[103] - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ ، فَقَالَتْ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي ؟ قُلْنَا : بَلَى . ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي ؟ قَالَ : فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : قَالَتْ : لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا ، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا ، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ ، فَقَالَ : مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً . قَالَتْ : قُلْتُ : لَا شَيْءَ . قَالَ : لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي ، قُلْتُ : نَعَمْ ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي ، ثُمَّ قَالَ : أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ ، قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ، قَالَتْ : قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قُولِي : السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالَتْ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِّي ؟ قُلْنَا : بَلَى . ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي ) إِلَى آخِرِهِ . قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْجُرْجَانِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ كُلُّهُمْ : عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ الْمِصِّيصِيِّ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْمَقْطُوعَةِ فِي مُسْلِمٍ . قَالَ : وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَهِمَ فِي رُوَاتِهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُهُ : إِنَّ هَذَا مَقْطُوعٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ مُسْنَدٌ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّ رُوَاتَهُ ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَجْهُولِ لَا مِنْ بَابِ الْمُنْقَطِعِ ، إِذِ الْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ رَاوٍ قَبْلَ التَّابِعِيِّ . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِهِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ : أَنَّ قَوْلَ مُسْلِمٍ : ( وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) يُوهِمُ أَنَّ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ آخَرَ يُقَالُ لَهُ : حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَلَيْسَ كَذَا ، بَلْ حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ هُوَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِلَا شَكٍّ ، وَتَقْدِيرُ كَلَامِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ قَالَ هَذَا الْمُحَدِّثُ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ؛ فَحَكَى لَفْظَ الْمُحَدِّثِ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، قُلْتُ : وَلَا يَقْدَحُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَجْهُولِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ حَجَّاجٍ الْأَعْوَرِ ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا مُتَأَصِّلًا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ ، بَلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ قَبْلَهُ . قَوْلُهَا : ( فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ أَيْ قَدْرَ مَا . قَوْلُهَا : ( فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ) أَيْ قَلِيلًا لَطِيفًا لِئَلَّا يُنَبِّهَهَا . قَوْلُهَا : ( ثُمَّ أَجَافَهُ ) بِالْجِيمِ أَيْ أَغْلَقَهُ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُفْيَةٍ لِئَلَّا يُوقِظَهَا وَيَخْرُجَ عَنْهَا ، فَرُبَّمَا لَحِقَهَا وَحْشَةٌ فِي انْفِرَادِهَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . قَوْلُهَا : ( وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : ( إِزَارِي ) بِغَيْرِ بَاءٍ فِي أَوَّلِهِ ، وَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى لَبِسْتُ إِزَارِي فَلِهَذَا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ . قَوْلُهَا : ( جَاءَ الْبَقِيعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) فِيهِ : اسْتِحْبَابُ إِطَالَةِ الدُّعَاءِ وَتَكْرِيرِهِ ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهِ . وَفِيهِ : أَنَّ دُعَاءَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ دُعَاءِ الْجَالِسِ فِي الْقُبُورِ . قَوْلُهَا : ( فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ ) الْإِحْضَارُ : الْعَدْوُ . قَوْلُهَا : ( فَقَالَ : مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً ) يَجُوزُ فِي عَائِشٍ فَتْحُ الشِّينِ وَضَمُّهَا ، وَهُمَا وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ الْمُرَخَّمَاتِ . وَفِيهِ : جَوَازُ تَرْخِيمِ الِاسْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُرَخَّمِ . ( وَحَشْيَا ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ مَعْنَاهُ : وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْكِ الْحَشَا وَهُوَ الرَّبْوُ وَالتَّهَيُّجُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمُسْرِعِ فِي مَشْيِهِ ، وَالْمُحْتَدِّ فِي كَلَامِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ النَّفَسِ وَتَوَاتُرِهِ . يُقَالُ : امْرَأَةٌ حَشْيَاءُ وَحَشْيَةٌ وَرَجُلٌ حَشْيَانٌ وَحَشَشٌ ، قِيلَ : أَصْلُهُ مَنْ أَصَابَ الرَّبْوُ حَشَاهُ . وَقَوْلُهُ : ( رَابِيَةً ) أَيْ مُرْتَفِعَةَ الْبَطْنِ . قَوْلُهَا : ( لَا بِي شَيْءَ ) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ( لَأبِي شَيْءَ ) بِبَاءِ الْجَرِّ ، وَفِي بَعْضِهَا ( لِأَيِّ شَيْءٍ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الْبَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( لَا شَيْءَ ) ، وَحَكَاهَا الْقَاضِي قَالَ : وَهَذَا الثَّالِثُ أَصْوَبُهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَنْتِ السَّوَادُ ) أَيِ الشَّخْصُ . قَوْلُهَا : ( فَلَهَدَنِي ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَرُوِيَ ( فَلَهَزَنِي ) بِالزَّايِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : لَهَدَهُ وَلَهَّدَهُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا ، أَيْ دَفَعَهُ ، وَيُقَالُ : لَهَزَهُ إِذَا ضَرَبَهُ بِجَمْعِ كَفِّهِ فِي صَدْرِهِ ، وَيَقْرَبُ مِنْهُمَا لَكَزَهُ وَوَكَزَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَكَأَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ صَدَّقَتْ نَفْسَهَا ، فَقَالَتْ : نَعَمْ . قَوْلُهَا : ( قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : قُولِي : السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَمِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ . وَفِيهِ : تَرْجِيحٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ : ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ . وَفِيهِ : أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَعَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِنْ كَانَ مُنَافِقًا لَا يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَالتَّرَحُّمُ . وَفِيهِ : دَلِيلٌ لِمَنْ جَوَّزَ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ ، وَفِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهَا : تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِنَّ لِحَدِيثِ : لَعَنِ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالثَّانِي : يُكْرَهُ . وَالثَّالِثُ : يُبَاحُ . وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ " نَهَيْتُكُمْ " ضَمِيرُ ذُكُورٍ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ فِي الْأُصُولِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب نَهْيِ النِّسَاءِ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وغسل الميت · ص 36 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب زيارة القبور والتسليم عليها والدعاء والاستغفار للموتى · ص 634 ( 974 ) 103 و ( 975 ) [842] - وعَنْ عَائِشَةَ : أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قُلْنَا : بَلَىَ . قَالَتْ : لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا ، وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا فَخَرَجَ ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا ، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ ، فَأَسْرَعَ وَأَسْرَعْتُ ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ ، فَلَيْسَ إِلا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ ، فَقَالَ : مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً ؟! قَالَتْ : قُلْتُ : لا بِي شَيْء . قَالَ : أتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَمَامِي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي ، ثُمَّ قَالَ : أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ ؟ قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ . قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي ، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ ، فَأَجَبْتُهُ ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي ، فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ! قَالَتْ : قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : قُولِي السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَسْأَلُ اللّه لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ . وقول عائشة " فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقَدْتُ " ؛ أي مقدار ذلك ، و" رويدًا " أي مترفقًا متمهلا لئلا ينبهها ، وهو مصدر في موضع الحال . وقولها " ثم أجافه رويدًا " ؛ أي أغلقه بلطف لئلا تعلم بخروجه وبقائها في الليل وحدها فتستوحش وتذعر ، وظاهر خروجها خلفه إنما كان لأنها ظنت خروجه إلى بعض أزواجه . والبقيع : هو بقيع الغرقد ، وهو مدفن أهل المدينة ، والغرقد : شجر العَوْسَج . ومعنى " انحرف " مال للرجوع ، والهرولة فوق الإسراع ، والإحضار فوق الهرولة ، وكلها مراتب الجري . وقوله " ما لك يا عائش حشيا رابية ؟ " ، عائش : منادى مرخَّم ، وحشيا رابية : وقع بها الربو ، وهو البُهْر الذي يلحق من الجري . قال الهروي : يقال منه امرأة حشيا وحشية ، ورجل حشيان وحشٍ . وقولها في جوابها " لا بي شيء " قيّد الأسدي هذا الحرف " لأيِّ شيء ؟ " بالياء باثنتين وخفض " شيء " على الاستفهام تغطية لحالها ، كأنها تقول : لأيِّ شيء تسأل ؟ ورواه العذري " لا بي شيء " بالباء الواحدة ورفع " شيء " على أن تكون لا بمعنى ليس ؛ أي : ليس بي شيء - وهي روايتنا ، وفي بعض النسخ " لا شيء " ، وهي أقربها . و " السواد " : الشخص . و " لَهَدَني " : ضربني ودفعني . قال ابن القوطية : لَهدْتُه لَهْدًا دفعته ، وأَلْهَدْتُ به قصرت به . وقوله " أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ " ؛ أي يجور ، وهذا يؤيد أنها ظنت أن قد سار إلى بعض أهله . وقوله " أمرت أن آتي أهلَ البقيع وأستغفر لهم " يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع واستغفر ، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى " يصلي " ، وقد قيل : إنه صلّى عليهم صلاته على الجنازة ، ويؤيد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك " فأُصلّي عليهم " . وقولها " فقام فأطال القيام ، ثم رفع يديه ثلاث مرار " ، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أظهر ، وهذا محتمل . وقوله " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين " هذا يدل على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء خلافًا لمن قال : إن تحية الميت : عليك السلام - بتقديم عليك السلام ، تمسكًا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلّم رجلٌ عليه فقال : عليك السلام يا رسول الله ! فقال : لا تقل عليك السلام ؛ فإن عليك السلام تحية الميت . وهذا لا حجَّة فيه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام ؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى ، كما قال شاعرهم : عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحّما ومقصوده - صلى الله عليه وسلم - أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهلية تفعله وتقوله ، والله أعلم . وقد تقدّم قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " في الطهارة . وفي إسناد هذا الحديث قال ابن جريج : أخبرني عبد الله رجل من قريش ، عن محمد بن قيس بن مخرمة - هذا الرجل هو عبد الله بن أبي مُلَيْكَة على ما قاله النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر وأبو عبد الله الجيزي . وقال الدارقطني : هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي ودَاعَة السهمي .