باب جواز الصوم والفطر في السفر والتخيير في ذلك
( 10 ) باب جواز الصوم ، والفطر في السفر والتخيير في ذلك 1113 ( 88 ) [982] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ، وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ . قال الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرِيْنِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ . 1113 ( 88 ) [983] وعَنْه قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَفْطَرَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ .
( 10 ) ومن باب: جواز الصوم والفطر في السفر ( الكديد ) ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً . و( عُسفان ) قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكة . وفي الحديث الآتي : ( كراع الغميم ) .
والغميم - بفتح الغين - : واد أمام عُسفان بثمانية أميال . و( كراع ) : جبل أسود هناك يضاف إلى الغميم . والكراع لغة : هو كل أنف مال من جبل أو غيره .
وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة كلها ترجع إلى معنى واحد . وهي حكاية حاله - صلى الله عليه وسلم - عن سفر في قدومه إلى فتح مكة . وكان في رمضان في ستة عشر منه ، كما جاء في حديث أبي سعيد .
وهذه المواضع متقاربة . ولذلك عبَّر كل واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها واختلف في الفطر في السفر ؛ فالجمهور على أن المسافر إن صام في سفره أجزأه . وذهب بعض أهل الظاهر : ج٣ / ص١٧٦إلى أنه لا يجزئه ، ولا ينعقد ، وعليه القضاء أبدًا .
وحكي عن ابن عمر : أنه قال : من صام في السفر قضى في الحضر . وحكي أنه مذهب عمر . ومتمسك هؤلاء : ظاهر قوله تعالى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؛ أي : فعليه عدة ، أو فالواجب عدة .
وتأوَّله الجمهور : بأن هناك محذوفًا ، تقديره : فأفطر . واستدلوا على صحته بما يأتي بعد هذا من الأحاديث الآتية في هذا الباب . وكره أحمد بن حنبل الصوم في السَّفر ، ولم يأمر بالقضاء .
واختلف الجمهور في الأفضل : هل هو الصوم أو الفطر ؟ أو لا فضيلة لأحدهما على الآخر . وممن ذهب إلى الأول أنس بن مالك ، ومالك في المشهور عنه ، والشافعي ، على أن الفطر من باب الرُّخص ، وأن فعل الصوم مبادرة إلى تخليص الذمم ، ومسابقة إلى الخيرات ، وقد أمر الله بذلك في قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وإلى الثاني ذهب ابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهما . وعلى الثالث جل أهل المذهب ، وهو التخيير ، وعليه تدل الأحاديث المذكورة في هذا الباب .
ثم هل هذا في كل سفر : طاعة كان أو معصية ، طويلاً كان أو قصيرًا ؟ وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيه في باب : قصر الصلاة في السفر . وقوله : ( خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في رمضان ؛ فصام ، فلما بلغ الكديد أفطر ) ؛ هذا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السَّفر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صام من خروجه من المدينة إلى أن بلغ الكديد ، وصام الناس معه . وهو حجة لمن يقول : إن من بَيَّت الصوم في السفر فله أن يفطر ، وإن لم يكن له عذر ، وإليه ذهب مطرف ، وهو أحد قولي الشافعي .
وعليه جماعة من أصحاب الحديث . والجمهور على منع ذلك إلا لعذر ، متمسكين بأنه قد شرع في أَخْذِ ما خير فيه ؛ فيلزمه الْمُضي فيه ؛ إذ قد عَيَّنه بفعله ، وحملوا فِطر النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجود العذر المسوِّغ من حصول الضعف بالصوم عن مقاومة العدو ، وعن القيام بوظائف ج٣ / ص١٧٧الجهاد ، ولما حصل لهم من الجهل والمشقة بالصوم ، كما قال : فسقط الصوَّام ، وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى ما هم فيه ، ووصل إلى الماء ، قال لهم : ( اشربوا ) ، فقالوا : لا نشرب حتى تشرب . قال : ( إني لست مثلكم ، إني راكب وأنتم مشاة ) ، فقالوا : لا نشرب حتى تشرب ، فشرب ، وشربوا .
وعلى مذهب المنع فلو أفطر من غير عذر فهل تلزمه الكفارة ، أو لا تلزمه ؟ ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع ، فتجب ، أو بغيره فلا تجب . وكذلك اختلف فيمن طرأ عليه السفر ، وقد بيَّت الصوم في الحضر . فالجمهور على أنه لا يجوز أن يفطر إلا مع العذر .
فلو أفطر من غير عذر ففي الكفارة ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين المتأوّل ، فتسقط عنه ، وبين غيره ، فلا تسقط . وقوله : ( وكان صحابته - صلى الله عليه وسلم - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ) ؛ وهو قول الزهري كما فسَّره في الرواية الأخرى ونسبه إليه . ولذلك ذكره مسلم بعده .
وظاهر ج٣ / ص١٧٨كلام ابن شهاب : أن الذي استقر عليه أمره - صلى الله عليه وسلم - إنما كان : الفطر في السفر ، وأن الصوم السابق منسوخ . وهذا الظاهر ليس بصحيح بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا ؛ فإنها تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام بعد ذلك في السفر ، وأصحابه كذلك ، وجد فيه . ومن أدل ذلك قول أبي سعيد : ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وما خرَّجه النسائي عن عائشة : أنها سافرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرته ، فقالت : يا رسول الله ! قصرتَ وأتممتُ ، وأفطرتَ وصمتُ . فقال : ( أحسنتِ يا عائشة ! ) ، وما عابه عليّ . ويمكن أن يحمل قول الزهري : على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما تحققت فيه المعارضة ، لا في هذا الموضع ؛ فإنه لم يتحقق فيه المعارضة ، والله تعالى أعلم .