[ 78 ] 1776 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ : يَا أَبَا عُمَارَةَ ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً ، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ ، وَقَالَ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّهُمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ : يَا أَبَا عُمَارَةَ ، فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ) هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَرَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ : فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْبَرَاءُ : لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ جَرَى لَهُمْ كَذَا وَكَذَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( شُبَّانُ أَصْحَابِهِ ) فَهُوَ بِالشِّينِ وَآخِرُهُ نُونٌ جَمْعُ : شَابٍّ ، وَقَوْلُهُ : ( أَخِفَّاؤُهُمْ ) جَمْعُ خَفِيفٍ ، وَهُمُ الْمُسَارِعُونَ الْمُسْتَعْجِلُونَ ، وَوَقَعَ هَذَا الْحَرْفُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، ( جُفَاءً ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَبِالْمَدِّ وَفَسَّرَهُ بِسُرْعَانِهِمْ ، قَالُوا : تَشْبِيهًا بِجَفَاءِ السَّيْلِ ، وَهُوَ غُثَاؤُهُ ، قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَمَعْنَاهَا مَا سَبَقَ مِنْ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا ، وَإِنَّمَا خَرَجَ لِلْغَنِيمَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ، فَشَبَّهَهُ بِغُثَاءِ السَّيْلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( حُسَّرًا ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمَفْتُوحَةِ ، أَيْ بِغَيْرِ دُرُوعٍ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ) ، وَالْحَاسِرُ : مَنْ لَا دِرْعَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مَصْدَرٌ . وَأَمَّا ( الرِّشْقُ ) بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمٌ لِلسِّهَامِ الَّتِي تَرْمِيهَا الْجَمَاعَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَضَبَطَ الْقَاضِي الرِّوَايَةَ هُنَا بِالْكَسْرِ ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِالْفَتْحِ ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ ، وَإِنْ كَانَا جَيِّدَيْنِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : ( فَرَمَوْهُ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ ) فَهُوَ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : رَشَقَهُ يَرْشُقُهُ أَرْشَقَهُ ثُلَاثِيٌّ وَرُبَاعِيٌّ ، وَالثُّلَاثِيُّ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ) أَيْ دَعَا ، فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ الْحَرْبِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ كَوْنَ الرَّجَزِ شِعْرًا ؛ لِوُقُوعِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ ، وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْخَلِيلِ فِي أَنَّهُ شِعْرٌ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشِّعْرَ هُوَ مَا قُصِدَ إِلَيْهِ ، وَاعْتَمَدَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُوقِعَهُ مَوْزُونًا مُقَفًّى يَقْصِدُهُ إِلَى الْقَافِيَةِ ، وَيَقَعُ فِي أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَوْزُونَةِ ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّهَا شِعْرٌ ، وَلَا صَاحِبُهَا شَاعِرٌ ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوْزُونِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ شِعْرًا ، لِأَنَّهُ لَمْ تُقْصَدْ تَقْفِيَتُهُ وَجَعْلُهُ شِعْرًا . قَالَ : وَقَدْ غَفَلَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ ، فَأَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي أَنْ قَالَ : الرِّوَايَةُ ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنْ يُفْسِدَ الرَّوِيَّ ، فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ الِاعْتِذَارِ ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِرِيِّ ، قُلْتُ : وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ السَّعْدِيُّ الصَّقَلِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَطَّاعِ فِي كِتَابِهِ ( الشَّافِي فِي عِلْمِ الْقَوَافِي ) : قَدَّرَ ـ أَيْ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْأَخْفَشُ وَهُوَ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بَعْدَ الْخَلِيلِ ـ أَنَّ مَشْطُورَ الرَّجَزِ وَمَنْهُوكَهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ " وَأَشْبَاهِ هَذَا ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ : وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاعِرَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرًا لِوُجُوهٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ شَعَرَ الْقَوْلَ وَقَصَدَهُ ، وَأَرَادَهُ وَاهْتَدَى إِلَيْهِ ، وَأَتَى بِهِ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ مُقَفًّى ، فَإِنْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا ، وَلَا يَكُونُ قَائِلُهُ شَاعِرًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ ، وَقَصَدَ الشِّعْرَ أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُقَفِّهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْكَلَامُ شِعْرًا ، وَلَا قَائِلُهُ شَاعِرًا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ ، وَكَذَا لَوْ قَفَّاهُ وَقَصَدَ بِهِ الشِّعْرَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مَوْزُونًا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ مَوْزُونًا مُقَفًّى لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرَ لَا يَكُونُ شِعْرًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَأْتُونَ بِكَلَامٍ مَوْزُونٍ مُقَفًّى غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا قَصَدُوهُ وَلَا أَرَادُوهُ ، وَلَا يُسَمَّى شِعْرًا ، وَإِذَا تُفُقِّدَ ذَلِكَ وُجِدَ كَثِيرًا فِي كَلَامِ النَّاسِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السُّؤَّالِ : اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْمَوْزُونَ لَا يَكُونُ شِعْرًا إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ الْقَصْدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا سَبَقَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الشِّعْرَ ، وَلَا أَرَادَهُ ، فَلَا يُعَدُّ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " ؟ فَانْتَسَبَ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ ، وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِافْتِخَارَ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ شُهْرَتُهُ بِجَدِّهِ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ اشْتِهَارِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَشْهُورًا شُهْرَةً ، ( ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) يَنْسُبُونَهُ إِلَى جَدِّهِ لِشُهْرَتِهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ هَمَّامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي قَوْلِهِ : أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ وَقَدْ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمْ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ وَسَيَكُونُ شَأْنُهُ عَظِيمًا ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَهَ بِذِلْكَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ ، وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى رُؤْيَا تَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْكِيرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَتَنْبِيهَهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ ؛ لِتَقْوَى نُفُوسُهُمْ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُلَازِمٌ لِلْحَرْبِ ، لَمْ يُوَلِّ مَعَ مَنْ وَلَّى ، وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعَهُ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ الرَّاجِعُونَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ) أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا ، فَلَا أَفِرُّ وَلَا أَزُولُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَرْبِ : أَنَا فُلَانٌ ، وَأَنَا ابْنُ فُلَانٍ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ سَلَمَةَ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ عُلَمَاءُ السَّلَفِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يُكْرَهُ قَوْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ · ص 458 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام · ص 617 1776 - 78 و 79 و 80 [1292] وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ ، فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ فَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ -زاد في رواية: اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ- قال : ثم صفهم . قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَفِي رواية : وَلَكِن رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَفِرَّ ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً ، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا ، فَاَنكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ . و( الحسر ) : جمع حاسر ، وهو الذي لا درع معه ، ولا شيء يتقي به النبل . و( الأخفاء ) : المسرعون ، المستعجلون . وقد رواه الحربي ، والمغربي : ( جفاء من الناس ) بجيم مضمومة مخففة والمد ، وفسَّره المهدوي بالسراع ، شبههم بجفاء السيل ، وهو غثاؤه . وقال غيره : إنما أراد به أخلاط الناس ، وضعفاءهم ممن لم يقصد القتال ، بل الغنيمة ، وفي قلبه مرض ، شبههم بغثاء السيل ، وهو ما احتمله السيل . و( استنصر ) ؛ أي : سأل النصر ، ودعا به . وقوله : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) ؛ أي : أنا النبي المعروف عند علماء الكتاب ، المنعوت في كتبهم حقًّا بلا كذب . وانتسابه لعبد المطلب ؛ لأنه بذلك كان شهر عندهم ؛ لأن أباه عبد الله مات وتركه حملاً ، فولد ، ونشأ في حجر جدِّه عبد المطلب ، ثم إن عبد المطلب أحبه حبًّا شديدًا ، بحيث كان يفضله على أولاده ، لما كان ظهر له من بركاته ، وكراماته ، فكان يلازمه لذلك ، فعرف به ، ولذلك ناداه ضمام بن ثعلبة : يا بن عبد المطلب ! فانتمى هو عند الحرب على عادة الشجعان في انتسابهم لمن كان يعرف به. وقيل : إنما كان ذلك منه تنبيهًا على ما قال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب حين قدم عليه في وفد قريش ، حيث بشره بأنه يكون من ولده نبي يقتل أعداءه. ولم يكن ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- على جهة الافتخار بآبائه ، فإن ذلك من خلق الجاهلية التي قد نهى عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وحرَّمها ، وذمَّ من انتمى إليها . لا يقال ؛ يصح أن ينسب هذا الشعر للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه : أحدها : أن هذا قصد به السجع لا الشعر ، فليس بشعر . قيل قد قال الأخفش : إن هذا رجز ، والرجز ليس من الشعر . والثاني : أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقصد نظمًا ووزنًا فيكون شعرًا ، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتزن بوزن الشعر وليس بشعر ، كقوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وقوله : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وكثيرا ما يقع للعوام في كلامهم المقــفى الموزون ، وليس بشعر ، ولا يسمى قائله شاعرًا ؛ لأنه لم يقصده ، ولا شعر به . والشعر إنما سمي بذلك ؛ لأن قائله يشعر به ويقصده نظمًا ، ووزنًا ، ورويًا ، وقافية ، ومعنى . والثالث : على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- عالِمًا بالشعر ، ولا شاعرًا ؛ فإن التمثل بالبيت الندر ، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره ؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر ، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العقلاء . وأما الذي نفى الله عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- فهو العلم بالشعر ، وأصنافه ، وأعاريضه ، وقوافيه ، والاتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفًا بشيء من ذلك بالاتفاق ، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم ، فقال بعضهم : نقول : إنه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم : والله لتكذبنكم العرب ، فإنهم يعرفون أصناف الشعر ، فوالله ما يشبه شيئا منها ، وما قوله بشعر . وقال أنيس أخو أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر . وكان أنيس من أشعر العرب . وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال . والله تعالى أعلم . وفائدة قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( أنا النبي لا كذب ) إلى آخره ؛ جواز الانتماء عند الحرب ، كما قال سلمة بن الأكوع : خذها وأنا ابن الأكوع . وقد روي ذلك عن جماعة من السَّلف . وقال ابن عبد الحكم من أصحابنا : إنما يكره أن يكون ذلك على وجه الكبر ، والافتخار ، كما كانت الجاهلية تفعل . وقوله- أعني البراء - : ( كنا إذا احمر البأس نتقي به ) ؛ هذا كناية عن شدة الحرب ، إما لحمرة دم الجرحى والقتلى . وإما لتشبيه ذلك بحمرة جمرة النار . و( البأس ) هنا : الحرب . وقوله : ( ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفرّ ) ؛ هذا هو المعلوم من حاله ، وحال الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم ؛ من إقدامهم ، وشجاعتهم ، وثقتهم بوعد الله تعالى ، ورغبتهم في الشهادة ، وفي لقاء الله تعالى . ولم يثبت قط عن واحد منهم : أنه فرَّ ، أو انهزم ، ومن قال ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : فرَّ أو انهزم ؛ قتل ، ولم يستتب ؛ لأنه صار بمنزلة من قال : إنه -صلى الله عليه وسلم- كان أسود ، أو أعجميًا ، فأنكر ما علم من وصفه قطعًا ، وكذب به ، وذلك كفر ، ولأنه قد أضاف إليه نقصًا وعيبًا . وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا . وقيل : يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل .