25 - 1187 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا . قَالَ : مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ ؟ قَالَ : رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا ، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ . 26 - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ ابْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا فِي قِصَّةِ الْإِهْلَالِ فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ . 5 - 6 - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُحْرِمَ حِينَ تَنْبَعِثُ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ لَا عَقِبَ الرَّكْعَتَينِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ) ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ : ( ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ ) ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ : ( كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً ) . هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى ، وَانْبِعَاثُهَا هُوَ اسْتِوَاؤُهَا قَائِمَةً ، وَفِيهَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ رُكُوبِ دَابَّتِهِ ، وَقَبْلَ قِيَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَفِيهِ : أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْإِحْرَامِ . قَوْلُهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : ( رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا ) إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّ مُرَادَهُ لَا يَصْنَعُهَا غَيْرُكَ مُجْتَمِعَةً ، وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ بَعْضَهَا . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ) ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ فِي جَوَابِهِ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ، هُمَا بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَشْدِيدَهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ ، وَالصَّحِيحُ التَّخْفِيفُ ، قَالُوا : لِأَنَّ نَسَبَهُ إِلَى الْيَمَنِ ، فَحَقُّهُ أَنْ يُقَالَ الْيَمَنِيُّ ، وَهُوَ جَائِزٌ ، فَلَمَّا قَالُوا ( الْيَمَانِي ) أَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى يَاءَيِ النَّسَبِ أَلِفًا ، فَلَوْ قَالُوا الْيَمَانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ لَزِمَ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ ، وَالَّذِينَ شَدَّدُوهَا قَالُوا : هَذِهِ الْأَلِفُ زَائِدَةٌ ، وَقَدْ تُزَادُ فِي النَّسَبِ كَمَا قَالُوا فِي النَّسَبِ إِلَى صَنْعَاءَ : صَنْعَانِيٌّ ، فَزَادُوا النُّونَ الثَّانِيَةَ وَإِلَى الرَّيِّ : رَازِيٌّ ، فَزَادُوا الزَّايَ ، وإِلَى الرَّقَبَةِ : رَقَبَانِيٌّ ، فَزَادُوا النُّونَ . وَالْمُرَادُ بِالرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ : الرُّكْنُ الْيَمَانِي ، وَالرُّكْنُ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْعِرَاقِيُّ ؛ لِكَوْنِهِ إِلَى جِهَةِ الْعِرَاقِ ؛ وَقِيلَ لِلَّذِي قِبَلَهُ الْيَمَانِيُّ ؛ لِأَنَّهُ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ ، وَيُقَالُ لَهُمَا : الْيَمَانِيَّانِ تَغْلِيبًا لِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ ، كَمَا قَالُوا : الْأَبَوَانِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْقَمَرَانِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَالْعُمَرَانِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، وَنَظَائِرُهُ مَشْهُورَةٌ ، فَتَارَةً يُغَلِّبُونَ بِالْفَضِيلَةِ كَالْأَبَوَيْنِ ، وَتَارَةً بِالْخِفَّةِ كَالْعُمَرَيْنِ ، وَتَارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَسَطْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَيُقَالُ لِلرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ : الشَّامِيَّانِ ؛ لِكَوْنِهِمَا بِجِهَةِ الشَّامِ ، قَالُوا : فَالْيَمَانِيَانِ بَاقِيَانِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بِخِلَافِ الشَّامِيَّيْنِ ، فَلِهَذَا لَمْ يُسْتَلَمَا ، وَاسْتُلِمَ الْيَمَانِيَانِ لِبَقَائِهِمَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ إِنَّ الْعِرَاقِيَّ مِنَ الْيَمَانِيَيْنِ اخْتُصَّ بِفَضِيلَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، فَاخْتُصَّ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِلَامِ بِتَقْبِيلِهِ ، وَوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْيَمَانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءُ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لَا يُسْتَلَمَانِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ التَّابِعِينَ ، ثُمَّ ذَهَبَ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ) ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي جَوَابِهِ : ( وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسُهَا ) فَقَوْلُهُ : ( أَلْبَسُ وَتَلْبَسُ ) كُلُّهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ ، وَأَمَّا ( السِّبْتِيَّةُ ) فَبِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى تَفْسِيرِهَا بِقَوْلِهِ : ( الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ ) ، وَهَكَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْغَرِيبِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ : إِنَّهَا الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا ، قَالُوا : وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ ( السَّبْتِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالْإِزَالَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : سَبَتَ رَأْسَهُ أَيْ حَلَقَهُ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ ، يُقَالُ : رَطْبَةٌ مُنْسَبِتَةٌ أَيْ لَيِّنَةٌ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : السِّبْتُ : كُلُّ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : السِّبْتُ : جُلُودُ الْبَقَرِ مَدْبُوغَةً كَانَتْ ، أَوْ غَيْرَ مَدْبُوغَةٍ ، وَقِيلَ : هُوَ نَوْعٌ مِنَ الدِّبَاغِ يَقْلَعُ الشَّعْرَ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ كَانَتْ سُودًا لَا شَعْرَ فِيهَا . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : ( النِّعَالُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ ) ، وَقَالَ : وهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ ، فَقَدْ تَكُونُ سُودًا مَدْبُوغَةً بِالْقَرَظِ لَا شَعْرَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَدْبُوغَاتِ يَبْقَى شَعْرُهَا ، وَبَعْضَهَا لَا يَبْقَى . قَالَ : وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ لِبَاسَ النِّعَالِ بِشَعْرِهَا غَيْرَ مَدْبُوغَةٍ ، وَكَانَتِ الْمَدْبُوغَةُ تُعْمَلُ بِالطَّائِفِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَلْبَسُهَا أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ ، كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ : تَحْذِي نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمٍ قَالَ الْقَاضِي : وَالسِّينُ فِي جَمِيعِ هَذَا مَكْسُورَةٌ ، قَالَ : وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ اشْتِقَاقُهَا وَإِضَافَتُهَا إِلَى السِّبْتِ الَّذِي هُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ أَوْ إِلَى الدِّبَاغَةِ ؛ لِأَنَّ السِّينَ مَكْسُورَةٌ فِي نِسْبَتِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ ( السَّبْتِ ) الَّذِي هُوَ الْحَلْقُ كَمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، لَكَانَتِ النِّسْبَةُ ( سَبْتِيَّةٌ ) بِفَتْحِ السِّينِ ، وَلَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلَا فِي الشِّعْرِ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا بِالْكَسْرِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَ قَوْلُهُ : ( وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا ) مَعْنَاهُ : يَتَوَضَّأُ وَيَلْبَسُهَا وَرِجْلَاهُ رَطْبَتَانِ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَو فِي جَوَابِهِ : ( وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا ) فَقَوْلُهُ : ( يَصْبُغُ وَأَصْبُغُ ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ : الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغُ الشَّعْرِ ، وَقِيلَ : صَبْغُ الثَّوْبِ ؛ قَالَ : وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ صَبْغَ الثِّيَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبَغَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَبَغَ شَعْرَهُ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَيَّنَ فِيهَا تَصْفِيرَ ابْنِ عُمَرَ لِحْيَتَهُ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ احْتِجَاجَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ حَتَّى عِمَامَتَهُ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ) ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي جَوَابِهِ : ( وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ) أَمَّا ( يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ) فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ أَيْ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَاتٍ لِيَسْتَعْمِلُوهُ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَجَابَهُ ابْنُ عُمَرَ بِضَرْبٍ مِنَ الْقِيَاسِ ، حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْسِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا ، فَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَوَجْهُ قِيَاسِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَحْرَمَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالذَّهَابِ إِلَيْهِ ، فَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْإِحْرَامَ إِلَى حَالِ شُرُوعِهِ فِي الْحَجِّ وَتَوَجُّهِهِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى ، وَوَافَقَ ابْنَ عُمَرَ عَلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَالْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( ابْنِ قُسَيْطٍ ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَابُ بَيَانِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُحْرِمَ حِينَ تَنْبَعِثُ بِهِ رَاحِلَتُهُ · ص 268 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم · ص 271 1187( 25 ) [1057] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا ، قَالَ: مَا هُنَّ يَا بْنَ جُرَيْجٍ ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ ، وَلَمْ تُهْل أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا ، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْبُغُ بِهَا ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ . 1187( 27 ) [1058] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ . وقول ابن جريج لابن عمر : ( رأيتك تصنع أربعًا ، لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها ) ؛ أي : يجمعها في فعله كما كان يجمعها ابن عمر ، وإن كان يصنع بعضهم بعضها . واقتصار النبي - صلى الله عليه وسلم - على استلام الركنين اليمانيين ؛ لأن الركنين الآخرين ، وهما اللذان يليان الحجر ليسا على تأسيس إبراهيم عليه السلام - ، ولما ردها ابن الزبير على قواعد إبراهيم استلم الأركان كلها . قاله القابسي . قال القاضي عياض : ولو بني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها ، كما فعل ابن الزبير . والجمهور على مس الركنين اليمانيين ، وإن ذلك ليس بركن . والنعال السِّبتية بكسر السين : منسوبة إلى السبت - بالكسر - ، هي التي أزال الدِّباغ شعرها . قال الشيباني : السِّبت : كل جلد مدبوغ . وقيل : السِّبت : دباغ يقلع الشعر ، وهذا القول أحسن مِنْ قول مَنْ قال : إنها منسوبة إلى السبت - بفتح السين - وهو : الحلق ؛ لأنه يلزم على القياس أن يقال : السَّبتية - بالفتح - ولم يسمع من يقوله هنا ، ولا من يرويه . وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها ، غير مدبوغة ، وإنما كان يلبس المدبوغة مما كانت تصنع بالطائف وغيره أهل الرفاهية والسَّعة ، كما قال شاعرهم : . . . . . . . . . . . . . . يُحذَى نعَالَ السِّبْتِ ليس بِتَوْأَمِ وأما صباغه بالصفرة ، فقيل : المراد به : صباغ الشعر . وقيل : صباغ الثياب . قلت : وقد روى أبو داود من طرق صحاح ما يدل: على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة ، وذلك أنه روي عن زيد بن أسلم : أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى يملأ ثيابه ، فقيل له : لم تصبغ بها ؟ فقال : إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها ، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها ، كان يصبغ ثيابه كلها ، حتى عمامته . قال أبو عمر بن عبد البر : لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بالصفرة إلا ثيابه . وأما الخضاب : فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يخضب . قلت : وقد روى أبو داود عن أبي رِمثة ما يدل على خلاف ما قال أبو عمر . قال أبو رمثة : انطلقت مع أبي نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو ذو وفرة بها ردع من حِنَّاء ، وعليه بُردان أخضران . وأما اعتذار ابن عمر عن تأخيره الإهلال إلى يوم التروية فإنه لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تنبعث به راحلته . فوجهه : أنه لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم إلا إذا أخذ في أول عمل الحج ، وهو المشي إليه إذا انبعثت به الراحلة ؛ أخر هو الإحرام إلى يوم التروية ، حتى يكون مشيه في عمل الحج عقب إحرامه . وقد أبعد من قال : إن هذا من باب القياس . بل هو تمسُّك بنوع الفعل الذي رآه يفعله على ما قررناه . وقد اختلف اختيار العلماء والسلف في ذلك على قولين : وهما عند مالك . واستحب بعض شيوخنا : أن يهل يوم التروية من كان خارجًا عن مكة ، ولمن كان داخل مكة أن يهل من أول الشهر ، وهو قول كثير من الصحابة والعلماء . وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قاله عياض . ويوم التروية : هو اليوم الثامن ، وسُمي بذلك لأن الناس يتروون فيه للخروج إلى منى . وقيل : لأنهم كانوا يحملون معهم الروايا بالماء ليلة منى ، فيروون من فيها . والغرز للناقة كالركاب للفرس . وهو ما توضع فيه الرِّجل للركوب .