حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب استئمار الثيب واستئذان البكر

) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها ( 1419 ) [1471] عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ . ( 7 ) ومن باب : استئمار الثيب ( قوله : الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها ) اتفق أهل اللغة على أن الأيِّم في الأصل : هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا .

ومنه قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ . تقول العرب : تَأَيَّمَت المرأة : إذا أقامت لا تتزوّج . ويقال : أيِّمٌ بَيِّنَةُ الأيْمَةِ ، وقد آمَتْ هي ، وإمْتُ أنا .

قال الشاعر : لقد إمْتُ حتى لامنِي كُلُّ صاحب رجاء بسَلْمَى أن تَئِيمَ كما إِمْتُ قال أبو عبيد : يقال : رجل أَيِّمٌ ، وامرأة أَيِّم . وأكثر ما يكون في النساء ، وهو كالمستعار في الرِّجال . قلت : والأيّم في هذا الحديث هي : الثَّيِّب ؛ بدليل الرواية المفسِّرة التي جعل فيها الثَّيب مكان الأيِّم ، وبدليل : أنها قوبل بها البكر ، وفُصِلَ بينهما ، فأُعْطيت كلُّ واحدة منهما حكمهما .

وهذا واضح جدًّا . وعليه : فلا مبالاة بما يقوله الكوفيون وزفر والشعبي في هذا الحديث ؛ من أنَّ المراد بالأيَّم : التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا . مستدلين به على أن الولي ليس بشرط في النكاح ، بل للمرأة أن تُنْكِح نفسها بغير ولي ، بكرًا كانت أو ثيبا إذا بلغت .

وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : ( أحق ) على العقد ؛ أي : أحقُّ من وليها بالعقد عليها . وهذا لا يصح ؛ لما ذكرناه ؛ ولأن مقصود الحديث بيانُ حكم الثَّيب والأبكار بالنسبة إلى سماع الإذن . فالثيب تُعْرِبُ عن نفسها ؛ أي : تنطق بنفسها مرادها ، ولا يُكتفَى منها بالسكوت .

والبكر يُكتفَى منها بالسكوت . فقوله : ( أحق بنفسها ) أي : تنطق بنفسها ، ولا ينطق الوليُّ عنها . ثم نقول : بل هذا الحديث حجة للجمهور في اشتراط الوليِّ ؛ بدليل صحة ما وقعتْ فيه المفاضلة .

وبيان ذلك : أنَّ ( أَفْعَلَ مِنْ كذا ) لا بدَّ فيها من اشتراك في شيء مما وقع فيه التفاضل ؛ فإنك إذا قلت : فلان أعلم من فلان . اقتضى ذلك اشتراكهما في أصل العلم ، وانفرد أحدهما بمزية فيه ؛ وكذلك قوله : ( أحق ) لا بدَّ فيه أنّ يشاركها الوليُّ في حَقِّيَّةٍ ما ، فإذًا : له مدخل . ثم وجدنا في الشريعة مواضع كثيرة تدلّ على أن ذلك المدخل هو شرط في صحة النكاح .

فمنها قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ووجه الاستدلال بها : أنه خطابٌ للأولياء والسَّادة بالعقد على من يكون عليهم ، وقد سَوَّى بينهما بالخطاب . فكما أنه لا ينعقد النكاح على أَمَةِ الغير إلا بولاية سيدها ، فكذلك لا ينعقد نكاح الحرَّة إلا بإذن وليّها ؛ ضرورة التسوية بين النوعين في حكم الخطاب . وهو واضح جدًّا .

ومنه قوله تعالى : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ والاستدلال بها من وجهين : أحدهما : نهيه عن العَضْل . فلولا أن له مدخلاً في الولاية لَمَا صح له العَضْل . وثانيهما : تعليقُ النَّهي عّن العَضْل على تراضي الأزواج بالمعروف .

فإنْ لم يتراضوا به فللولي العضل . وسيأتي الكلام على هذه الآية عند ذكر حديث معقل بن يسار ـ رضي الله عنه ـ وفيه : لما أنزل الله الآية قال معقل : الآن أفعل . فزوَّجها إيَّاه ، مع أنها كانت مدخولاً بها .

ومنها : الحديث الذي ذكره الدارقطني ، وصحّحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( لا تزوِّج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها ) . قال : هذا صحيح . ومنها : ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعًا ، قال : ( لا نكاح إلا بوليّ ) .

وفيه : عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل - ثلاث مرَّات - ، فإن دخل بها فالمهرُ لها بما أصاب منها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) . وهذه الأحاديث مشهورة صحيحة عند تحقيق النظر فيها . ولا يلتفت إلى شيء مما ذكر فيها ، كما ذكر من أن حديث عائشة تفرّد به سليمان بن موسى ؛ فإنه إمام ثقة ، وهو الأشدق ، ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه .

قال البزار : هو أحفظ من مكحول . وقال : هو أَجَلُّ من ابن جريج . وكما قيل عن ابن جريج : أنه سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره .

وهذا لا يلتفت إليه ؛ لأن هذه الحكاية أُنْكرت على ابن عليَّة ، وهو الذي أوردها ، ولو صحّتْ ، فلم ينكر ابن شهاب الحديث إنكار قطع بتكذيبه ، بل إنكار ناسٍ ، والراوي عنه ثقة جازم في الرواية ، فينبغي للزهري أن يقول : حدثني فلان عني بكذا ، كما قد حكي عنه : أنه قال في مثل هذا : حدثني مالك عني . وكل هذا نسيان ، وليس بدعًا في الإنسان . وبسط الكلام فيه في كتب الخلاف .

وكل ما ذكر أيضًا حجة على من قال : إن صحة عقد النكاح موقوفة على إجازة القاضي ، وبه قال الأوزاعي ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف . وأنَصُّ ما في الردّ على هؤلاء حديث معقل . و( قوله : والبكر تستأمر ) هكذا وقع في حديث ابن عباس ، وفي حديث أبي هريرة : ( الأيِّم تستأمر ، والبكر تستأذن ) وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس ؛ لأن ( تستأمر ) معناه : يُستدعى أمرها .

وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسَمَّى : أمرًا . وهذا ممكن من الثيّب ؛ لأنها لا يلحقها من الخجل والانقباض ما يلحق البكر . فلا يكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا .

وأمّا ( تستأذن ) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها وإذنها بأي وجه كان ، من سكوت ، أو غيره ، ولا تُكلَّف النُّطْق ؛ ولذلك لما قال في حديث ابن عباس : ( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) أشكل عليهم كيفية إذنها ، فسألوا فأجيبوا : بأنَّ إذنها أن تسكت . وهذا منه صلى الله عليه وسلم مراعاة لتمام صيانتها ، ولإبقاء حالة الاستحياء ، والانقباض عليها ، بأن ينظر لها في ذلك المحل ما هو أصون لها ، وأليق بها ، فإنها لو تكلمت تصريحًا لظن أن ذلك رغبة منها في الرجال . وهذا غير لائق بالبكر ، بل هو مُنْقِصٌ لها ، ومُزَهِّدٌ فيها ، بخلاف الثَّيب .

وقد استحب علماؤنا أن تُعَرَّف البكر أن سكوتها محمول منها على الإذن ، ليكون ذلك زيادة في تعريفها ، وتنبيهًا لها على ما يخاف أن تجهله . وقد كان بعض من لقيناه من الفقهاء يقول لها بعد عرض الزوج والمهر عليها : إن كنتِ راضية فاصمتي ، وإن كنت كارهة فتكلَّمي . وهو تنبيه حسن .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث