32 كِتَاب الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ [ 1 ] 1730 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ : عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ؛ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ - قَالَ يَحْيَى : أَحْسِبُهُ قَالَ : جُوَيْرِيَةَ - أَوْ قَالَ : الْبَتَّةَ - ابْنَةَ الْحَارِثِ . وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . وَقَالَ : جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ، وَلَمْ يَشُكَّ . كِتَاب الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ 1 بَاب جَوَازِ الْإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِعْلَامٍ بِالْإِغَارَةِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ : عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ : إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهُمْ غَارُّونَ ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : أَحْسِبُهُ قَالَ : - جُوَيْرِيَةَ - أَوْ الْبَتَّةَ - ابْنَةَ الْحَارِثِ . وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ ) قَالَ : وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ، وَلَمْ يَشُكَّ ) . أَمَّا قَوْلُهُ : ( أَوْ الْبَتَّةَ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى قَالَ : أَصَابَ يَوْمَئِذٍ بِنْتَ الْحَارِثِ ، وَأَظُنُّ شَيْخِي سُلَيْمَ بْنَ أَخْضَرَ سَمَّاهَا فِي رِوَايَتِهِ : جُوَيْرِيَةَ ، أَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَأَجْزِمُ بِهِ وَأَقُولُ الْبَتَّةَ ، وَحَاصِلُهُ : أَنَّهَا جُوَيْرِيَةُ فِيمَا أَحْفَظُهُ إِمَّا ظَنًّا وَإِمَّا عِلْمًا . وفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ : هِيَ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بِلَا شَكٍّ . قَوْلُهُ : ( وَهُمْ غَارُّونَ ) هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ : غَافِلُونَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ بِالْإِغَارَةِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي : أَحَدُهَا : يَجِبُ الْإِنْذَارُ مُطْلَقًا ، قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَهَذَا ضَعِيفٌ . وَالثَّانِي : لَا يَجِبُ مُطْلَقًا ، وَهَذَا أَضْعَفُ مِنْهُ أَوْ بَاطِلٌ . وَالثَّالِثُ : يَجِبُ إِنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ، وَلَا يَجِبُ إِنْ بَلَغَتْهُمْ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِهِ قَالَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْجُمْهُورُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى مَعْنَاهُ ، فَمِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَحَدِيثُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَحَدِيثُ قَتْلِ أَبِي الْحُقَيْقِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : جَوَازُ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عَرَبٌ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : لَا يُسْتَرَقُّونَ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب جَوَازِ الْإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْإِعْلَامِ بِالْإِغَارَةِ · ص 396 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم والدعوة قبل القتال · ص 517 1730 [1254] وعَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ ، قَالَ يَحْيَى بن يحيى : أَحْسِبُهُ قَالَ: جُوَيْرِيَةَ ، ( أَوْ قَالَ: الْبَتَّةَ ) ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَفِي رِوَايَةٍ : وَأَصَابَ يَوْمَئِذ جويرية بنت الحارث . ولم يشك . وقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال - : ( أنها كانت في أول الإسلام ) ، واستدلاله بقضية بني المصطلق ؛ يفهم منه : أن حكم الدعوة كان متقدمًا ، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق . وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقًا . ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقًا ، متمسّكًا بظاهر وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أمراءه ، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك ؛ لأن تلك الوصايا تقعيد قاعدة عامة ، وقضية بني المصطلق قضية في عين ؛ ولأن الوصية قول ، وقضية بني المصطلق فعل ، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول . والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك ، وهو أنه قال : لا يقاتل الكفار قبل أن يُدْعَوا ، ولا تلتمس غرّتهم ، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة ، فيجوز أن تؤخذ غرتهم . وعلى هذا فيحمل حديث بني المصطلق : على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة ، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم . وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح ؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا ، ولا للعصبية ، وإنما يقاتلون للدِّين . وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مُمِيلاً لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين ، فقد يظنون أنهم يقاتلون للملك ، وللدنيا ، فيزيدون عتوًّا ، وتعصبًا . وقوله : ( أغار عليهم ) ؛ أي : أرسل عليهم الغارة ، وهي الخيل التي تغير في أول النهار . وغارون : غافلون . والغرة : الغفلة . والأنعام : الإبل ، والبقر ، والغنم . والمقاتلة : الصالحون للقتال ، المطيقون له . والسبي : الذراري ، والنساء . وقوله : ( وأصاب يومئذ ) ؛ قال يحيى : أحسبه قال : جويرية ، أو قال : ابنة الحارث . هكذا صواب هذه الرواية ، بإسقاط : البتة . وقد غلط فيها بعض النَّقلة ، فظن : أن يحيى إنما شك في اسم ابنة الحارث : هل هو جويرية أو البتة ؟ وحمله على ذلك الأخذ بظاهر ذلك اللفظ ، وهو غلط فاحش ؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه : البتة . وإنما يحيى بن يحيى شك في سماع اسم جويرية ، ثم بت القضية ، وحقق السَّماع لاسمها ؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى : ( جويرية بنت الحارث ) ولم يشك . والله أعلم . فرع : إذا قتل من أمر بدعوته من قبل أن يُدعى ، فهل على قاتله دية ، أم لا ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة : إلى أنه لا دية عليه ؛ لأنه حلال الدَّم بأصل الكفر ، ولم يتجدد من جهته ما يوجب حرمة دمه ، فبقي على الأصل لعدم الناقل ، ولا يصلح المنع من قتالهم قبل الدعوة موجبًا لحرمتهم ، كما لا يصلح ذلك موجبًا لحرمة نسائهم ، وأبنائهم . والله تعالى أعلم .