[ 12 ] 1690 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي ، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ . ، ، ( 3 - 7 ) بَاب حَدِّ الزِّنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) فَإِشَارةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَلِكَ السَّبِيلُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ : هِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لَهَا ، وَقِيلَ : مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ ، وَقِيلَ : إِنَّ آيَةَ النُّورِ فِي الْبِكْرَيْنِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الثَّيِّبَيْنِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ جَلْدِ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةً ، وَرَجْمِ الْمُحْصَنِ وَهُوَ الثَّيِّبُ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، إِلَّا مَا حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنِ الْخَوَارِجِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ ، كَالنَّظَّامِ وَأَصْحَابِهِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالرَّجْمِ . وَاخْتَلَفُوا فِي جَلْدِ الثَّيِّبِ مَعَ الرَّجْمِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَيُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَدَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : الْوَاجِبُ الرَّجْمُ وَحْدَهُ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، إِذَا كَانَ الزَّانِي شَيْخًا ثَيِّبًا ، فَإِنْ كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اقْتُصِرَ عَلَى الرَّجْمِ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَصَرَ عَلَى رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قِصَّةُ ( مَاعِزٍ ) وَقِصَّةُ ( الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ ) وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالُوا : وَحَدِيثُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ مَنْسُوخٌ ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ ( وَنَفْيُ سَنَةٍ ) فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ نَفْيُهُ سَنَةً رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَجِبُ النَّفْيُ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا نَفْيَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالُوا : لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ ، وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ ، وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنِ الْمُسَافَرَةِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ . وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ . وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ : أَحَدُهَا : يُغَرَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَنَةً لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَبِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ . وَالثَّانِي : يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ جَوَازُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِهِ أَوْلَى . وَالثَّالِثُ : لَا يُغَرَّبُ الْمَمْلُوكُ أَصْلًا ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ : " فَلْيَجْلِدْهَا " وَلَمْ يَذْكُرِ النَّفْيَ ، وَلِأَنَّ نَفْيَهُ يَضُرُّ سَيِّدَهُ ، مَعَ أَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ سَيِّدِهِ ، وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ حَدِيثِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلنَّفْيِ ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوبِ النَّفْيِ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ) فَلَيْسَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ ، بَلْ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ ، سَوَاءٌ زَنَى بِبِكْرٍ أَمْ بِثَيِّبٍ ، وَحَدُّ الثَّيِّبِ الرَّجْمُ ، سَوَاءٌ زَنَى بِثَيِّبٍ أَمْ بِبِكْرٍ ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْغَالِبِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِكْرِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ . وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، سَوَاءٌ كَانَ جَامَعَ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَمْ لَا ، وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ مَنْ جَامَعَ فِي دَهْرِهِ مَرَّةً مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ حُرٌّ ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ هَذَا الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالرَّشِيدُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ) فِي هَذَا الْكَلَامِ فَائِدَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : بَيَانُ أَنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ فَيَزْدَادُ قُوَّةً . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ هُشَيْمًا مُدَلِّسٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : وَعَنْ مَنْصُورٍ وَبَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مَنْصُورٍ ، وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مَرَّاتٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب حَدِّ الزِّنَى · ص 336 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب حد البكر والثيب إذا زنيا · ص 80 ( 3 ) باب حد البكر والثيب إذا زنيا 1690 - ( 12 ) [1780] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم . ( 3 ) ومن باب : حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا ) أي : افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا واعملوا به . وذلك : أن مُقْتضى هذه الآية : أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت . كذا قاله ابن عباس في النساء ، وحكي عن ابن عمر : أن ذلك حكم الزانيين ؛ يعني : الرَّجل والمرأة . فكان ذلك الحبس هو حدّ الزناة ؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته ؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته ، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ ، كما يحصل من الجلد والتغريب . فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا ، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس ، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - فبلَّغه لأصحابه ، فقال لهم : ( خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا : البكر بالبكر جلد مائة ، وتغريب عام ، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) ، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته . وهذا نحو قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام ، لانتهاء غايته ، لا لنسخه . وبهذا يعلم بطلان قول من قال : إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور ، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه . وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا ، ولأن الجمع بين الحبس ، والجلد ، والرَّجم ممكن ، فلا تعارض ، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] المتقدم ، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول . وإذا تقرر هذا فاعلم : أن الأمَّة مُجْمِعة : على أن البكر - ويعني به : الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ . وجمهور العلماء من الخلفاء ، والصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة ، وصاحبه محمد بن الحسن ، فإنَّهما قالا : لا تغريب عليه . فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني ، والتغريب زيادةٌ عليه ، والزيادة على النصّ نسخ ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد ، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد . والجواب : أنا لا نسلِّم : أن الزيادة على النص نسخٌ ، بل زيادة حكم آخر مع الأصل ، فلا تعارض ، فلا نسخ . وقد بيَّنا ذلك في الأصول ، سلمنا ذلك ، لكن هذه الآية ليست بنصٍّ ، بل عموم ظاهرٌ ، فيخصّص منها بعض الزناة بالتغريب ، كما يخصِّص بعضهم بالرَّجم ، ثمَّ يلزمهم ردَّ الحكم بالرجم فإنه زيادة على نصّ القرآن ، وهو ثابت بأخبار الآحاد . ولو سلَّمنا : أن الرَّجم ثبت بالتواتر ، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد ، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدة التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بيَّناها في الأصول . ومن أوضح ذلك : أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث ، وهو زيادة على ما نصّ عليه القرآن من استعمال الماء . ثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه . فقال مالك : ينفى من مصر إلى الحجاز وشَعب وأسوان ونحوها . ومن المدينة إلى خيبر وفدك ، وكذلك فَعَل عمر بن عبد العزيز . وقد نفى علي - رضي الله عنه - من الكوفة إلى البصرة . قال مالك : ويحبس في البلد الذي نُفي إليه . وقيل : يُنفى إلى عمل غير عمل بلده . وقيل : إلى غير بلده . وقال الشافعي : أقلُّ ذلك يوم وليلة . قلت : والحاصل : أنَّه ليس في ذلك حدٌّ محدود ، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام ، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع . ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ . واختلفوا في تغريب المرأة والعبد . فممن رأى التغريب فيهما ؛ أخذا بعموم حديث التغريب ، ابن عمر ، وقد حدّ مملوكة له في الزنى ، ونفاها إلى فدك . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، والثوري ، والطبري ، وداود . وهل يُنْفى العبد والأمة سنة أو نصف سنة ؟ قولان عند الشافعي . وذهب معظم القائلين بالنفي : إلى أنه لا نفي على مملوك ، وبه قال الحسن وحماد بن أبي سليمان ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق . ولم ير مالك ، والأوزاعي على النساء نفيًا . وروي مثله عن علي بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي . أما في الأَمَة : فبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثًا ) . ثم قال بعد ذلك : ( ثم إن زنت فبيعوها ولو بِضَفِير ) ، ولم يذكر النفي ، وهو موضع بيان ، ووقته ، لا يجوز تأخيره عنه ، ولأن تغريب المملوك عقوبة لمالكه يمنعه من منافعه في مدة تغريبه ، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع ، فلا يعاقب غير الجاني ، ألا ترى أن العبد لا يجب عليه الحجَّ ، ولا الجمعة ، ولا الجهاد لحق السيِّد ؛ فِبأنْ لا يغرب أولى . وإمَّا في حق الحرَّة : فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوج ، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنا قد عاقبناهم وهم برءاءُ ، وإن لم نوجبه عليهم لم يجز لها أن تسافر وحدها فتعذَّر سفرها . فإن قيل : تسافر مع رفقة مأمونة أو النساء ؛ كما يقوله مالك في سفر الحجّ . فالجواب : إن ذلك من مالك سعي في تحصيل وظيفة الحجّ لعظمها وتأكد أمرها ، بخلاف الزانية ؛ فإن المقصود منه المبالغة في الزجر والنكال ، وذلك حاصل بالجلد ، ولأن إخراج المرأة من بيتها الأصل منعه . ألا ترى : أن صلاتها في بيتها أفضل ، ولا تخرج منه في العِدَة . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أَعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجالَ ) . وحاصل ذلك : أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها ، وتضييعا لحالها ، وربما يكون ذلك سببًا لوقوعها فيما أخرجت من سببه ، وهو الفاحشة . ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار ، وهو مختلف فيه ، كما ذكرناه في الأصول . و( قوله : والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) الثيب هنا : هو المحصن ، وهو البالغ ، العاقل ، الحرّ ، المسلم ، الواطئ وطئًا مباحًا في عقد صحيح . هذه شروط الإحصان عند مالك ، وقد اختلف في بعضها . ولبيان ذلك موضع آخر . فإذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين ، ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ الرَّجْمَ ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم ، وإما لأنَّهم لا يعتد بخلافهم ؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول . وهل يجمع عليه الجلد والرَّجم ؟ كما هو ظاهر هذا الحديث ؛ وبه قال الحسن البصري ، وإسحاق ، وداود ، وأهل الظاهر . وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : أنَّه جمع ذلك على شراحة ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . أو يقتصر على الرَّجم وحده ؟ وهو مذهب الجمهور ، متمسكين بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما ، وقال : ( اغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، ولم يذكر الجلد ، فلو كان مشروعًا لما سكت عنه ، وكأنَّهم رأوا : أن هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم ، إما لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات متعددة أثبت في النفوس ، وأوضح ، فيكون أرجح . وقد شذَّت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكًا بلفظ الشيخ . وهو خطأ ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخر : الثيب . و( قوله في الأصل : كرب لذلك وتَرَبَّد وجهه ) أي : أصابه كربٌ ، وعلت وجهه غَبَرَةٌ . والرَّبدة : تغيير البياض للسواد ، وقد تقدم في الإيمان .