باب في اشتراط الصَّداق في النكاح
) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع ( 1425 ) [1477] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التمس وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي . قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا . قَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ .
قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . وفي رواية قَالَ: انْطلق فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا ، فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ . ( 9 ) ومن باب : اشتراط الصَّداق في النكاح هذه الترجمة يدلُّ على صحتها قوله تعالى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً وقوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ وقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا الآية .
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : ( هل عندك شيء تصدقه إيَّاها ؟ ) إلى قوله : ( التمس ولو خاتَمًا من حديد ) . ولا اختلاف في اشتراطه ؛ وإن اختلفوا في مقدار أصله ، وفي نوعه على ما يأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى . و( قولها : جئت أهب لك نفسي ) أي : أُحكِّمُك فيها من غير عوضٍ .
وكأنَّ هذه المرأة فهمت جواز ذلك من قوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ وقد ذهب معظم العلماء : إلى أنَّ ذلك مخصوصٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لقوله تعالى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وقد دلَّ على هذا المعنى من هذا الحديث قول الرُّجُل للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لم يكن لك حاجة بها زوّجنيها ) . ولم يقل : هَبْهَا لي . واختلفوا في النكاح : هل ينعقد بلفظ الهبة ، ويكون فيه صداق المثل ، أو لا ينعقد بها وإن سمى فيه مهرًا ؟ وإلى الأول ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والجمهور .
وبالثاني قال الشافعي . و( قوله : فصعَّد النظر فيها ، وصوَّبه ، ثم طأطأ رأسه ) أي : نظر أعلاها ، وأسفلها مرارًا . و( طأطأ ) أي : خفض وأَطْرق .
وهذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة ، وتأمُّله ما لاح من محاسنها ؛ لكن وعليها ثيابها ، كما قال مالك . و( قوله : التمس ولو خاتَمًا من حديد ) تمسَّك به من لم ير للصَّداق حدًّا . وهم جَمْعٌ كثير من الحجازيين ، والشاميين ؛ قالوا : يجوز النكاح بكل ما تراضى به الزوجان ، أو مَن العقدُ إليه ، مما فيه منفعة ، كالسَّوط ، والنعل ، ونحوه .
وبعضهم قال : بما له بال . وقالت طائفة أخرى : لا بُدَّ أن يكون أقله محدودًا . وحملوه على أقل ما تقطع فيه يد السَّارق ، وعلى الطريقة القياسية .
وتحريرها : أن يقال : عضو آدمي مُحْتَرَم . فلا يُستباح بأقل من كذا . قياسًا على يد السارق .
ويمكن أن يكون تحريره على وجه آخر . وتوجيه الاعتراضات عليه والانفصالات ، مذكور في مسائل الخلاف . غير أن هؤلاء اختلفوا في أقل ما تُقطع فيه يد السَّارق ، فاختلفت لذلك مذاهبهم هنا .
فذهب مالك : إلى أن أقل ذلك ربع دينار من الذهب ، أو ثلاثة دراهم من الورق . وقال ابن شبرمة : أقل ذلك خمسة دراهم . وقال أبو حنيفة : أقله عشرة دراهم .
وكذلك قال النخعي في أحد قوليه ، وفي آخر : كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا . وقد اعتذر بعض المالكية عن قوله صلى الله عليه وسلم : ( التمس ولو خاتَمًا من حديد ) بأوجه : أحدها : بأن ذلك على جهة الإغياء والمبالغة ، كما قال : ( تصدقوا ولو بظلف محرق ) . وفي أخرى : ( ولو بفرسن شاة ) وليس الظلف والفرسن مما ينتفع به ، ولا يتصَّدق به .
ومثل هذا كثير . وثانيها : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدًا ؛ لأن الصُنَّاع عندهم قليل . وثالثها : أنَّ أَمْرَهُ بالتماس الخاتم لعلَّه لم يكن ليكون كلَّ الصداق ، بل ليُعَجّلَهُ لها قبل الدّخول .
والذي حمل أصحابنا على تأويل هذا الحديث قوله تعالى : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ والدرهم ، وأقل منه تافه لا يُقال عليه مالٌ عُرْفًا ، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : ( لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التافه ) وإن كان يقال على من أخذه خفية : سارق . وهي التي قالت : ( لم تكن يد السَّارق تقطع في أقل من ثلاثة دراهم ) . ففرَّقت بين التافه وغير التافه بهذا المقدار .
وهي أعرفهم بالمقال ، وأقعدهم بالحال . و( الإزار ) : ثوب يُشَدُّ على الوسط . و( الرداء ) : ما يُجعل على الكتفين .
و( اللحاف ) : ما يُلْحَفُ به جميع الجسد . و( قول سهل : ما له رداء ، فلها نصفه ) ظاهره : لو كان له رداء لَشَرَكَها النبي صلى الله عليه وسلم فيه . وهذا في وَجْه لزومه بُعْدٌ ؛ إذ ليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا في كلام الرَّجل ما يدلّ على شيء من ذلك .
