[69] 1422 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ سِنِينَ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ . قَالَتْ : فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْرًا فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً ، فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي ، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ : هَهْ هَهْ حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي ، فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَ : عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ . ( 10 ) باب جواز تزويج الأب البكر الصغيرة فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : ( تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ سِنِينَ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ ) هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَزْوِيجِ الْأَبِ الصَّغِيرَةَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا إِذْنَ لَهَا ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَنَا ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي بَسْطُ الِاخْتِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِهِ ابِنْتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِذَا بَلَغَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي فَسْخِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ . أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورِ قَالُوا : فَإِنْ زَوَّجَهَا لَمْ يَصِحَّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ : يَجُوزُ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَيَصِحُّ وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فَقَالَ : لَا خِيَارَ لَهَا . وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يُزَوِّجُهَا ، وَجَوَّزَ شُرَيْحٌ وَعُرْوَةُ وَحَمَّادٌ لَهُ تَزْوِيجَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا : وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يُزَوِّجَ الْأَبُ وَالْجَدُّ الْبِكْرَ حَتَّى تَبْلُغَ ، وَيَسْتَأْذِنُهَا لِئَلَّا يُوقِعَهَا فِي أَسْرِ الزَّوْجِ وَهِيَ كَارِهَةٌ ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ يَخَافُ فَوْتَهَا بِالتَّأْخِيرِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ ، فَيُسْتَحَبُّ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ مَأْمُورٌ بِمَصْلَحَةِ وَلَدِهِ فَلَا يُفَوِّتُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا وَقْتُ زِفَافِ الصَّغِيرَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَالدُّخُولُ بِهَا فَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ عَلَى شَيْءٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ عُمِلَ بِهِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ : تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ دُونَ غَيْرِهَا . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : حَدُّ ذَلِكَ أَنْ تُطِيقَ الْجِمَاعَ ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِهِنَّ ، وَلَا يُضْبَطُ بِسِنٍّ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تَحْدِيدٌ ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِيمَنْ أَطَاقَتْهُ قَبْلَ تِسْعٍ ، وَلَا الْإِذْنُ فِيهِ لِمَنْ لَمْ تُطِقْهُ وَقَدْ بَلَغَتْ تِسْعًا . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَكَانَتْ قَدْ شَبَّتْ شَبَابًا حَسَنًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَأَمَّا قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ : ( تَزَوَّجَنِي وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ ) ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ( بِنْتُ سِتٍّ ) فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتٌّ وَكَسْرٌ فَفِي رِوَايَةٍ اقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَدَّتِ السَّنَةَ الَّتِي دَخَّلَتْ فِيهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ هَذَا ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ ، وَمِثْلُ هَذَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقْتَصِرْ مُسْلِمٌ عَلَيْهِ ، بَلْ ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لِغَيْرِهِ . قَوْلُهَا : ( فَوُعِكْتُ شَهْرًا فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً ) الْوَعَكُ أَلَمُ الْحُمَّى ، وَ ( وَفَى ) أَيْ كَمُلَ ، وَ ( جُمَيْمَةً ) تَصْغِيرُ ( جُمَّةٍ ) وَهِيَ : الشَّعْرُ النَّازِلُ إِلَى الْأُذُنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا أَيْ صَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ بِالْمَرَضِ . قَوْلُهَا : ( فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ ) ( أُمُّ رُومَانَ ) هِيَ أُمُّ عَائِشَةَ ، وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ ضَمَّ الرَّاءِ وَفَتْحَهَا ، وَرَجَّحَ الْفَتْحَ وَلَيْسَ هُوَ بِرَاجِحٍ . وَ ( الْأُرْجُوحَةُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ هِيَ خَشَبَةٌ يَلْعَبُ عَلَيْهَا الصِّبْيَانُ وَالْجَوَارِي الصِّغَارُ ، يَكُونُ وَسَطُهَا عَلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ ، وَيَجْلِسُونَ عَلَى طَرَفِهَا وَيُحَرِّكُونَهَا فَيَرْتَفِعُ جَانِبٌ مِنْهَا وَيَنْزِلُ جَانِبٌ . قَوْلُهَا : ( فَقُلْتُ : هَهْ هَهْ حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ هَذِهِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمَبْهُورُ حَتَّى يَتَرَاجَعَ إِلَى حَالِ سُكُونِهِ ، وَهِيَ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ الثَّانِيَةِ فَهِيَ هَاءُ السَّكْتِ . قَوْلُهَا : ( فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَ : عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ ) ( النِّسْوَةُ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَ ( الطَّائِرُ ) الْحَظُّ يُطْلَقُ عَلَى الْحَظِّ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَلَى أَفْضَلِ حَظٍّ وَبَرَكَةٍ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : " بَارَكَ اللَّهُ لَكَ " . قَوْلُهَا : ( فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَنْظِيفِ الْعَرُوسِ وَتَزْيِينِهَا لِزَوْجِهَا ، وَاسْتِحْبَابُ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِعْلَانَ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُن يُؤَانِسْنَهَا وَيُؤَدِّبْنَهَا وَيُعَلِّمْنَهَا آدَابَهَا حَالَ الزِّفَافِ وَحَالَ لِقَائِهَا الزَّوْجَ . قَوْلُهَا : ( فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى ، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ ) أَيْ لَمْ يَفْجَأْنِي وَيَأْتِنِي بَغْتَةً إِلَّا هَذَا . وَفِيهِ جَوَازُ الزِّفَافِ وَالدُّخُولِ بِالْعَرُوسِ نَهَارًا ، وَهُوَ جَائِزٌ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي الدُّخُولِ نَهَارًا ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ بَابًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جواز تزويج الأب البكر الصغيرة · ص 549 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب استئمار الثيب واستئذان البكر · ص 120 ( 1422 ) ( 69 ) [1473] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ سِنِينَ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ . قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوُعِكْتُ شَهْرًا ، فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً ، فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ ، وَمَعِي صَوَاحِبِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا ، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ ، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي ، وَأَصْلَحْنَنِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى ، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ . وقول عائشة رضي الله عنها : ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لستِّ سنين ) . وفي الرواية الأخرى : وهي بنت سبع سنين . ظاهر هاتين الروايتين الاختلاف . فيمكن أن يقال : إن ذلك تقدير لا تحقيق ، ويمكن أن يقال : إن ذلك كان في أوائل السنة السابعة . فيكون معنى قولها : ( لست سنين ) انقضت . و( قولها : وهي بنت سبع سنين ) أي : هي فيها ، والله تعالى أعلم . وهذا الحديث مستند الإجماع على أن الأب يجبر البكر الصغيرة على النكاح . وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملك حلَّ العقد عن نفسها ، فلأن يجوز في الصغير ؛ الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى وأولى . وما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك والشافعي ، وفقهاء أهل الحجاز . وأمَّا أهل العراق فقالوا : لها الخيار إذا بلغت ، إلا أبا يوسف ، فإنه قال : لا خيار لها . ثم اختلفوا في غير الأب ، من وليٍّ أو وصيٍّ ، هل له أن يجبر أم لا ؟ فمنع الجمهور ذلك ؛ غير أن الشافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب ، وغير ما روي عن مالك في الوصي على الإنكاح : أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي حكاه الخطَّابي عن مالك ، وعن حمَّاد بن أبي سلمة ، وقاله شريح ، وعروة بن الزبير . والمشهور عن مالك المنع من ذلك . وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والأوزاعي ، وجماعة من السلف بجواز ذلك . وليس بصحيح ؛ لما يختصّ به الأب من فرط الشَّفقة ، والاجتهاد في ابتغاء المصلحة ، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجد في غيره غالبًا . ويكفي هذا فارقًا مانعًا من الإلحاق . و( قولها : ( وبنى بي وأنا بنت تسع سنين ) ذهبت طائفة إلى أن بلوغ المرأة إلى تسعٍ يوجب إجبارها على الدخول إذا طلبه الزوج . وبه قال أحمد وأبو عبيد . وقال مالك وأبو حنيفة : حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل ، فإن لم تطق ؛ لم يُمَكَّن الزوج منها ، وإن بلغت التسع . وقال الشافعي : حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل ، وتقارب البلوغ . وحكم إلزام الزوج النفقة حكم الجبر ، فمتى أجبرناها على الدخول ألزمناه لها النفقة . قال الدَّاودي : وكانت رضي الله عنها قد شبّت شبابًا حسنًا . و( قولها : ( فقدمنا المدينة فَوُعِكْتُ شهرًا ) أي : مرضت بالحمَّى ، وكان هذا في أوّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وعك فيه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقبل أن يَدْعُوُ النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة بأن يصحِّحها ، وينقل حُمَّاها إلى الْجُحْفَة ، فلمّا دعا ؛ فعل الله ذلك . و( قولها : ( فوفى شعري جُمَيْمَة ) أي : بلغ إلى أن صار جُمَّةً صغيرة . وقد تقدم : أنَّ ( الجمَّة ) إلى شحمة الأذن و( اللمَّة ) للمنكب . وفي كلامها حذف ، وتقديره : فوُعِكْتُ ؛ فسقط شعري ، ثم بَرِئْتُ فوفى جُميمةً . و( قوله : فأتتني أُمَّ رُومان ) أم رُومان - بضم الراء المهملة ، ويقال بفتحها ، والأول أشهر - ، واسمها : زينب بنت عامر الكنانية ، وهي زوج أبي بكر الصديق وأم ولديه : عبد الرحمن ، وعائشة . أسلمت وهاجرت ، وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها ، واستغفر لها . و( الأرجوحة ) : خشبة يَرْكَبُ على طرفيها صغيران ، فيترجح أحدهما على الآخر تارة ، والآخر أخرى . ويقال : الأرجوحة : حبل يُعَلَّق ، فيركبه الصبيان ، يلعبون عليه . قاله شيخنا المنذري الشافعي . و( صَرَخَتْ بِي ) أي : صاحتْ صياحًا مُزعِجًا . و( قولها : ( فقلت : هه ، هه ) هي حكاية عن صوت المنْبَهِر ؛ الذي ضاق نَفَسه ، وذلك أنَّها كانت تترجح ، ثم إنها صِيح بها صياحًا مزعجًا ، فأتت مسرعة ، فضاق نفسها لذلك ، وانبهرت . ولذلك قالت : ( حتى ذهب نفسي ) وهو بفتح الفاء ، وقد أخطأ من سكَّنها . وقول النساء : ( على الخير والبركة ) هو نحو مِمَّا روي من حديث معاذ : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه ، فقال : ( على الألفة والخير والطائر الميمون ) . وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن عوف : ( بارك الله لك ) . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بارك الله لكم وعليكم ) . قلت : وهذه أدعية ، والدُّعاء كلُّه حسن ، غير أن الدُّعاء بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم أولى ، ولذلك كره بعضهم قول العرب : بالرفاء والبنين . وقولهن : على خير طائر . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعلى الطائر الميمون ) على جهة التفاؤل الحسن ، والكلام الطيب ، وليس هذا من قبيل الطيرة المنهي عنها ؛ التي قال فيها صلى الله عليه وسلم : ( لا طيرة ، وخيرها الفأل ) . وقد ذكرنا أصل هذه اللفظة وحكمها في كتاب الإيمان . و ( قولها : فلم يَرُعْنِي ) أي : لم يُفْزِعني . والرَّوع : الفَزَع . وهو مستعملٌ في كلِّ أمر يطرأ على الإنسان فجأة من خير أو شرٍّ ؛ فيرتاع لفجأته .