[64] 1419 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ وَإِسْنَادِهِ ، وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ وَشَيْبَانَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . [65] 1420 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : قَالَ ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ . [66] 1421 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : حَدَّثَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . [67] - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا . [68] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَرُبَّمَا قَالَ : وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا . ( 9 ) بَاب اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : ( الْأَيِّمُ ) هُنَا الثَّيِّبُ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلِلْأَيِّمِ مَعَانٍ أُخَرُ . وَ ( الصُّمَاتُ ) بِضَمِّ الصَّادِ هُوَ السُّكُوتُ . قَالَ الْقَاضِي : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَيِّمِ هُنَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا . وَالْأَيْمَةُ فِي اللُّغَةِ الْعُزُوبَةُ ، وَرَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ . وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَيِّمَةٌ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَا هُنَا ، فَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالْفُقَهَاءُ كَافَّةً : الْمُرَادُ الثَّيِّبُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالثَّيِّبِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُقَابِلَةً لِلْبِكْرِ ، وَبِأَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهَا فِي اللُّغَةِ لِلثَّيِّبِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَزُفَرُ : الْأَيِّمُ هُنَا كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ . قَالُوا : فَكُلُّ امْرَأَةٍ بَلَغَتْ فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَعَقْدُهَا عَلَى نَفْسِهَا النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ . قَالُوا : وَلَيْسَ الْوَلِيُّ مِنْ أَرْكَانِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ، بَلْ مِنْ تَمَامِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النِّكَاحِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَحَقُّ مِنْ وَلِيِّهَا ) هَلْ هِيَ أَحَقُّ بِالْإِذْنِ فَقَطْ ، أَوْ بِالْإِذْنِ وَالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالْإِذْنِ فَقَطْ ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ بِهِمَا جَمِيعًا . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ) يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ مِنْ وَلِيِّهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَقْدٍ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالرِّضَا أَيْ لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَنْطِقَ بِالْإِذْنِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ ، وَلَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ تَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ وَالثَّانِي . وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ ( أَحَقُّ ) هُنَا لِلْمُشَارَكَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا فِي نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ حَقًّا ، وَلِوَلِيِّهَا حَقًّا ، وَحَقُّهَا أَوْكَدُ مِنْ حَقِّهِ . فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا كُفُؤًا وَامْتَنَعَتْ لَمْ تُجْبَرْ ، وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ كُفُؤًا فَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ أُجْبِرَ ، فَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَهَا الْقَاضِي ، فَدَلَّ عَلَى تَأْكِيدِ حَقِّهَا وَرُجْحَانِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ : ( وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ) فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ : الِاسْتِئْذَانُ فِي الْبِكْرِ مَأْمُورٌ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ ، وَلَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهَا صَحَّ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ وَلَمْ يَصِحَّ إنكاحها قَبْلَهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ : يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ فِي كُلِّ بِكْرٍ بَالِغَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ : ( إِذْنُهَا