ويمكن أن يقال : إن مُراد سهل : أنَّه لو كان عليه رداء مضافًا إلى الإزار ؛ لكان للمرأة نصف ما عليه ؛ الذي هو إمَّا الرداء ، وإمَّا الإزار . ألا ترى تعليله منع إعطاء الإزار بقوله : ( إن لبِسْتَه لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء ) فكأنه قال : لو كان لك ثوبٌ تنفرد أنت بلبسه ، وثوبٌ آخر تأخذه هي ، تنفرد بلبسه لكان لها أَخْذُهُ ، فأمَّا إذا لم يكن ذلك فلا . وفيه ما يدل على أن المهر الأولى فيه أن يكون معجلاً مقبوضًا ، وهو الأولى عند العلماء باتفاق .
ويجوز أن يكون مؤخَّرًا على ما يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمها ) . فإنه قد انعقد النكاح ، وتأخر المهر الذي هو التعليم . وهذا على الظاهر من قوله : ( بما معك من القرآن ) .
فإنَّ الباء للعِوض ، كما تقول : خُذْ هذا بهذا ؛ أي : عوضًا عنه . و( قوله : علِّمها ) نصٌّ في الأمر بالتعليم . والْمَسَاقُ يشهد بأنَّ ذلك لأجل النكاح .
ولا يُلتفت لقول من قال : إن ذلك كان إكرامًا للرَّجل بما حفظه من القرآن ؛ فإن الحديث يُصَرِّح بخلافه . وقول المخالف : إن الباء بمعنى اللام ، ليس بصحيح لغةً ، ولا مساقًا . وكذلك لا يُعَوّل على قول الطحاوي والأبهري : إنَّ ذلك كان مخصوصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما كان مخصوصًا بجواز الهبة في النكاح لأمور : أحدها : مساق الحديث .
وهو شاهد لنفي الخصوصية . وثانيها : قول الرَّجُل : زوجنيها ، ولم يقل : هبها لي . وثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم : ( اذهب ، فقد زوجتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمها ) .
ورابعها : إن الأصل التمسُّك بنفي الخصوصية في الأحكام . وفي هذا الحديث من الفقه : جواز اتخاذ خاتم الحديد . وقد أجازه بعض السلف ، ومنعه آخرون لقوله صلى الله عليه وسلم فيه : ( حلية أهل النار ) .
ورأوا أن المنع هو المتأخر عن الإباحة . وفيه ما يدلّ على جواز كون الصَّداق منافع . وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، والحسن بن حَيٍّ ، ومالك في أحد قوليه .
وكرهه أحمد ، ومالك في القول الثاني . ومنعه أبو حنيفة في الْحُرِّ ، وأجازه في العبد ، إلا أن تكون الإجارة تعليم القرآن ، فلا يجوز بناءً على أصله في : أنَّ تعليم القرآن لا يؤخذ عليه أجر . والجمهور على جواز ذلك .
أعني : على جواز كون الصَّداق منافع . وهذا الحديث ردٌّ على أبي حنيفة في منعه أخذ الأجر على تعليم القرآن . ويردُّ عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) ) .
وسيأتي . وقول الرَّجُل : معي سورة كذا ، وسورة كذا ) عدَّدَها . فقال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ، فعلِّمْها ) يدلُّ على أن القَدْر الذي انعقد به النكاح من التعليم معلومٌ ؛ لأن قوله : ( بما معك ) معناه : بالذي معك .
وهي السور المعدَّدة المحفوظة عنده التي نصَّ على أسمائها . وقد تعيَّنت المنفعة ، وصَحَّ كونها صداقًا ، وليس فيه جهالة . وقد روى هذا النسائي من طريق عِسْلِ بن سفيان ، وهو ضعيف .
وذكر فيه : ( فعلِّمها عشرين آية ) . وهذا نصٌّ في التحديد ، غير أن الصحيح ما تقدَّم . و( قوله : فقد ملكتكها ) وفي الرواية الأخرى : ( زوّجتكها ) .
وقع في مختصر شيخنا المنذري لكتاب مسلم : ( اذهب فقد ملكتها ) قال : وروي : ( مُلِّكْتَهَا ) وروي : ( ملكتكها ) وروي : ( زوجتكها ) . قال أبو الحسن الدارقطني : رواية من قال : ( ملكتها ) وَهْمٌ ، ورواية من قال : ( زوجتكها ) الصواب . وَهُمْ أكثرُ وأحفظُ .
وقال غيره : ( مَلَّكْتُكَهَا ) : كلمة عَبَّر بها الراوي عن : زَوَّجْتُكَهَا . وقد رواه جماعة فقالوا : ( زوجتكها ) دليلٌ على أنَّ كل صيغةٍ تقتضي التمليك مطلقا تجوز عقد النكاح عليها ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وحاصل مذهب مالك . قال ابن القصَّار : يصح النكاح بلفظ الهبة ، والصَّدقة ، والبيع إذا قصد به النكاح ، ولا يصحّ بلفظ الرَّهن ، والإجارة والعارية ، والوصية .
ومن أصحابنا من أجازه بلفظ الإحلال ، والإباحة ، ومنعه آخرون ؛ إذ لا يدلاَّن على عَقْدٍ . وأصل مذهب الشافعي : أنَّه لا يجوز بغير لفظ النكاح والتَّزويج . ويردّ عليه قوله في هذا الحديث ، في رواية مَنْ روى : ( ملكتكها ) وهي صحيحة .
وفي بعض طرق البخاري : ( فقد أمكنَّاكها ) . و( قوله : فعَلِّمْها من القرآن ) يعني به : السُّور التي عدَّدها له ، وأخبره أنه يحفظها ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى : ( بما معك من القرآن ) والله تعالى أعلم .