[76] 1425 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا . فَقَالَ : فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا ، فَقَالَ : تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتكهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ فِي اللَّفْظِ . [77] وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ : انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ . ( 13 ) بَاب الصَّدَاقِ وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَاسْتِحْبَابِ كَوْنِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَنْ لَا يُجْحِفُ بِهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ) يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ ، هُوَ الْقَارِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ . قَوْلُهَا : ( جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ) مَعَ سُكُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِيهِ : دَلِيلٌ لِجَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نِكَاحَهَا لَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا : فَهَذِهِ الْآيَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلَانِ لِذَلِكَ ، فَإِذَا وَهَبَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَهْرُهَا بِالدُّخُولِ ، وَلَا بِالْوَفَاةِ ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو نِكَاحُهُ وُجُوبُ مَهْرٍ إِمَّا مُسَمًّى ، وَإِمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ . وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدُهُمَا : يَنْعَقِدُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي : لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، بَلْ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الْإِنْكَاحِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ ، وَيَحْمِلُ هَذَا الْقَائِلُ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهِبَةِ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لِأَجْلِ الْعَقْدِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْعَقِدُ نِكَاحُ كُلِّ أَحَدٍ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَبِمِثْلِ مَذْهَبِنَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَكَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ إِذَا قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ سَوَاءٌ ذَكَرَ الصَّدَاقَ أَمْ لَا ، وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ . وَمِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَنْ صَحَّحَهُ بِلَفْظِ الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . قَوْلُهُ : ( فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ ) أَمَّا ( صَعَّدَ ) فَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ رَفَعَ ، وَأَمَّا ( صَوَّبَ ) فَبِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ خَفَضَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ النَّظَرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَأَمُّلِهِ إِيَّاهَا . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِيَتَزَوَّجَهَا . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ حَاجَةٌ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهَا أَنْ يَسْكُتَ سُكُوتًا يَفْهَمُ السَّائِلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخْجِلُهُ بِالْمَنْعِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْفَهْمُ إِلَّا بِصَرِيحِ الْمَنْعِ فَيُصَرِّحُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ هَلْ هِيَ فِي عِدَّةٍ أَمْ لَا ؟ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ . قَالَ : وَعَادَةُ الْحُكَّامِ يَبْحَثُونَ عَنْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا . قُلْتُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُزَوِّجُ الْقَاضِي مَنْ جَاءَتْهُ لِطَلَبِ الزَّوَاجِ حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ ، وَلَيْسَتْ فِي زَوْجِيَّةٍ وَلَا عِدَّةٍ . فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هَذَا شَرْطٌ وَاجِبٌ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( انْظُرْ وَلَوْ خَاتَم مِنْ حَدِيدٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( خَاتَمًا ) وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا أَيْ وَلَوْ حَضَرَ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ إِلَّا بِصَدَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ ، وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَوْ حَصَلَ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَجِبْ صَدَاقٌ ، بَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ ، فَلَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِلَا صَدَاقٍ صَحَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ ، ثُمَّ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ . وَهَلْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ أَمْ بِالدُّخُولِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا بِالدُّخُولِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا مِمَّا يُتَمَوَّلُ إِذَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ ؛ لِأَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْقِلَّةِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُدُ ، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالْبَصَرِيِّينِ وَالْكُوفِيِّين وَالشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ مَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، كَالسَّوْطِ وَالنَّعْلِ وَخَاتَمِ الْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ كَنِصَابِ السَّرِقَةِ . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ أَقَلُّهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ اعْتِبَارًا بِنِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ عِنْدَهُمَا . وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا . وَقَالَ مَرَّةً : عَشَرَةً . وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ سِوَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ حَكَاهُ الْقَاضِي . وَلِأَصْحَابِنَا فِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَم مِنْ حَدِيدٍ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ، لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَهَذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِيُؤَكِّدَ قَوْلَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ وَتَزَوُّجِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنَّ هَذَا إِزَارِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى نَظَرِ كَبِيرِ الْقَوْمِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَا فِيهِ الرِّفْقُ بِهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الرَّجُلِ ثَوْبَ امْرَأَتِهِ إِذَا رَضِيَتْ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رِضَاهَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ( مُلِّكْتَهَا ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( مَلَّكْتُكَهَا ) بِكَافَيْنِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( زَوَّجْتُكَهَا ) . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ( مُلِّكْتَهَا ) وَهَمٌ . قَالَ : وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ( زَوَّجْتُكَهَا ) . قَالَ : وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ اللَّفْظَيْنِ ، وَيَكُونُ جَرَى لَفْظُ التَّزْوِيجِ أَوَّلًا ( فَمُلِّكَهَا ) . ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَقَدْ ( مُلِّكْتَهَا ) بِالتَّزْوِيجِ السَّابِقِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ كَوْنِ الصَّدَاقِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ ، وَجَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ " يَرُدَّانِ قَوْلَ مَنْ مَنْعَ ذَلِكَ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الصَّدَاقِ وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ · ص 553 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في اشتراط الصَّداق في النكاح · ص 127 ( 9 ) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع ( 1425 ) [1477] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التمس وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي . قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا . قَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . وفي رواية قَالَ: انْطلق فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا ، فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ . ( 9 ) ومن باب : اشتراط الصَّداق في النكاح هذه الترجمة يدلُّ على صحتها قوله تعالى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً وقوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ وقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا الآية . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : ( هل عندك شيء تصدقه إيَّاها ؟ ) إلى قوله : ( التمس ولو خاتَمًا من حديد ) . ولا اختلاف في اشتراطه ؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله ، وفي نوعه على ما يأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى . و( قولها : جئت أهب لك نفسي ) أي : أُحكِّمُك فيها من غير عوضٍ . وكأنَّ هذه المرأة فهمت جواز ذلك من قوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ وقد ذهب معظم العلماء : إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله تعالى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وقد دلَّ على هذا المعنى من هذا الحديث قول الرُّجُل للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لم يكن لك حاجة بها زوّجنيها ) . ولم يقل : هَبْهَا لي . واختلفوا في النكاح : هل ينعقد بلفظ الهبة ، ويكون فيه صداق المثل ، أو لا ينعقد بها وإن سمى فيه مهرًا ؟ وإلى الأول ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والجمهور . وبالثاني قال الشافعي . و( قوله : فصعَّد النظر فيها ، وصوَّبه ، ثم طأطأ رأسه ) أي : نظر أعلاها ، وأسفلها مرارًا . و( طأطأ ) أي : خفض وأَطْرق . وهذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة ، وتأمُّله ما لاح من محاسنها ؛ لكن وعليها ثيابها ، كما قال مالك . و( قوله : التمس ولو خاتَمًا من حديد ) تمسَّك به من لم ير للصَّداق حدًّا . وهم جَمْعٌ كثير من الحجازيين ، والشاميين ؛ قالوا : يجوز النكاح بكل ما تراضى به الزوجان ، أو مَن العقدُ إليه ، مما فيه منفعة ، كالسَّوط ، والنعل ، ونحوه . وبعضهم قال : بما له بال . وقالت طائفة أخرى : لا بُدَّ أن يكون أقله محدودًا . وحملوه على أقل ما تقطع فيه يد السَّارق ، وعلى الطريقة القياسية . وتحريرها : أن يقال : عضو آدمي مُحْتَرَم . فلا يُستباح بأقل من كذا . قياسًا على يد السارق . ويمكن أن يكون تحريره على وجه آخر . وتوجيه الاعتراضات عليه والانفصالات ، مذكور في مسائل الخلاف . غير أن هؤلاء اختلفوا في أقل ما تُقطع فيه يد السَّارق ، فاختلفت لذلك مذاهبهم هنا . فذهب مالك : إلى أن أقل ذلك ربع دينار من الذهب ، أو ثلاثة دراهم من الورق . وقال ابن شبرمة : أقل ذلك خمسة دراهم . وقال أبو حنيفة : أقله عشرة دراهم . وكذلك قال النخعي في أحد قوليه ، وفي آخر : كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا . وقد اعتذر بعض المالكية عن قوله صلى الله عليه وسلم : ( التمس ولو خاتَمًا من حديد ) بأوجه : أحدها : بأن ذلك على جهة الإغياء والمبالغة ، كما قال : ( تصدقوا ولو بظلف محرق ) . وفي أخرى : ( ولو بفرسن شاة ) وليس الظلف والفرسن مما ينتفع به ، ولا يتصَّدق به . ومثل هذا كثير . وثانيها : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا ؛ لأن الصُنَّاع عندهم قليل . وثالثها : أنَّ أَمْرَهُ بالتماس الخاتم لعلَّه لم يكن ليكون كلَّ الصداق ، بل ليُعَجّلَهُ لها قبل الدّخول . والذي حمل أصحابنا على تأويل هذا الحديث قوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ والدرهم ، وأقل منه تافه لا يُقال عليه مالٌ عُرْفًا ، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : ( لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التافه ) وإن كان يقال على من أخذه خفية : سارق . وهي التي قالت : ( لم تكن يد السَّارق تقطع في أقل من ثلاثة دراهم ) . ففرَّقت بين التافه وغير التافه بهذا المقدار . وهي أعرفهم بالمقال ، وأقعدهم بالحال . و( الإزار ) : ثوب يُشَدُّ على الوسط . و( الرداء ) : ما يُجعل على الكتفين . و( اللحاف ) : ما يُلْحَفُ به جميع الجسد . و( قول سهل : ما له رداء ، فلها نصفه ) ظاهره : لو كان له رداء لَشَرَكَها النبي صلى الله عليه وسلم فيه . وهذا في وَجْه لزومه بُعْدٌ ؛ إذ ليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا في كلام الرَّجل ما يدلّ على شيء من ذلك . ويمكن أن يقال : إن مُراد