50 - 1193 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَلَمَّا أَنْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِي وَجْهِي قَالَ : إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . 51 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَقُتَيْبَةُ جَمِيعًا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ وَصَالِحٍ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ . 52 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ . 8 - باب تحريم الصيد المأكول البري أو ما أصله ذلك على المحرم بحج أو عمرة أو بهما قَوْلُهُ : ( عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ) هُوَ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ : بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ) أَمَّا ( الْأَبْوَاءُ ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ ، وَ ( وَدَّانَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُمَا مَكَانَانِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ ( أَنَّا حُرُمٌ ) وَ ( حُرُمٌ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ مُحْرِمُونَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( لَمْ نَرُدَّهُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ . قَالَ : وَأَنْكَرَهُ مُحَقِّقُو شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَالُوا : هَذَا غَلَطٌ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَصَوَابُهُ : ضَمُّ الدَّالِ ، قَالَ : وَوَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ بِضَمِّ الدَّالِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْمُضَاعَفِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ أَنْ يُضَمَّ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَجْزُومِ ، مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا ؛ لِخَفَاءِ الْهَاءِ ، فَكَانَ مَا قَبْلَهَا وَلِيَ الْوَاوَ ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلَّا مَضْمُومًا هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ ، وَأَمَّا الْمُؤَنَّثُ مِثْلُ ( رَدَّهَا وَجَبَّهَا ) فَمَفْتُوحُ الدَّالِ ، وَنَظَائِرُهَا مُرَاعَاةً لِلْأَلِفِ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، فَأَمَّا ( رَدَّهَا ) وَنَظَائِرَهَا مِنَ الْمُؤَنَّثِ فَفَتْحَةُ الْهَاءِ لَازِمَةٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَأَمَّا ( رَدَّهُ ) وَنَحْوُهُ لِلْمُذَكَّرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَفْصَحُهَا : وُجُوبُ الضَّمِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالثَّانِي : الْكَسْرُ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالثَّالِثُ : الْفَتْحُ ، وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ ، لَكِنْ غَلَّطُوهُ ؛ لِكَوْنِهِ أَوْهَمَ فَصَاحَتَهُ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ضَعْفِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( حِمَارَ وَحْشٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( شِقَّ حِمَارِ وَحْشٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( عُضْوًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ ) هَذِهِ رِوَايَاتُ مُسْلِمٍ ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ : بَابُ إِذَا أُهْدِيَ لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ، ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ ( حِمَارًا وَحْشِيًّا ) ، وَحُكِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَذْبُوحٌ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَهْدَى بَعْضَ لَحْمِ صَيْدٍ لَا كُلَّهُ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاصْطِيَادِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ : يَحْرُمُ عَلَيْكَ تَمَلُّكُ الصَّيْدِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا ، وَفِي مِلْكِهِ إِيَّاهُ بِالْإِرْثِ خِلَافٌ ، وَأَمَّا لَحْمُ الصَّيْدِ : فَإِنْ صَادَهُ أَوْ صِيدَ لَهُ فَهُوَ حَرَامٌ ، سَوَاءٌ صِيدَ لَهُ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَإِنْ صَادَهُ حَلَالٌ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقْصِدِ الْمُحْرِمَ ، ثُمَّ أَهْدَى مِنْ لَحْمِهِ لِلْمُحْرِمِ أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا صِيدَ لَهُ بِغَيْرِ إِعَانَةٍ مِنْهُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَحِلُّ لَهُ لَحْمُ الصَّيْدِ أَصْلًا ، سَوَاءٌ صَادَهُ أَوْ صَادَهُ غَيْرُهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا قَالُوا : الْمُرَادُ بِالصَّيْدِ الْمَصِيدُ ، وَلِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّهُ وَعَلَّلَ رَدَّهُ بأَنَّهُ مُحْرِمٌ ، وَلَمْ يَقُلْ : لِأَنَّكَ صِدْتَهُ لَنَا ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ هَذَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ - وَهُوَ حَلَالٌ - قَالَ لِلْمُحْرِمِينَ : ( هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ : فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : مَعَنَا رِجْلُهُ ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكَلَهَا . