بْنُ أَبْجَرَ ) بِالْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ ) بِالْمُثَنَّاةِ . قَوْلُهُ : ( لَوْ كُنْتُ تَنَفَّسْتُ ) أَيْ أَطَلْتُ قَلِيلًا . قَوْلُهُ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ عَلَامَةٌ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ : الْمِيمُ فِيهَا زَائِدَةٌ ، وَهِيَ مَفْعَلَةٌ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : غَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي جَعْلِهِ الْمِيمَ أَصْلِيَّةً . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ سَرَّاجٍ : هِيَ أَصْلِيَّةٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ) الْهَمْزَةُ فِي وَاقْصُرُوا هَمْزَةُ وَصْلٍ . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَمْرِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَةِ لَا تَطْوِيلًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدٌ أَيْ مُعْتَدِلَةٌ وَالْخُطْبَةُ قَصْدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ . قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ذَمٌّ لِأَنَّهُ إِمَالَةُ الْقُلُوبِ وَصَرْفُهَا بِمَقَاطِعِ الْكَلَامِ إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِبَ مِنَ الْإِثْمِ بِهِ كَمَا يَكْسِبُ بِالسِّحْرِ ، وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُهُ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ مَدْحٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَعْلِيمِهِمُ الْبَيَانَ وَشَبَّهَهُ بِالسِّحْرِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إِلَيْهِ وَأَصْلُ السِّحْرِ الصَّرْفُ فَالْبَيَانُ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ وَيَمِيلُهَا إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبْجَرَ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ ) هَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ أَبْجَرَ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَخَالَفَهُ الْأَعْمَشُ ، وَهُوَ أَحْفَظُ بِحَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . هَذَا كَلَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ابْنَ أَبْجَرَ ثِقَةٌ يَوجِبُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ · ص 468 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الخطبة والقيام لها والجلوس بين الخطبتين · ص 503 ( 869 ) [737] - وَعَنْ أَبي وَائِلٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ . لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ ؟ ! فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَأقْصِرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا . وقوله : خطبنا عمار فأبلغ وأوجز ؛ أي : أبلغ في المعنى ، وأوجز في اللفظ ، وهذه المسمّاة بالبلاغة والفصاحة . وقوله : فلو كنت تنفست ؛ أي : أطلت الكلام شيئًا ؛ يقال : نفَّس الله في عمرك ؛ أي : أطاله . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : مَئِنَّة من فقهه : الرواية في هذا اللفظ : مَئِنَّة بالهمز ، والقصر ، وتشديد النون ، ووقع لبعضهم : مائنّة بالمدّ ، وهو غلط ، وكذلك كل تقييد خالف الأول . قال الأصمعي : سألني شعبة عن هذا الحرف ، فقلت : هو كقولك : علامة ، ومخلقةٌ ، ومَجْدرةٌ [ ومحراة ] . قال أبو عبيد : يعني : إن هذا مما يُستدل به على فقه الرجل . قال أبو منصور : جعل أبو عبيد الهمزة فيه أصلية . قال أبو الحسن بن سراج : الميم في : مئِنَّة أصلية ، ووزنها فَعِلة ، من مأنت إذا شعرت ، وقاله أبوه أبو مروان . قال الأزهري : الميم في مَئِنة ميم مفعلة ، وليست بأصلية . ومعنى قول المرَّار : فَتَهَامَسوا سِرًّا وقالوا عَرَّسوا من غَيْر تَمْئِنَةٍ لغيرِ مُعَرَّسِ أي : لم يتأكدوا من وقت التعريس . ويقال : أتاني فلان ما مأَنْتُ مَأْنَه ، ولا شأنت شأنه ؛ أي : لم أفكر فيه ، ولم أتهيأ له . وقوله : فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة : غير مخالف لقوله : كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا ؛ لأن كل واحد قصد في بابه ، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة ، مع القصد في كل واحد منهما . وقوله : وإن من البيان سحرا : البيان هنا : الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذب ، وفي هذا الحديث تأويلان : أحدهما : أنه قصد به الذم ؛ لأن الإبلاغ في البيان يفعل في القلوب من الإمالة ، والتحريك ، والتطريب ، والتحزين ما يفعل السحر . واستدلّ متأوِّل هذا بإدخال مالك الحديث في موطئه في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله ، وأنه مذهبه في تأويل الحديث . وثانيهما : أنه على جهة المدح ، فإن الله تعالى قد امتن على عباده بالبيان ، حيث قال : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ وشبّهه بالسحر لميل القلوب إليه . وأصل السحر : الصرف ، والبيان يصرف القلوب ، ويميلها إلى ما يدعو إليه . قلت : وهذا التأويل أولى ؛ لهذه الآية وما في معناها .