سهل : أنَّه لو كان عليه رداء مضافًا إلى الإزار ؛ لكان للمرأة نصف ما عليه ؛ الذي هو إمَّا الرداء ، وإمَّا الإزار . ألا ترى تعليله منع إعطاء الإزار بقوله : ( إن لبِسْتَه لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء ) فكأنه قال : لو كان لك ثوبٌ تنفرد أنت بلبسه ، وثوبٌ آخر تأخذه هي ، تنفرد بلبسه لكان لها أَخْذُهُ ، فأمَّا إذا لم يكن ذلك فلا . وفيه ما يدل على أن المهر الأولى فيه أن يكون معجلاً مقبوضًا ، وهو الأولى عند العلماء باتفاق . ويجوز أن يكون مؤخَّرًا على ما يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمها ) . فإنه قد انعقد النكاح ، وتأخر المهر الذي هو التعليم . وهذا على الظاهر من قوله : ( بما معك من القرآن ) . فإنَّ الباء للعِوض ، كما تقول : خُذْ هذا بهذا ؛ أي : عوضًا عنه . و( قوله : علِّمها ) نصٌّ في الأمر بالتعليم . والْمَسَاقُ يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح . ولا يُلتفت لقول من قال : إن ذلك كان إكرامًا للرَّجل بما حفظه من القرآن ؛ فإن الحديث يُصَرِّح بخلافه . وقول المخالف : إن الباء بمعنى اللام ، ليس بصحيح لغةً ، ولا مساقًا . وكذلك لا يُعَوّل على قول الطحاوي والأبهري : إنَّ ذلك كان مخصوصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما كان مخصوصًا بجواز الهبة في النكاح لأمور : أحدها : مساق الحديث . وهو شاهد لنفي الخصوصية . وثانيها : قول الرَّجُل : زوجنيها ، ولم يقل : هبها لي . وثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( اذهب ، فقد زوجتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمها ) . ورابعها : إن الأصل التمسُّك بنفي الخصوصية في الأحكام . وفي هذا الحديث من الفقه : جواز اتخاذ خاتم الحديد . وقد أجازه بعض السلف ، ومنعه آخرون لقوله صلى الله عليه وسلم فيه : ( حلية أهل النار ) . ورأوا أن المنع هو المتأخر عن الإباحة . وفيه ما يدلّ على جواز كون الصَّداق منافع . وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، والحسن بن حَيٍّ ، ومالك في أحد قوليه . وكرهه أحمد ، ومالك في القول الثاني . ومنعه أبو حنيفة في الْحُرِّ ، وأجازه في العبد ، إلا أن تكون الإجارة تعليم القرآن ، فلا يجوز بناءً على أصله في : أنَّ تعليم القرآن لا يؤخذ عليه أجر . والجمهور على جواز ذلك . أعني : على جواز كون الصَّداق منافع . وهذا الحديث ردٌّ على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجر على تعليم القرآن . ويردُّ عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) ) . وسيأتي . وقول الرَّجُل : معي سورة كذا ، وسورة كذا ) عدَّدَها . فقال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمْها ) يدلُّ على أن القَدْر الذي انعقد به النكاح من التعليم معلومٌ ؛ لأن قوله : ( بما معك ) معناه : بالذي معك . وهي السور المعدَّدة المحفوظة عنده التي نصَّ على أسمائها . وقد تعيَّنت المنفعة ، وصَحَّ كونها صداقًا ، وليس فيه جهالة . وقد روى هذا النسائي من طريق عِسْلِ بن سفيان ، وهو ضعيف . وذكر فيه : ( فعلِّمها عشرين آية ) . وهذا نصٌّ في التحديد ، غير أن الصحيح ما تقدَّم . و( قوله : فقد ملكتكها ) وفي الرواية الأخرى : ( زوّجتكها ) . وقع في مختصر شيخنا المنذري لكتاب مسلم : ( اذهب فقد ملكتها ) قال : وروي : ( مُلِّكْتَهَا ) وروي : ( ملكتكها ) وروي : ( زوجتكها ) . قال أبو الحسن الدارقطني : رواية من قال : ( ملكتها ) وَهْمٌ ، ورواية من قال : ( زوجتكها ) الصواب . وَهُمْ أكثرُ وأحفظُ . وقال غيره : ( مَلَّكْتُكَهَا ) : كلمة عَبَّر بها الراوي عن : زَوَّجْتُكَهَا . وقد رواه جماعة فقالوا : ( زوجتكها ) دليلٌ على أنَّ كل صيغةٍ تقتضي التمليك مطلقا تجوز عقد النكاح عليها ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وحاصل مذهب مالك . قال ابن القصَّار : يصح النكاح بلفظ الهبة ، والصَّدقة ، والبيع إذا قصد به النكاح ، ولا يصحّ بلفظ الرَّهن ، والإجارة والعارية ، والوصية . ومن أصحابنا من أجازه بلفظ الإحلال ، والإباحة ، ومنعه آخرون ؛ إذ لا يدلاَّن على عَقْدٍ . وأصل مذهب الشافعي : أنَّه لا يجوز بغير لفظ النكاح والتَّزويج . ويردّ عليه قوله في هذا الحديث ، في رواية مَنْ روى : ( ملكتكها ) وهي صحيحة . وفي بعض طرق البخاري : ( فقد أمكنَّاكها ) . و( قوله : فعَلِّمْها من القرآن ) يعني به : السُّور التي عدَّدها له ، وأخبره أنه يحفظها ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى : ( بما معك من القرآن ) والله تعالى أعلم .