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادَ لَكُمْ هَكَذَا الرِّوَايَةُ ( يُصَادَ ) بِالْأَلِفِ وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى لُغَةٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ ، وَرَدٌّ لِمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُمْ بِاصْطِيَادِهِ ، وَحَدِيثُ الصَّعْبِ أَنَّهُ قَصَدَهُمْ بِاصْطِيَادِهِ ، وَتُحْمَلُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَعَلَى لَحْمِ مَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْمُرَادِ مِنَ الْآيَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ بِأَنَّهُ مُحْرِمٌ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ صِيدَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا صِيدَ لَهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ ، فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ) فِيهِ : جَوَازُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ . وَفِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ هَدِيَّةٍ وَنَحْوِهَا لِعُذْرٍ أَنْ يَعْتَذِرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُهْدِيِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب تحريم الصيد المأكول البري أو ما أصله ذلك على المحرم بحج أو عمرة أو بهما · ص 276 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما جاء في الصيد وفي لحمه للمحرم · ص 276 ( 6 ) باب ما جاء في الصيد ، وفي لحمه للمحرم 1193 ( 50 ) و 1194 ( 54 ) [1063] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا فِي وَجْهِي ، قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرْدُدْهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل حمار وحشي . وفي أخرى: عجز حمار وحشي يقطر دما . 1195 [1064] وعنه وقَالَ لزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يَسْتَذْكِرُهُ ، كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ حَرَامٌ ؟ قَالَ: قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ فَقَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ إِنَّا حُرُمٌ . ( 6 ) ومن باب: ما جاء في الصيد ولحمه للمحرم ( الأبواء ) - بفتح الهمزة ، والمد - : بَرِّيَّة من عمل الفُرْع ، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً . و( وَدَان ) بفتح الواو ، وكذلك بينهما نحو ثمانية أميال بقرب من الجحفة . و( السُّقيا ) قرية جامعة هناك ، بينها وبين الفُرْع مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلاً . و( تعهن ) بفتح التاء وكسرها ، وسكون العين . وقد سمع من العرب من يقول : ( بتُعَهِن ) فيضم التاء ، ويفتح العين ، ويكسر الهاء . وروايتنا التقييد الأول . وهي : عين ماء على ميل من ( السقيا ) بالقاف لا بالفاء ، وهو : وادي العباديد ، على ثلاثة مراحل من المدينة . و( غيقة ) بالغين معجمة مفتوحة ، وبالقاف بينهما ياء ، باثنتين من تحتها : موضع من بلاد بني غفار ، بين مكة والمدينة . وقيل : هو قليب ماء لبني ثعلبة . وقوله : ( إنا لم نردده عليك ) ، المحدِّثون يقيدون ( لم نرده ) بفتح الدال المضاعفة المجزومة ، وإن كان متصلاً بهاء الضمير المضمومة . وقيده المحققون : بضم الدال مراعاة للواو المتولدة عن ضمها لها ، ولم يحفلوا بالهاء لخفائها ، وكأنهم قالوا : ( ردوا ) ؛ كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف ، وكأنهم قالوا : ( ردًّا ) ، وهذا مذهب سيبويه ، وأبي علي الفارسي ، وأهل التحقيق من أهل اللسان . وقوله : ( إلا أنَّا حرم ) بفتح ( أنَّا ) على أنه تعدَّى إليه الفعل بحرف التعليل . ولا خلاف في تحريم الصيد على المحرم . وفي تحريم ما صيد من أجله عليه . وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وقوله : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ورد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصَّعب هذا الصيد : إنما كان لأنه خاف أن يكون صاده من أجله ، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - كيف قَبِل حمار البَهْزِيِّ حين قال : هو لكم يا رسول الله! فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقُسمِّ بين الرفاق . قال أبو محمد الأصيلي : إنما قَبِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمار البهزي ؛ لأنه كان مكتسبًا بالصيد ، فحمله على عادته ، ورد حمار الصَّعب لظنه أنه صاده من أجله . فإن قيل : فهذا يشكل على مذهب مالك ؛ إذ يحكم : بأن ما صيد لأجل محرم لا يحل أكله ، وهو ميتة عنده ، ولم ينههم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل سوَّغه لهم بتركه في أيديهم ، وإقرارهم عليه! فالجواب : إن ذلك الحكم إنما يلزم على مذهبه فيما تحقق أنه صِيد لأجل المحرم ، وليس في هذا الحديث ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع بذلك ، ولا ظنه ، وإنما امتنع من ذلك فيما يظهر ورعًا ؛ كما قال في التمرة : ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) ، والله أعلم . وقد أجاز غير واحد من العلماء أكل ما صاده حلال لمحرم لغير ذلك المحرم ؛ منهم : عثمان رضي الله عنه . واختلفوا في حمار الصعب : هل أهداه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيًّا أم ميتًا ؟ وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث ما يدل : على أنه فهم من الحديث أنه كان حيًّا ، وعلى هذا الفهم يستدل به : على أن المحرم يرسل ما بيده من صيد ؛ لأنه لم يسوغ لنفسه مُلكه لأجل الإحرام ، وفيه أبواب من أحكام الهبات لا تخفى على متأمل . قلت : والروايات الأخر تدل على أنه كان ميتًا ، وأنه أتاه بعضو منه . ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة ؛ إما على القول : بأنه ميت ، فإنه جاء بالحمار ميتًا فوضعه بقرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قطع منه ذلك العضو ، فأتاه به ، فصدق اللفظان . أو يكون أطلق اسم الحمار ، وهو يريد بعضه ، وهذا سائغ ، وهو من باب التوسع والتجوز . وأما إن تنزلنا على أن الحمار كان حيًّا ، فيكون قد أتاه به ، فلما رده عليه ، وأقره بيده ذكاه ، ثم أتاه منه بالعضو المذكور ، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده عليه لمعنى يخص الحمار بجملته ، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد ، لا يحل للمحرم قبوله ، ولا تملُّكه . وإنما احتجنا إلى هذه التكلفات لنرفع الاضطراب اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع بين الروايات المختلفة ، فإنه الأحسن إذا أمكن ، والله أعلم .