[126] 1055 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ . ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا " . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ : الْقُوتُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْقُوتِ مِنْهَا وَالدُّعَاءِ بِذَلِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب فضل التعفف والصبر والقناعة والحث على كل ذلك · ص 119 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الغنى غِنَى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة · ص 99 1055 [922] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ) . وقوله : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا ) ؛ أي : ما يقوتهم ويكفيهم ، بحيث لا يشوشهم الجهد ، ولا تُرهقهم الفاقة ، ولا تذلهم المسألة والحاجة ، ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا ، والركون إليها . وهذا يدل على زهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ، وعلى تقلله منها ، وهو حجة لمن قال : إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى . وقد تقدم القول في هذه المسألة في كتاب الصلاة ، وستأتي .
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب شدة عيش النبي صلى الله عليه وسلم · ص 129 1055( 18 و 19 ) [ 2710 ] وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا . وفي رواية : كفافا . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) أي : كفافا ، كما جاء في الرواية الأخرى ، ويعني به : ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة والفاقة ، وهذا الحديث حجة لمن قال : إن الكفاف أفضل من الغنى والفقر ، وقد تقدمت هذه المسألة في الزكاة . ووجه التمسك بهذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال ، وأيضًا : فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : خير الأمور أوساطها . وأيضًا : فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى ، وآفات الفقر المدقع ، فكانت أفضل منها ، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير ؛ إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها ، فكانت حاله إلى الفقر أقرب ، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر ، وكُفي مرارته وآفاته . لا يقال : فقد كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر الشديد المدقع ، كما دلت عليه أحاديث هذا الباب وغيرها ، ألا ترى أنه يطوي الأيام ، ولا يشبع يومين متواليين ، ويشد على بطنه الحجر من الجوع والحجرين ، ولم يكن له سوى ثوب واحد ، فإذا غسله انتظره إلى أن يجف ، وربما خرج وفيه بقع الماء ، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله ، ولم يخلف دينارا ولا درهما ، ولا شاة ، ولا بعيرا ، ولا حالة في الفقر أشد من هذه ، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفاف ، بل : الفقر. فلم يجبه الله تعالى في الكفاف ؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له ؛ لأنَّا نقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له حال الفقر والغنى والكفاف ، فكانت أول أحواله الفقر ؛ مبالغة في مجاهدة النفس وخطامها عن مألوفات عاداتها ، فلما حصلت له ملكة ملكها وتخلص له خلاصة سبكها ، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار ، فلم يلتفت إليها ، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرج عليها ، بل صرفها وانصرف عنها ، حتى قال : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم . وهذه حالة الغني الشاكر ، ثم اقتصر من ذلك كله على قدر ما يرد ضروراته وضرورات عياله ، ويرد حاجتهم ، فاقتنى أرضه بخيبر ، وكان يأخذ منها قوت عياله ويدخره لهم سنة ، فاندفع عنه الفقر المدقع ، وحصل الكفاف الذي دعا به ، ثم إنه لما احتضر وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه ، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده ، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدل عليه سيرهم وأخبارهم . وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ؛ لأنَّهم وسطهم ، والوسط : العدل . وليسوا من الأغنياء كما قررناه ، فاقتضى ذلك ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .