[88] 1113 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَالَ : وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، قَالَ يَحْيَى : قَالَ سُفْيَانُ : لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ ، يَعْنِي : وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ . وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ . ( 15 - 16 - 17 ) بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَإِنْ صَامَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ) وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْفَتْوَى : يَجُوزُ صَوْمُهُ فِي السَّفَرِ ، وَيَنْعَقِدُ وَيُجْزِيهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ أَمِ الْفِطْرَ أَمْ هُمَا سَوَاءٌ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ : الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَلَا ضَرَرَ ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ ، فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ ، وَاحْتَجُّوا بِصَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا سَبَقَ لِأَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَبِحَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ الْمَذْكُورِ فِي مُسْلِمٍ فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَهُوَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ) وَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْفِطْرِ ، وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَنْ يَخَافُ ضَرَرًا أَوْ يَجِدُ مَشَقَّةً ، كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَحَادِيثِ ، وَاعْتَمَدُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَالَ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فَمِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ تَفْضِيلُ الصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ ؛ لِتَعَادُلِ الْأَحَادِيثِ ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ ) يَعْنِي بِالْفَتْحِ : فَتْحَ مَكَّةَ ، وَكَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَ ( الْكَدِيدَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ عَيْنٌ جَارِيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعُ مَرَاحِلَ أَوْ نَحْوُهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ قَرِيبٌ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ ، وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ( الْكَدِيدُ ) عَيْنٌ جَارِيَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : وَعُسْفَانُ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ ، بِهَا مِنْبَرٌ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : وَالْكَدِيدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَدِيدٍ . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ بِثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ ، يُضَافُ إِلَيْهِ هَذَا الْكُرَاعُ ، وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ مُتَّصِلٌ بِهِ ، وَ ( الْكُرَاعُ ) كُلُّ أَنْفٍ سَالَ مِنْ جَبَلٍ أَوْ حَرَّةٍ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ ، قَالَ : وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتَقَارُبِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ عُسْفَانُ مُتَبَاعِدَةً شَيْئًا عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، لَكِنَّهَا كُلَّهَا مُضَافَةٌ إِلَيْهَا ، وَمِنْ عَمَلِهَا ، فَاشْتَمَلَ اسْمُ عُسْفَانَ عَلَيْهَا ، قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَالَ النَّاسِ وَمَشَقَّتَهُمْ فِي بَعْضِهَا ، فَأَفْطَرَ وَأَمَرَهُمْ بِالْفِطْرِ فِي بَعْضِهَا ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إِلَّا فِي مَسَافَةِ عُسْفَانَ ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ ، وَكُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ ، وَكُلُّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ . قَوْلُهُ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ جَائِزَانِ . وَفِيهِ : أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بَعْضَ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِصَوْمِ بَعْضِهِ إِتْمَامُهُ ، وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي فَهْمِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ ) كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَائِمًا ، فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فِي يَوْمِهِ أَفْطَرَ فِي نَهَارٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَائِمًا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي يَوْمِهِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فِي السَّفَرِ ، وَاسْتِدْلَالُ هَذَا الْقَائِلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعَجَائِبِ الْغَرِيبَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ وَكُرَاعَ الْغَمِيمِ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا عَلِمُوا مِنْهُ النَّسْخَ أَوْ رُجْحَانَ الثَّانِي مَعَ جَوَازِهِمَا ، وَإِلَّا فَقَدْ طَافَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرِهِ . وَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنَ الْجَائِزَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً ؛ لِبَيَانِ جَوَازِهَا ، وَحَافَظَ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ · ص 185 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب جواز الصوم والفطر في السفر والتخيير في ذلك · ص 175 ( 10 ) باب جواز الصوم ، والفطر في السفر والتخيير في ذلك 1113 ( 88 ) [982] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ، وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ . قال الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرِيْنِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ . 1113 ( 88 ) [983] وعَنْه قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَفْطَرَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ . ( 10 ) ومن باب: جواز الصوم والفطر في السفر ( الكديد ) ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً . و( عُسفان ) قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكة . وفي الحديث الآتي : ( كراع الغميم ) . والغميم - بفتح الغين - : واد أمام عُسفان بثمانية أميال . و( كراع ) : جبل أسود هناك يضاف إلى الغميم . والكراع لغة : هو كل أنف مال من جبل أو غيره . وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة كلها ترجع إلى معنى واحد . وهي حكاية حاله - صلى الله عليه وسلم - عن سفر في قدومه إلى فتح مكة . وكان في رمضان في ستة عشر منه ، كما جاء في حديث أبي سعيد . وهذه المواضع متقاربة . ولذلك عبَّر كل واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها واختلف في الفطر في السفر ؛ فالجمهور على أن المسافر إن صام في سفره أجزأه . وذهب بعض أهل الظاهر : إلى أنه لا يجزئه ، ولا ينعقد ، وعليه القضاء أبدًا . وحكي عن ابن عمر : أنه قال : من صام في السفر قضى في الحضر . وحكي أنه مذهب عمر . ومتمسك هؤلاء : ظاهر قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؛ أي : فعليه عدة ، أو فالواجب عدة . وتأوَّله الجمهور : بأن هناك محذوفًا ، تقديره : فأفطر . واستدلوا على صحته بما يأتي بعد هذا من الأحاديث الآتية في هذا الباب . وكره أحمد بن حنبل الصوم في السَّفر ، ولم يأمر بالقضاء . واختلف الجمهور في الأفضل : هل هو الصوم أو الفطر ؟ أو لا فضيلة لأحدهما على الآخر . وممن ذهب إلى الأول أنس بن مالك ، ومالك في المشهور عنه ، والشافعي ، على أن الفطر من باب الرُّخص ، وأن فعل الصوم مبادرة إلى تخليص الذمم ، ومسابقة إلى الخيرات ، وقد أمر الله بذلك في قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وإلى الثاني ذهب ابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهما . وعلى الثالث جل أهل المذهب ، وهو التخيير ، وعليه تدل الأحاديث المذكورة في هذا الباب . ثم هل هذا في كل سفر : طاعة كان أو معصية ، طويلاً كان أو قصيرًا ؟ وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيه في باب : قصر الصلاة في السفر . وقوله : ( خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في رمضان ؛ فصام ، فلما بلغ الكديد أفطر ) ؛ هذا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السَّفر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صام من خروجه من المدينة إلى أن بلغ الكديد ، وصام الناس معه . وهو حجة لمن يقول : إن من بَيَّت الصوم في السفر فله أن يفطر ، وإن لم يكن له عذر ، وإليه ذهب مطرف ، وهو أحد قولي الشافعي . وعليه جماعة من أصحاب الحديث . والجمهور على منع ذلك إلا لعذر ، متمسكين بأنه قد شرع في أَخْذِ ما خير فيه ؛ فيلزمه الْمُضي فيه ؛ إذ قد عَيَّنه بفعله ، وحملوا فِطر النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجود العذر المسوِّغ من حصول الضعف بالصوم عن مقاومة العدو ، وعن القيام بوظائف الجهاد ، ولما حصل لهم من الجهل والمشقة بالصوم ، كما قال : فسقط الصوَّام ، وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى ما هم فيه ، ووصل إلى الماء ، قال لهم : ( اشربوا ) ، فقالوا : لا نشرب حتى تشرب . قال : ( إني لست مثلكم ، إني راكب وأنتم مشاة ) ، فقالوا : لا نشرب حتى تشرب ، فشرب ، وشربوا . وعلى مذهب المنع فلو أفطر من غير عذر فهل تلزمه الكفارة ، أو لا تلزمه ؟ ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع ، فتجب ، أو بغيره فلا تجب . وكذلك اختلف فيمن طرأ عليه السفر ، وقد بيَّت الصوم في الحضر . فالجمهور على أنه لا يجوز أن يفطر إلا مع العذر . فلو أفطر من غير عذر ففي الكفارة ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين المتأوّل ، فتسقط عنه ، وبين غيره ، فلا تسقط . وقوله : ( وكان صحابته - صلى الله عليه وسلم - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ) ؛ وهو قول الزهري كما فسَّره في الرواية الأخرى ونسبه إليه . ولذلك ذكره مسلم بعده . وظاهر كلام ابن شهاب : أن الذي استقر عليه أمره - صلى الله عليه وسلم - إنما كان : الفطر في السفر ، وأن الصوم السابق منسوخ . وهذا الظاهر ليس بصحيح بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا ؛ فإنها تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام بعد ذلك في السفر ، وأصحابه كذلك ، وجد فيه . ومن أدل ذلك قول أبي سعيد : ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وما خرَّجه النسائي عن عائشة : أنها سافرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرته ، فقالت : يا رسول الله ! قصرتَ وأتممتُ ، وأفطرتَ وصمتُ . فقال : ( أحسنتِ يا عائشة ! ) ، وما عابه عليّ . ويمكن أن يحمل قول الزهري : على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما تحققت فيه المعارضة ، لا في هذا الموضع ؛ فإنه لم يتحقق فيه المعارضة ، والله تعالى أعلم .