صُمَاتُهَا ) فَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ بِكْرٍ ، وَكُلُّ وَلِيٍّ ، وَأَنَّ سُكُوتَهَا يَكْفِي مُطْلَقًا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا فَاسْتِئْذَانُهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَيَكْفِي فِيهِ سُكُوتُهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ نُطِقْهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا . وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ السُّكُوتَ كَافٍ فِي جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِوُجُودِ الْحَيَاءِ . وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ النُّطْقِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ كَمَالُ حَيَائِهَا بِمُمَارَسَةِ الرِّجَالِ ، وَسَوَاءٌ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ ، أَوْ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ بِزِنًا ، وَلَوْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثْبَةٍ أَوْ بِإِصْبَعٍ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ أَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا فَلَهَا حُكْمُ الثَّيِّبِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : حُكْمُ الْبِكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِعْلَامُ الْبِكْرِ بِأَنَّ سُكُوتَهَا إِذْنٌ ، وَشَرَطَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ ، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحٌ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّيِّبِ وَلَا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ ، بَلْ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ : يُشْتَرَطُ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ الصِّحَّةِ . وَاحْتَجَّ دَاوُدُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي مُسْلِمٍ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، وَأَنَّ الثَّيِّبَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَنَّهَا أَحَقُّ أَيْ شَرِيكَةٌ فِي الْحَقِّ بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ ، وَهِيَ أَيْضًا أَحَقُّ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ . وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ فِيهِ بِلَا وَلِيٍّ ، وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، وَخَصَّ عُمُومَهَا بِهَذَا الْقِيَاسِ ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ؛ وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا يُرَادُ لِيَخْتَارَ كُفُؤًا لِدَفْعِ الْعَارِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِذْنِهِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : نَاقَضَ دَاوُدُ مَذْهَبَهُ فِي شَرْطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ؛ لِأَنَّهُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ مِثْلِ هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ · ص 546 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب استئمار الثيب واستئذان البكر · ص 113 ( 7 ) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها ( 1419 ) [1471] عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ . ( 7 ) ومن باب : استئمار الثيب ( قوله : الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها ) اتفق أهل اللغة على أن الأيِّم في الأصل : هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا . ومنه قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ . تقول العرب : تَأَيَّمَت المرأة : إذا أقامت لا تتزوّج . ويقال : أيِّمٌ بَيِّنَةُ الأيْمَةِ ، وقد آمَتْ هي ، وإمْتُ أنا . قال الشاعر : لقد إمْتُ حتى لامنِي كُلُّ صاحب رجاء بسَلْمَى أن تَئِيمَ كما إِمْتُ قال أبو عبيد : يقال : رجل أَيِّمٌ ، وامرأة أَيِّم . وأكثر ما يكون في النساء ، وهو كالمستعار في الرِّجال . قلت : والأيّم في هذا الحديث هي : الثَّيِّب ؛ بدليل الرواية المفسِّرة التي جعل فيها الثَّيب مكان الأيِّم ، وبدليل : أنها قوبل بها البكر ، وفُصِلَ بينهما ، فأُعْطيت كلُّ واحدة منهما حكمهما . وهذا واضح جدًّا . وعليه : فلا مبالاة بما يقوله الكوفيون وزفر والشعبي في هذا الحديث ؛ من أنَّ المراد بالأيَّم : التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا . مستدلين به على أن الولي ليس بشرط في النكاح ، بل للمرأة أن تُنْكِح نفسها بغير ولي ، بكرًا كانت أو ثيبا إذا بلغت . وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : ( أحق ) على العقد ؛ أي : أحقُّ من وليها بالعقد عليها . وهذا لا يصح ؛ لما ذكرناه ؛ ولأن مقصود الحديث بيانُ حكم الثَّيب والأبكار بالنسبة إلى سماع الإذن . فالثيب تُعْرِبُ عن نفسها ؛ أي : تنطق بنفسها مرادها ، ولا يُكتفَى منها بالسكوت . والبكر يُكتفَى منها بالسكوت . فقوله : ( أحق بنفسها ) أي : تنطق بنفسها ، ولا ينطق الوليُّ عنها . ثم نقول : بل هذا الحديث حجة للجمهور في اشتراط الوليِّ ؛ بدليل صحة ما وقعتْ فيه المفاضلة . وبيان ذلك : أنَّ ( أَفْعَلَ مِنْ كذا ) لا بدَّ فيها من اشتراك في شيء مما وقع فيه التفاضل ؛ فإنك إذا قلت : فلان أعلم من فلان . اقتضى ذلك اشتراكهما في أصل العلم ، وانفرد أحدهما بمزية فيه ؛ وكذلك قوله : ( أحق ) لا بدَّ فيه أنّ يشاركها الوليُّ في حَقِّيَّةٍ ما ، فإذًا : له مدخل . ثم وجدنا في الشريعة مواضع كثيرة تدلّ على أن ذلك المدخل هو شرط في صحة النكاح . فمنها قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ووجه الاستدلال بها : أنه خطابٌ للأولياء والسَّادة بالعقد على من يكون عليهم ، وقد سَوَّى بينهما بالخطاب . فكما أنه لا ينعقد النكاح على أَمَةِ الغير إلا بولاية سيدها ، فكذلك لا ينعقد نكاح الحرَّة إلا بإذن وليّها ؛ ضرورة التسوية بين النوعين في حكم الخطاب . وهو واضح جدًّا . ومنه قوله تعالى : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ والاستدلال بها من وجهين : أحدهما : نهيه عن العَضْل . فلولا أن له مدخلاً في الولاية لَمَا صح له العَضْل . وثانيهما : تعليقُ النَّهي عّن العَضْل على تراضي الأزواج بالمعروف . فإنْ لم يتراضوا به فللولي العضل . وسيأتي الكلام على هذه الآية عند ذكر حديث معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ وفيه : لما أنزل الله الآية قال معقل : الآن أفعل . فزوَّجها إيَّاه ، مع أنها كانت مدخولاً بها . ومنها : الحديث الذي ذكره الدارقطني ، وصحّحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( لا تزوِّج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها ) . قال : هذا صحيح . ومنها : ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا ، قال : ( لا نكاح إلا بوليّ ) . وفيه : عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرَّات - ، فإن دخل بها فالمهرُ لها بما أصاب منها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) . وهذه الأحاديث مشهورة صحيحة عند تحقيق النظر فيها . ولا يلتفت إلى شيء مما ذكر فيها ، كما ذكر من أن حديث عائشة تفرّد به سليمان بن موسى ؛ فإنه إمام ثقة ، وهو الأشدق ، ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه . قال البزار : هو أحفظ من مكحول . وقال : هو أَجَلُّ من ابن جريج . وكما قيل عن ابن جريج : أنه سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره . وهذا لا يلتفت إليه ؛ لأن هذه الحكاية أُنْكرت على ابن عليَّة ، وهو الذي أوردها ، ولو صحّتْ ، فلم ينكر ابن شهاب الحديث إنكار قطع بتكذيبه ، بل إنكار ناسٍ ، والراوي عنه ثقة جازم في الرواية ، فينبغي للزهري أن يقول : حدثني فلان عني بكذا ، كما قد حكي عنه : أنه قال في مثل هذا : حدثني مالك عني . وكل هذا نسيان ، وليس بدعًا في الإنسان . وبسط الكلام فيه في كتب الخلاف . وكل ما ذكر أيضًا حجة على من قال : إن صحة عقد النكاح موقوفة على إجازة القاضي ، وبه قال الأوزاعي ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف . وأنَصُّ ما في الردّ على هؤلاء حديث معقل . و( قوله : والبكر تستأمر ) هكذا وقع في حديث ابن عباس ، وفي حديث أبي هريرة : ( الأيِّم تستأمر ، والبكر تستأذن ) وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس ؛ لأن ( تستأمر ) معناه : يُستدعى أمرها . وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسَمَّى : أمرًا . وهذا ممكن من الثيّب ؛ لأنها لا يلحقها من الخجل والانقباض ما يلحق البكر . فلا يكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا . وأمّا ( تستأذن ) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها وإذنها بأي وجه كان ، من سكوت ، أو غيره ، ولا تُكلَّف النُّطْق ؛ ولذلك لما قال في حديث ابن عباس : ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) أشكل عليهم كيفية إذنها ، فسألوا فأجيبوا : بأنَّ إذنها أن تسكت . وهذا منه صلى الله عليه وسلم مراعاة لتمام صيانتها ، ولإبقاء حالة الاستحياء ، والانقباض عليها ، بأن ينظر لها في ذلك المحل ما هو أصون لها ، وأليق بها ، فإنها لو تكلمت تصريحًا لظن أن ذلك رغبة منها في الرجال . وهذا غير لائق بالبكر ، بل هو مُنْقِصٌ لها ، ومُزَهِّدٌ فيها ، بخلاف الثَّيب . وقد استحب علماؤنا أن تُعَرَّف البكر أن سكوتها محمول منها على الإذن ، ليكون ذلك زيادة في تعريفها ، وتنبيهًا لها على ما يخاف أن تجهله . وقد كان بعض من لقيناه من الفقهاء يقول لها بعد عرض الزوج والمهر عليها : إن كنتِ راضية فاصمتي ، وإن كنت كارهة فتكلَّمي . وهو تنبيه حسن .