[450] 1357 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، أَمَّا الْقَعْنَبِيُّ فَقَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَقَالَ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : نَعَمْ . ( 84 ) باب جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ قَوْلُهُ : ( إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ . قَالَ الْقَاضِي : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَوَّلَ دُخُولِهِ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةُ بَعْدَ إِزَالَةِ الْمِغْفَرِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ) لِأَنَّ الْخُطْبَةَ إِنَّمَا كَانَتْ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَمَامِ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَقَوْلِهِ : ( دُخُولَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا ، سَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ لِحَاجَةِ تُكَرَّرٍ كَالْحَطَّابِ وَالْحَشَّاشِ وَالسَّقَّاءِ وَالصَّيَّادِ وَغَيْرِهِمْ ، أَمْ لَمْ تَتَكَرَّرْ كَالتَّاجِرِ وَالزَّائِرِ وَغَيْرِهِمَا ، سَوَاءٌ كَانَ آمِنًا أَوْ خَائِفًا ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ يُفْتِي أَصْحَابُهُ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ لَا تُكَرَّرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَاتِلًا أَوْ خَائِفًا مِنْ قِتَالٍ ، أَوْ خَائِفًا مِنْ ظَالِمٍ لَوْ ظَهَرَ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . قَوْلُهُ : ( جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدُمُهُ ، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسُبُّهُ ، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، فَكَيْفَ قَتَلَهُ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْتَارِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَمَانِ ، بَلِ اسْتَثْنَاهُ هُوَ وَابْنَ أَبِي سَرَحٍ وَالْقَيْنَتَيْنِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ ، بَلْ قَاتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِمَا فِي جَوَازِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ سَاعَةَ الدُّخُولِ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهَا ، وَأَذْعَنَ لَهُ أَهْلُهَا ، وَإِنَّمَا قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْمُ ابْنِ خَطَلٍ : ( عَبْدُ الْعُزَّى ) ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : اسْمُهُ : ( عَبْدُ اللَّهِ ) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : اسْمُهُ : ( غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ جَابِرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ ) وَخَطَلٌ : بِخَاءِ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ : وَقِيلَ : سَعْدُ بْنُ حُرَيْثٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَرَأَتْ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( قُلْتُ لِمَالِكٍ : حَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ ) ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ( فَقَالَ : نَعَمْ ) ، يَعْنِي فَقَالَ مَالِكٌ : نعم . وَمَعْنَاهُ : أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِكَذَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : نَعَمْ حَدَّثَنِي بِهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَلَا يَقُولُ فِي آخِرِهِ ( قَالَ : نَعَمْ ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ قَوْلِهِ ( نَعَمْ ) فِي آخِرِ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَهِيَ إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا : أَخْبَرَكَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوَهُ ، وَالشَّيْخُ مُصْغٍ لَهُ فَاهِمٌ لِمَا يَقْرَأُ غَيْرُ مُنْكِرٍ ، فَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيِّينَ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : لَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إِلَّا بِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا لَمْ يَصِحَّ السَّمَاعُ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ : يُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ ( نَعَمْ ) ، وَلَا يُشْتَرَطُ نُطْقُهُ بِشَيْءٍ ، بَلْ يَصِحُّ السَّمَاعُ مَعَ سُكُوتِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اكْتِفَاءً بِظَاهِرِ الْحَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُكَلَّفٍ أَنْ يُقِرَّ عَلَى الْخَطَأِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً . وَمَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ : ( نَعَمْ ) إِنَّمَا قَالَهُ تَوْكِيدًا وَاحْتِيَاطًا لَا اشْتِرَاطًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ · ص 488 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها · ص 477 1357 [1216] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرٌ ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يا رسول الله ، ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ! فَقَالَ: اقْتُلُوهُ . ( المغفر ) : ما يلبس على الرأس من درع الحديد ، وأصله من الغفر وهو الستر ، وهو دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عُنوة ، وهو الصحيح من الأحاديث والمعلوم من السِّير . لكنه عندما دخلها أمَّن أهلها ، كما سيأتي . وإنما اغتر من قال بأنها فتحت صلحًا لما سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَعْرِض لأهلها بقتل ولا سبي ، فظن وقدَّر هنالك صلحًا في الخفاء مع أبي سفيان أو غيره ، وهذا كله وهم ، والصحيح الأول . و( ابن خطل ) هو هلال بن خطل ، وقيل عبد العزى ابن خطل - هذا قول ابن إسحاق وجماعة ، وقال الزبير بن بكار : ابن خطل الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله يوم الفتح هو هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب بن فهر . قال : وعبد الله هو الذي يُقال له خطل ، ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضًا خطل - هما جميعًا الخطلان ؛ قاله أبو عمر . وكان قد أسلم وهاجر ، فاستكتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتدَّ ، فقتل رجلاً كان يخدمه وفرَّ إلى مكة ، وجعل يسبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ويهجوه . وفيه دليل على صحَّة مذهب الجمهور في أن الحدود تُقام بالحرم كما تقدَّم .