[ 132 ] 1807 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا ، قَالَ : فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ ، فَإِمَّا دَعَا ، وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا ، قَالَ : فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ ، قَالَ : فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ : بَايِعْ يَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قُلْتُ : قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ ، قَالَ : وَأَيْضًا ، قَالَ : وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزِلًا - يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ : فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ : أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ ، قَالَ : وَأَيْضًا ، قَالَ : فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا سَلَمَةُ ، أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا ، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ : اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا ، هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي . ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا ، قَالَ : وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا ، قَالَ : فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَبْغَضْتُهُمْ ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى ، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي : يَا لِلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ ، قَالَ : فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي ، قَالَ : ثُمَّ قُلْتُ : وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ، لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ ، قَالَ : ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَلَاتِ ، يُقَالُ لَهُ : مِكْرَزٌ ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ ، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ كُلَّهَا ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ ، كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، قَالَ سَلَمَةُ : فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ ، قَالَ : ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا : يَا صَبَاحَاهْ ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ ، وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً ، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ، ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ - يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ، قَالَ الْفَزَارِيُّ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَى ؟ قَالُوا : لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا ، مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا ، قَالَ : فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ ، قَالَ : فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ ، قَالَ : فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ ، قَالَ : قُلْتُ : هَلْ تَعْرِفُونِي ؟ قَالُوا : لَا ، وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي ، قَالَ أَحَدُهُمْ : أَنَا أَظُنُّ ، قَالَ : فَرَجَعُوا ، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ، قَالَ : فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ ، عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ ، قَالَ : فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، قُلْتُ : يَا أَخْرَمُ ، احْذَرْهُمْ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ : يَا سَلَمَةُ ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : فَخَلَّيْتُهُ ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ ، وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا ، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ ، يُقَالُ لَهُ : ذَو قَرَدٍ ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ : فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَخَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً ، قَالَ : وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ ، قَالَ : فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ، قَالَ : قُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ : يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ ، أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ ، قَالَ : وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ ، قَالَ : فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حليتهم عَنْهُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ ، وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْقَوْمِ ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ ، فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ ، فَقَالَ : يَا سَلَمَةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ ، فَقَالَ : نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا ، فَقَالُوا : أَتَاكُمْ الْقَوْمُ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ ، قَالَ : وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا ، قَالَ : فَجَعَلَ يَقُولُ : أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ : أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا ، وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي ، ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ ، قَالَ : إِنْ شِئْتَ ، قَالَ : قُلْتُ : اذْهَبْ إِلَيْكَ ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ ، فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ ، قَالَ : فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي ، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ ، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ ، قَالَ : فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، قَالَ : قُلْتُ : قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ ، قَالَ : أَنَا أَظُنُّ ، قَالَ : فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ : تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : أَنَا عَامِرٌ ، قَالَ : غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ، قَالَ : وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ ، قَالَ : فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ : خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ ، وَيَقُولُ : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ : وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ ، فَقَالَ : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ قَالَ : فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ ، قَالَ سَلَمَةُ : فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ، قَتَلَ نَفْسَهُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ ، قَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَرْمَدُ ، فَقَالَ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَرْمَدُ ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ ، فَبَرَأَ ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قَالَ : فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( قَدِمْنَا المدينة وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) . قَوْلُهُ : ( فَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ ) الْجَبَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ ، وَهِيَ مَا حَوْلَ الْبِئْرِ ، وَأَمَّا الرَّكِيُّ : فَهُوَ الْبِئْرُ ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ : رَكِيٌّ بِغَيْرِ هَاءٍ ، وَوَقَعَ هُنَا الرَّكِيَّةُ بِالْهَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ ( بَسَقَ ) بِالسِّينِ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ يُقَالُ : ( بَزَقَ وَبَصَقَ وَبَسَقَ ) ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى ، وَالسِّينُ قَلِيلَةُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَ: ( جَاشَتْ ) أَيِ ارْتَفَعَتْ وَفَاضَتْ ، يُقَالُ : جَاشَ الشَّيْءُ يَجِيشُ جَيَشَانًا إِذَا ارْتَفَعَ ، وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ سَبَقَ مِرَارًا كَثِيرَةً التَّنْبِيهِ عَلَى نَظَائِرِهَا . قَوْلُهُ : ( وَرَآنِي عَزِلًا ) ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : فَتْحُ الْعَيْنِ مَعَ كَسْرِ الزَّايِ ، وَالثَّانِي : ضَمُّهُمَا ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ بِالَّذِي لَا سِلَاحَ مَعَهُ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : أَعْزَلَ ، وَهُوَ أَشْهَرُ اسْتِعْمَالًا . قَوْلُهُ : ( حَجَفَةٌ أَوْ دَرَقَةٌ ) هُمَا شَبِيهَتَانِ بِالتُّرْسِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ ابْغِنِي حَبِيبًا ) أَيْ أَعْطِنِي . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( رَاسَلُونَا ) مِنَ الْمُرَاسَلَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( رَاسُّونَا ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهَا أَيْضًا وَهُمَا بِمَعْنَى ( رَاسَلُونَا ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : رَسَّ الْحَدِيثَ يَرُسُّهُ : إِذَا ابْتَدَأَهُ ، وَقِيلَ : مِنْ رَسَّ بَيْنَهُمْ ، أَيْ : أَصْلَحَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : فَاتَحُونَا ، مِنْ قَوْلِهِمْ : بَلَغَنِي رَسَّ مِنَ الْخَبَرِ ، أَيْ أَوَّلَهُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( وَاسَوْنَا ) بِالْوَاوِ ، أَيِ : اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ ، وَالْوَاوُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْأُسْوَةِ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ تَبَعًا لِطَلْحَةَ ) أَيْ خَادِمًا أَتْبَعُهُ . قَوْلُهُ : ( أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ ) أَيْ أَحُكُّ ظَهْرَهُ بِالْمِحَسَّةِ لِأُزِيلَ عَنْهُ الْغُبَارَ وَنَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ) أَيْ : كَنَسْتُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الشَّوْكِ . قَوْلُهُ : ( قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ ) هُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ النُّونِ . قَوْلُهُ : ( فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ) أَيْ سَلَلْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي ) الضِّغْثُ : الْحُزْمَةُ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْعَبَلَاتِ يُقَالُ لَهُ : مِكْرِزٌ ) هُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ كَافٍ ثُمَّ رَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ . وَالْعَبَلَاتُ : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْعَبَلَاتُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ أُمَيَّةُ الصُّغْرَى ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمْ ( عَبَلِيٌّ ) تَرُدُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ ، قَالَ : لِأَنَّ اسْمَ أُمِّهِمْ عَبْلَةٌ ، قَالَ الْقَاضِي : أُمَيَّةُ الْأَصْغَرُ وَأَخَوَاهُ نَوْفَلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ نُسِبُوا إِلَى أُمٍّ لَهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، اسْمُهَا : عَبْلَةُ بِنْتُ عُبَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ عَلَيْهِ تِجْفَافٌ بِكَسْرِ التَّاءِ ، وَهُوَ ثَوْبٌ كَالْجُلِّ يَلْبَسُهُ الْفَرَسُ لِيَقِيَهُ مِنَ السِّلَاحِ ، وَجَمْعُهُ : تَجَافِيفُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ ) أَمَّا الْبَدْءُ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَبِالْهَمْزِ ، أَيِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَأَمَّا ( ثِنَاهُ ) فَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( ثِنَاهُ ) مُثَلَّثَةٌ مَكْسُورَةٌ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( ثُنْيَاهُ ) بِضَمِّ الثَّاءِ وَبِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ بَعْدَ النُّونِ ، وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا الْقَاضِي ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ وَالْأَوَّلُ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ : وَهُوَ الصَّوَابُ أَيْ عَوْدَةٌ ثَانِيَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَنِي لِحْيَانَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ . قَوْلُهُ : ( لِمَنْ رَقِيَ الْجَبَلَ ) وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( فَرَقِيتُ ) كِلَاهُمَا بِكَسْرِ الْقَافِ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لِحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ ضَبَطُوهَا بِوَجْهَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : أَحَدُهُمَا ( وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ) بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ . وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ هَمُّوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَخَافُوا غَائِلَتَهُمْ ، يُقَالُ : هَمَّنِي الْأَمْرُ وَأَهَمَّنِي ، وَقِيلَ : هَمَّنِي أَذَابَنِي ، وَأَهَمَّنِي : وَأَغَمَّنِي . قَوْلُهُ : ( وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أُنَدِّيهِ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أُنَدِّيهِ ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ دَالٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُوَاةِ مُسْلِمٍ غَيْرَ هَذَا ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ ، قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي الْحَذَّاءِ فِي مُسْلِمٍ : ( أُبْدِيهِ ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، أَيْ أُخْرِجُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ ، وَأُبْرِزُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْكَلَأِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَظْهَرْتَهُ فَقَدْ أَبْدَيْتَهُ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالنُّونِ وَهِيَ رِوَايَةُ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ وَالْأَزْهَرِيِّ وَجَمَاهِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَمَعْنَاهُ : أَنْ يُورِدَ الْمَاشِيَةَ الْمَاءَ فَتُسْقَى قَلِيلًا ، ثُمَّ تُرْسَلَ فِي الْمَرْعَى ، ثُمَّ تَرِدَ الْمَاءَ فَتَرِدَ قَلِيلًا ، ثُمَّ تُرَدَّ إِلَى الْمَرْعَى ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ كَوْنَهُمَا جَعَلَاهُ بِالنُّونِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الصَّوَابَ بِالْبَاءِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَخْطَأَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ . قَوْلُهُ : ( فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ ( رَحْلُهُ ) بِالْحَاءِ ، وَ( كَتِفُهُ ) بَعْدَهَا فَاءٌ ، وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ ، وَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَفِي بَعْضهَا : ( رِجْلُهُ ) بِالْجِيمِ وَ: ( كَعْبُهُ ) بِالْعَيْنِ ثُمَّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالُوا : وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ) قَالَ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ : هَذِهِ رِوَايَةُ شُيُوخِنَا ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ أَعْلَى مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَيُصِيبَ حِينَئِذٍ إِذَا أَنْفَذَهُ كَتِفَهُ ، وَمَعْنَى أَصُكُّ : أَضْرِبُ . قَوْلُهُ : ( فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ ) أَيْ : أَعْقِرُ خَيْلَهُمْ ، وَمَعْنَى أَرْمِيهِمْ أَيْ بِالنَّبْلِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ هُنَا : ( أُرَدِّيهِمْ ) بِالدَّالِ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ ) أَيْ أَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ الَّتِي تُسْقِطُهُمْ وَتُنْزِلُهُمْ . قَوْلُهُ : ( جَعَلْتُ عَلَيْهِمْ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَهِيَ الْأَعْلَامُ ، وَهِيَ حِجَارَةٌ تُجْمَعُ وَتُنْصَبُ فِي الْمَفَازَةِ ، يُهْتَدَى بِهَا ، وَاحِدُهَا ( إِرَمٌ ) كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ . قَوْلُهُ : ( وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَهُوَ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ . قَوْلُهُ : ( لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أَيْ : شِدَّةٌ . قَوْلُهُ : ( يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ) أَيْ : يَدْخُلُونَ مِنْ خِلَالِهَا ، أَيْ : بَيْنَهَا . قَوْلُهُ : ( مَاءٌ يُقَالُ لَهُ : ذَا قَرَدٍ ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ ( ذَا ) بِأَلِفٍ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( ذُو قَرَدٍ ) بِالْوَاوِ ، وَهُوَ الْوَجْهُ . قَوْلُهُ : ( فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ ، أَيْ : طَرَدْتُهُمْ عَنْهُ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : يَعْنِي : أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ بِالْجِيمِ ، قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رِوَايَتُنَا فِيهِ هُنَا غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، قَالَ : وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ فَسَهَّلَهُ ، وَقَدْ جَاءَ مَهْمُوزًا بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ) هُوَ بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، وَهُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ عَلَى طَرَفِ الْكَتِفِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ تَحَرُّكِهِ ، وَهُوَ النَّاغِضُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ) مَعْنَى ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ : فَقَدَتْهُ ، وَقَوْلُهُ : ( أَكْوَعُهُ ) هُوَ بِرَفْعِ الْعَيْنِ ، أَيْ : أَنْتَ الْأَكْوَعُ الَّذِي كُنْتَ بُكْرَةَ هَذَا النَّهَارِ ، وَلِهَذَا قَالَ : نَعَمْ ، ( وَبُكْرَةَ ) : مَنْصُوبٌ غَيْرُ مَنُونٍ ، قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : يُقَالُ : أَتَيْتُهُ بُكْرَةً بِالتَّنْوِينِ ، إِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ لَقِيتَهُ بَاكِرًا فِي يَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، قَالُوا : وَإِنْ أَرَدْتَ بُكْرَةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ قُلْتَ : أَتَيْتُهُ بُكْرَةَ ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ ; لِأَنَّهَا مِنَ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ ) قَالَ الْقَاضِي : رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُعْجَمَةِ ، قَالَ : وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى ، فَبِالْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ : خَلَّفُوهُمَا . وَالرَّذِيُّ : الضَّعِيفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ : أَهْلَكُوهُمَا وَأَتْعَبُوهُمَا حَتَّى أَسْقَطُوهُمَا وَتَرَكُوهُمَا ، وَمِنْهُ : التَّرْدِيَةُ ، وَأَرْدَتِ الْفَرَسُ الْفَارِسَ : أَسْقَطْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطحَيةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ) السَّطحَيةُ : إِنَاءٌ مِنْ جُلُودٍ سُطِحَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَالْمَذْقَةُ : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، قَلِيلٌ مِنْ لَبَنٍ مَمْزُوجٍ بِمَاءٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَأْتُهُمْ عَنْهُ ) كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( حَلَأْتُهُمْ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْهَمْزِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( حَلَّبْتُهُمْ عَنْهُ ) بِلَامٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزٍ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتُنْفِذَتْ مِنَ الْقَوْمِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( الَّذِي ) وَفِي بَعْضِهَا : ( الَّتِي ) وَهُوَ أَوْجَهُ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ مُؤَنَّثَةٌ ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَأَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى الْغَنِيمَةِ لَا إِلَى لَفْظِ الْإِبِلِ . قَوْلُهُ : ( ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَنْيَابُهُ ، وَقِيلَ : أَضْرَاسُهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ) هَذَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الثَّنَاءِ عَلَى الشُّجْعَانِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْفَضَائِلِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ صَنِيعِهِمُ الْجَمِيلَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ الْجَمِيلِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يأْمَنُ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ : سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ كَانَ نَفْلًا ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِاسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِبَدِيعِ صُنْعِهِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ . ( وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا ) يَعْنِي عَدْوًا عَلَى الرِّجْلَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَطَفَرْتُ ) أَيْ وَثَبْتُ وَقَفَزْتُ . قَوْلُهُ : ( فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي ) مَعْنَى رَبَطْتُ حَبَسْتُ نَفْسِي عَنِ الْجَرْيِ الشَّدِيدِ ، وَالشَّرَفُ : مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ : ( أَسْتَبْقِي نَفَسِي ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ لِئَلَّا يَقْطَعَنِي الْبَهْرُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ إِذَا تَسَابَقَا بِلَا عِوَضٍ ، فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى عِوَضٍ فَفِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ ، الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : لَا تَصِحُّ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ ) هَكَذَا قَالَ هُنَا : ( عَمِّي ) وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ : ( أَخِي ) فَلَعَلَّهُ كَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَكَانَ عَمَّهُ مِنَ النَّسَبِ . قَوْلُهُ : ( يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ ) هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ : يَرْفَعُهُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى ، وَمِثْلُهُ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ : إِذَا رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَضَعَهُ مَرَّةً . قَوْلُهُ : ( شَاكِ السِّلَاحِ ) أَيْ : تَامُّ السِّلَاحِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ شَاكِي السِّلَاحِ ، وَشَاكِ السِّلَاحِ وَشَاكٍ فِي السِّلَاحِ مِنَ الشَّوْكَةِ ، وَهِيَ الْقُوَّةُ ، وَالشَّوْكَةُ أَيْضًا : السِّلَاحُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ قَوْلُهُ : ( بَطَلٌ مُجَرَّبٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ : مُجَرَّبٌ بِالشَّجَاعَةِ وَقَهْرِ الْفُرْسَانِ ، وَالْبَطَلُ : الشُّجَاعُ ، وَيُقَالُ : بَطُلَ الرَّجُلُ بِضَمِّ الطَّاءِ يَبْطُلُ بَطَالَةً وَبُطُولَةً أَيْ : صَارَ شُجَاعًا . قَوْلُهُ : ( بَطَلٌ مُغَامِرٌ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : يَرْكَبُ غَمَرَاتِ الْحَرْبِ وَشَدَائِدَهَا وَيُلْقِي نَفْسَهُ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ ) أَيْ : يَضْرِبُهُ مِنْ أَسْفَلِهِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَضَمِّ الْفَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ أَرْمَدُ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : رَمِدَ الْإِنْسَانُ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَرْمَدُ بِفَتْحِهَا رَمَدًا فَهُوَ رَمِدٌ وَأَرْمَدُ إِذْ هَاجَتْ عَيْنُهُ . قَوْلُهُ : ( أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ) حَيْدَرَةُ اسْمٌ لِلْأَسَدِ ، وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ سُمِّيَ أَسَدًا فِي أَوَّلِ وِلَادَتِهِ ، وَكَانَ ( مَرْحَبٌ ) قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ أَسَدًا يَقْتُلُهُ ، فَذَكَّرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ لِيُخِيفَهُ وَيُضْعِفَ نَفْسَهُ ، قَالُوا : وَكَانَتْ أُمُّ عَلِيٍّ سَمَّتْهُ أَوَّلَ وِلَادَتِهِ أَسَدًا بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَسَدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ غَائِبًا فَلَمَّا قَدِمَ سَمَّاهُ عَلِيًّا . وَسُمِّيَ الْأَسَدُ حَيْدَرَةَ لِغِلَظِهِ ، وَالْحَادِرُ : الْغَلِيظُ الْقَوِيُّ ، وَمُرَادُهُ أَنَا الْأَسَدُ عَلَى جُرْأَتِهِ وَإِقْدَامِهِ وَقُوَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( أُوفِيهِمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ ) مَعْنَاهُ : أَقْتُلُ الْأَعْدَاءَ قَتْلًا وَاسِعًا ذَرِيعًا ، وَالسَّنْدَرَةُ : مِكْيَالٌ وَاسِعٌ ، وَقِيلَ : هِيَ الْعَجَلَةُ ، أَيْ أَقْتُلُهُمْ عَاجِلًا ، وَقِيلَ : مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنْدَرَةِ ، وَهِيَ شَجَرَةُ الصَّنَوْبَرِ يُعْمَلُ مِنْهَا النَّبْلُ وَالْقِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ ) يَعْنِي عَلِيًّا فَقَتَلَهُ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُ مَرْحَبٍ ، وَقِيلَ : إِنَّ قَاتِلَ مَرْحَبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الدُّرَرُ فِي مُخْتَصَرِ السِّيَرِ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ قَاتِلُهُ . قَالَ : وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا كَانَ قَاتِلُهُ عَلِيًّا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا ، ثُمَّ رَوَى ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ وَبُرَيْدَةَ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ قَاتِلُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعًا مِنَ الْعِلْمِ سِوَى مَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ : مِنْهَا : أَرْبَعُ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِحْدَاهَا : تَكْثِيرُ مَاءِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ : إِبْرَاءُ عَيْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالثَّالِثَةُ : الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ هَذِهِ ، وَالرَّابِعَةُ : إِخْبَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَقِرُّونَ فِي غَطَفَانَ ، وَكَانَ كَذَلِكَ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الصُّلْحِ مَعَ الْعَدُوِّ . وَمِنْهَا : بَعْثُ الطَّلَائِعِ ، وَجَوَازُ الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَرْجُلِ بِلَا عِوَضٍ ، وَفَضِيلَةُ الشَّجَاعَةِ وَالْقُوَّةِ . وَمِنْهَا : مَنَاقِبُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَالْأَحْزَمِ الْأَسْعَدِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ فَعَلَ جَمِيلًا ، وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا . وَمِنْهَا : جَوَازُ عَقْرِ خَيْلِ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ ، وَاسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ ، وَجَوَازُ قَوْلِ الرَّامِي وَالطَّاعِنِ وَالضَّارِبِ : خُذْهَا وَأَنَا فُلَانٌ أَوِ ابْنُ فُلَانٍ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الْأَكْلِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَاسْتِحْبَابُ التَّنْفِيلِ مِنْهَا لِمَنْ صَنَعَ صَنِيعًا جَمِيلًا فِي الْحَرْبِ ، وَجَوَازُ الْإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُطِيقَةِ ، وَجَوَازُ الْمُبَارَزَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا بَارَزَ عَامِرٌ . وَمِنْهَا : مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ الشَّهَادَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا . وَمِنْهَا : إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي غَمَرَاتِ الْقِتَالِ ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا . وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ يَكُونُ شَهِيدًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِمْ أَوْ رَمَتْهُ دَابَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ كَمَا جَرَى لِعَامِرٍ . وَمِنْهَا : تَفَقُّدُ الْإِمَامِ الْجَيْشَ وَمَنْ رَآهُ بِلَا سِلَاحٍ أَعْطَاهُ سِلَاحًا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا · ص 500 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام · ص 668 ( 30 ) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام 1807 [1320] عن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ : قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مع رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَإِمَّا دَعَا ، وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنْ أول النَّاسِ . قَالَ: بَايِعْ يَا سَلَمَةُ ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ . قَالَ : وَأَيْضًا . قَالَ : وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَزِلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ. قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أسط النَّاسِ، قَالَ: وَأَيْضًا. قَالَ: فقد بَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا . قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالَ: إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ ، وَاصْطَلَحْنَا قَالَ : وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ ، وَأَحُسُّهُ ، وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. َقَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَبْغَضْتُهُمْ ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى ، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ ، وَاضْطَجَعُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي : يَا لِلْمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ . قَالَ : فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ رُقُودٌ ، وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضغثا في يدي ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ : وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ برجل مِنْ الْعَبَلَاتِ ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ ، وَثِنَاهُ فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا راجعين إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ . قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ ، حَتَّى خَلَصَ النَصْلُ إِلَى كتفه . قَالَ: قُلْتُ خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْتُهُ ، فَعَقَرْتُ بِهِ ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَجَعَلْتُ أُرَمِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا ، يَسْتَخِفُّونَ وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا ، حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ. قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ ، قَالَ: قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا ، وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ ، وَلَا يَطْلُبُنِي فيدركني ، قَالَ: أَحَدُهُمْ أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ فَأَخَذْتُ: بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ. قَالَ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ لَا يقتطعوك حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ ، فَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذَو قَرَدٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ ، وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ: فَنَظَرُوا إلي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَحلَيْتُهُمْ عَنْهُ ( يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً قَالَ: وَيَخْرُجُونَ وَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ وَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يوُمْ الرضع قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ على الثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيتُهُمْ عَنْهُ ، فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وكل َبُرْدَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. قَالَ: إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ . قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمُ ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ. قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا؟ وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَبِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ. قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، قال : وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ، فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، قال ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ هَذَا؟. قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ. قَالَ وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ، إِلَّا اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ يَقُولُ: قدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ ، فَقَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ ، وَهُوَ أَرْمَدُ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ ، فَبَرَأَ ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ . ( 30 ) ومن باب: غزوة ذي قرد ( الحديبية ) تقال بتخفيف الياء ، وتشديدها ، لغتان . وهو موضع فيه ماء على قرب من مكة ، كما تقدَّم . والرواية الصحيحة المشهورة : ( جَبَا الرَّكية ) بالفتح في الجيم والباء بواحدة مقصورًا ، وهو جانب البئر . و( الركيَّة ) البئر غير المطوية ، فإذا طويت فهي : الطَّوِيُّ . وللعذري : ( جُبِ ركية ) بضم الجيم ، وكسر الباء . والْجُب : البئر ليست بعيدة القعر . و( جاشت ) ؛ أي : ارتفعت . يقال : جاش الشيء ، يجيش جيشًا ؛ إذا ارتفع . وقوله : ( حجفة أو درقة ) على الشك من الراوي . والحجفة : الترس . وإنما يكون من عيدان ، والدّرق من الجلود . واختصاصه -صلى الله عليه وسلم- سلمة بتكرار البيعة ثلاثًا ؛ تأكيدا في حقّه ، لما علم -صلى الله عليه وسلم- من خصاله ، وكثرة غنائه ، كما قد ظهر منه على ما يأتي. و( عزلاً ) الرواية فيه هنا ، وفي الحرف الآتي بعده : بفتح العين وكسر الزاي . وقال بعض اللغويين : الصواب : أعزل ، ولا يقال : عزل. وقيده بعضهم : عزلاً- بضم العين والزاي- ، وكذا ذكره الهروي ، كما يقال : ناقة عُلُط ، وجمل فُنُق . والجمع : أعزال . كما يقال : جنب وأجناب ، وماء سُدُمٌ ، ومياه أسدام. والأعزل : الذي لا سلاح معه . و( أبغني ) : أعطني . يقال : بغيت الشيء من فلان فأبغانيه ؛ أي : أعطاني ما طلبته . وقوله : ( ثم إن المشركين راسلونا الصلح ) ؛ هذه رواية العذري ، وهي من الرسالة . ورواه جماعة من رواة مسلم : ( راسُّونا ) بسين مهملة مشددة مضمومة ، وهو من : رسِّ الحديث ، يرسه : إذا ابتدأه . ورسست بين القوم : أصلحت بينهم . ورسا لك الحديث رسوًا : إذا ذكر لك منه طرفًا . وروي : ( راسونا )- بفتح السين- لابن ماهان . قال عياض : ولا وجه لها . قوله : ( كنت تبيعًا لأبي طلحة ) ؛ أي : خديمًا له . وهو من : تبعت الرَّجل : إذا سرت خلفه . و( أحسه ) أنفض عنه التراب . والحسُّ : الحك . و( كسحت شوكها ) : كنسته . و( الضغث ) : القبضة من الحشيش وغيره . و( العبلات ) بطن من بني عبد شمس ، نسبوا إلى أم لهم تسمى : عبلة بنت عبيد ، من البراجم . و( الفرس المجفف ) : الذي عليه تجفاف- بكسر التاء- وهو الجل . و( بدء الفجور ) : أوله ، والفجور ضد البرِّ . و( ثناه ) : عوده ، بكسر الثاء المثلثة ، مقصورًا . وهي الرواية المشهورة ، ولابن ماهان : ( وثنياه ) بضم الثاء ، وهو بالمعنى الأول. والفجور هنا هو : نقض العهد ، ورَوْم غرة المسلمين ، وكان هذا في صلح الحديبية . وعفو النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هؤلاء السبعين ليتم أمر الصلح . والله تعالى أعلم . وقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ على أقوال هذا أحدها ، وهو أصحها . وقوله : ( وهم المشركون ) بضم الهاء ، وتخفيف الميم ، وهي ضمير الجمع . وقد ضبطه بعض الشيوخ : ( وهَمَّ ) بفتح الهاء ، والميم وتشديدها ؛ على أنه فعل ماض . و( المشركون ) فاعل به . قال عياض : معناه : هم النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أمرهم لئلا يغدروهم ، ويبيتوهم لقربهم منهم . يقال : همني الأمر ، وأهمني . ويقال : همَّني : أذابني ، وأهمَّني : غمني . قلت : والأقرب أن يكون معناه : هم المشركون بالغدر ، واستشعر المسلمون منهم بذلك . و( الظهر ) : الإبل التي تحمل على ظهورها الأثقال . و( أُنَدَّيه مع الظهر ) ؛ أي : أورده الماء فيشرب قليلاً ، ثم أرعاه وأورده. وهي التَّنْدِيَة ، وأصلها للإبل . وقد تكون التندية في الفرس بمعنى : التضمير ، وهي : أن يجري الفرس حتى يعرق . ويقال لذلك العرق : الندى ، قاله الأصمعي . و( استاقه ) ؛ أي : حمله ، والتاء زائدة للاستفعال . و( السَّرح ) الإبل التي تسرح في المرعى . و( الأكمة ) : الجبيل الصغير . وقوله : ( يا صباحاه ) هاؤه ساكنة ، وهو يشبه المنادى المندوب ، وليس به . ومعناه هنا : الإعلام بهذا الأمر المهم الذي قد دهمهم في الصباح . وقوله : ( وأنا ابن الأكوع ) الكوع : اعوجاج في اليدين . قيل : الكوع والوكع في الرجل : أن تميل إبهامها على أصابعها . واسم الأكوع : سنان بن عبد الله بن بشير ، وهو أبو سلمة على ما ذكره محمد بن سعد . وقيل : اسم أبي سلمة : عمرو بن الأكوع ، وهو جدُّ سلمة ، فنسب إليه . وقوله : ( واليوم يوم الرُّضع ) : الرُّضع : جمع راضع ، وهو اللئيم . وأصله : أن رجلاً كان يرضع الإبل، ولا يحلبها ، لئلا يُسمَع صوت الحلب فيقصد، فعبَّروا عن كل لئيم بذلك . وعليه قالوا في المثل : لئيم راضع . وقيل : لأنه يرضع اللؤم من أمه ، وهو مطبوع عليه . وقيل : معناه : اليوم يظهر من أرضعته كريمة أو لئيمة . وقيل : اليوم يعرف من أرضعته الحربُ من صغره . وقوله : ( فأصك سهمًا في رَحْله ، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه ) ؛ كذا روايتنا فيه ، بالحاء المهملة. ويعني به : أن سهمه أصاب أخرة رحله ، فنفذها ، ووصل إلى كتفه . وفي بعض النسخ : ( فأصكه سهمًا في رجله حتى خلص إلى كعبه ) ، والأول أشبه. و( أصك ) : أضرب. و( ألحق ) و( أصك ) : مضارعان ، ومعناهما : المضي . وقوله : ( فما زلت أرميهم ) ؛ أي : أرميهم بالسهام ( وأعقر بهم ) خيلهم ، ومنه ( فعقر بعبد الرحمن فرسه ) ، ويحتمل أن يكون معناه : أصيحُ بهم ، من قولهم : رفع عقيرته ؛ أي : صوته . و( يتضحَّون ) ؛ أي : يتغدَّون . وأصله : يأكلون عند الضحى . و( يُقْرَوْن ) : يُضافون . أخبرهم -صلى الله عليه وسلم- : بأنهم قَدْ وَصَلُوا إِلِى بِلَادِهِمْ ، وِأَنَّهُمْ قَدْ فَاتُوهُمْ . وَ( الْأَرَام ) : بألف ساكنة من غير همز : الأعلام من الحجارة . قال الشاعر : وبَيْداءَ تَحْسَبُ آرامَها رجالَ إيَادٍ بأجلادِها يعني : بأشخاصها . و( الأرآم ) بهمز الألف : الظباء . و( القرن ) : جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير . و( البَرْح ) مفتوحة الباء ، ساكنة الراء ، يعني به : المشقة الشديدة . وقوله : ( أنا أظنُّ ) أي : أتيقَّن . كما قال تعالى : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ؛ أي تحققت ، وأيقنت . ويحتمل البقاء على أصل الظن الذي هو تغليب لأحد المحتملين ، وقد اقتصر عليها ولم يذكر لها هنا مفعول . ويحتمل أن يكون حذف مفعولها للعلم به ، وهو : ذاك الذي هو إشارة إلى أن المصدر الذي يكتفى به عن المفعولين ، كما تقول : ظننت ذاك . والله أعلم . و( أعدو على رجلي ) ؛ أي : أشتد في الجري . و( حليتهم ) كذا وقع في رواية القاضي بالياء ، وقال : أصله الهمز فسُهّل . قلت : وصوابه : الهمز ، وهو أصله ، وهذا تسهيل لا يقتضيه القياس ، وروايتي فيه بالهمز على الأصل . ومعناه : طردتهم عن الماء. و( الثنية ) : الطريق في الجبل . وقوله : ( يا ثكلته أمه ) يا : للنداء ، والمنادى محذوف ويشبه أن يكون المحذوف ( مَنْ ) الموصولة متعلقة بـ( ثكلته أمه ) ، وكأنه قال : يا من ثكلته أمه فحذفها للعلم بها . ويحتمل غير هذا ، وهذا أشبه . والثكل : الفقد. والثكلى : المرأة الفاقدة ولدها ، الحزينة عليه . ومنه قولهم : ثكل خير من عقوق ، وكأنه دعا عليه بالفقد والهلاك . وقوله : ( أكوعه بكرة ) الضمير في أكوعه يعود على المتكلم على تقدير الغيبة ، كأنه قال : أكوع الرجل المتكلم ، وقد فهم منه هذا سلمة ، حيث أجابه بقوله : ( أكوعك بكرة ) ، فخاطبه بذلك و( بكرة ) منصوب ، غير منون على الظرف ؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث ؛ لأنه أريد بها بكرة معينة ، وكذلك : غدوة . وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت . وقوله : ( وأرذوا فرسين ) ، روايتي فيه بالذال ، ومعناه : تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضعف والكلال . والرذية : المعيبة ، وجمعها : رذايا ، ومنه قول الشاعر : ................ فهن رذايا في الطريق ودائع وقد روي بالدال المهملة ( أردوا ) ؛ أي : تركوهما هلكى ، من الردى ، وهو الهلاك ، والأول أوجه ؛ لأنه قال : فأقبلت بهما أسوقهما ، فدل على أنهما لم يهلكا ، وإنما ثقلا كلالاً وإعياءً . و( السَّطيحة ) : إناء من جلود يُسطَّح بعضها فوق بعض . و( المذقة ) : القطرة من اللبن الممزوج بالماء . و( المذق ) : مَزْج اللبن بالماء ، وقد تقدَّم القول في النواجذ ، وأن المراد بها- هنا- : الضَّواحك . وقوله : ( أعطاني سهمين : سهم الفارس ، وسهم الرَّاجل ) ؛ أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه ، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إيَّاه لشدَّة غنائه ، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم ، وهو الذي تنزل منزلة الجيش فيما فعل ، ولم يُسمع بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة ، ثم لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس ، فإن كان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوص به لخصوص فِعله . وقوله : ( ألا مسابقَ ؟ ) ألا مسابق : قيدناه مفتوحًا بغير تنوين ؛ لأنها ( لا ) التي للنفي والتبرئة ، زيدت عليها همزة الاستفهام ، وأشربت معنى التمني ؛ كما قالوا : ألا سيفَ صارما ؟ ألا ماءَ باردا ؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه ، وأنشد : ألا طِعَانَ ، ألا فُرْسانَ عادِيَة ألا تجشُّؤُكُمْ عِنْدَ التَّنانِيرِ ويجوز الرفعُ على أن تكون ( ألا ) استفتاحًا ، ويكون ( مسابق ) مبتدأ خبره محذوف ، تقديره : ألاَ هنا مسابق ، أو نحوه . وقول سلمة للرَّجل : أما تكرم كريمًا ، ولا تهاب شريفًا ؟ يدلُ على أنه فهم من قول الرَّجل : ( ألا مسابق ) النفي . فكأنه قال : لا أحدْ يسبقني. فلذلك أنكر عليه سلمة . ولو كان عرضا فقط لم يكن فيه ما ينكره . و( ذرني ) ؛ أي : دَعني ( فلأسبقَ ) منصوب بلام كي ، على زيادة الفاء. و( طفرت ) : وثبت وقــفزت . و( ربطت عليه ) : شددت عليه. ( شرفًا أو شرفين ) ؛ يعني : طَلَقاَ أو طَلَقين . ( أستبقي ) أبقي . ( نَفسي ) رويناه بفتح الفاء وسكونها. ففي الفتح يعني به : التنفس. يريد : أنه رفق في جريه مخافةَ ضيق النفس. وبالسكون يعني به : أروح نفسي وأجمها لجريٍ آخرِ . وقوله : ( ثَمَّ إني رفعت ) ؛ أي : زدتُ في السير . ويروى : ( دفعت ) بالدَال ؛ أي : دفعتُ دفعةَ شديدةً من الجري ، وكلاهما قريب في المعنى. وقوله : ( اذهب إليك ) ؛ قيدناه على من يوثق بعلمه على الأمر ؛ أي : انفذ لوجهك ، وخذ في الجري . يقوله سلمة وهو راكب خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- للرَّجل الذي قال : ألا مسابق . ولذلك قال : وثنيت رجلي ؛ أي : نزلت عن ظهر العضباء . و( إليك ) على هذا معمول لـ ( اذهب ) ؛ أي : انفذ لوجهك . وقوله : ( والله! ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر ) ؛ ظاهر هذا الكلام : أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قرد ؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير ، الذي هو ثلاث ليال ، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ ؛ فإن غزوة ذي قرد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة ، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السنة ، ثم اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة ، ثم رجع إلى المدينة ، وأقام بها ذا الحجَّة وبعض المحرم ، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر ، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره ، ولا يكادون يختلفون في ذلك . وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهم من بعض الرُّواة ، ويحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها ، فأخبر سلمة عن نفسه ، وعمن خرج معه. وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي له : أنه -صلى الله عليه وسلم- أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين . والله أعلم . و( ذو قُرْد ) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء . وقد قيل فيه بضمِّهما . والقَرَدُ في اللغة هو : الصوف الرديء . يقال في المثل : عَثَرت على الغَزْل بأَخَرَة فلم تَدْع بِنَجْدِ قَرَد . وهو في الحديث : موضع معروف. حكى هذا كله السهيلي . وقول عمر : ( يا رسولَ الله! لولا متَّعْتَنَا به ؛ أي : هلا دعوتَ الله أن يمتعنا ببقائه . و( يخطر بسيفه ) ؛ أي : يهزه متكبرًا ، و( شاكي السلاح ) هو الذي جَمَع عليه سلاحه. يقال : شاكي السلاح ، و( شاكِ ) بالكسر- و( شاكُ ) بالرفع ، و( شائك ) ، وهذا أصوب ، وما قبله مقلوب . والشكة ، والشوكة : السلاح. و( مجرب ) روايتنا فيه بفتح الراء على أنه اسم مفعول ؛ يعني : أنه جربت حروبه ، وعلمت . ويصحُ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل ، يعني : أنه جرَّبَ الحروبَ بنفسه ، فخبرها. وقول عامر : ( بطل مغامر ) ؛ البطلُ : الشجاع . يقال : بطل بيِّن البطولة والبطالة . و( المغامر ) : اسم فاعل مِن غامر ؛ يعني : أنه يأتي غمرات الحروب ، ويقتحمها. وأصله من الغمر ، وهو الماءُ الكثير . و( يسفّل ) بسيفه ؛ أي : يختِل أن يضربه ، من أسفله . وقول علي : ( أنا الذي سمتني أمي حيدرة ) ؛ حيدرة : من أسماء الأسد ، وله أسماء كثيرة . وكان علي سماه أبوه عليًّا ، وسمته أمه أسدًا باسم أبيها ، فغلب عليه ما سماه به أبوه ، فذكر الآن ما سمته به أمه لمناسبة ما بين الحرب وصوّلة الأسد . والهاء في ( حيدره ) وفي ( المنظره ) زائدة للاستراحة . والمنظرة : المنظر . ويعني : أنه كريه المنظر في عين عدوه ؛ لأن موت عدوه مقرون بنظره إليه . و( ليث ) من أسماء الأسد . و( الغابات ) : جمع غابة ، وهي ملتف الشجر ؛ لأنها تغيب فيها من يدخلها . و( السندرة ) : مكيال واسع . قال القتبي : ويحتمل أن يكون أخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسيّ . قال صاحب العين : كيل السندرة : ضرب من الكيل ، ومعناه : أقتلهم قتلاً واسعًا . وقيل : السندرة : العجلة ؛ أي : أقتلهم قتلاً عجلاً عاجلاً . وفي هذا الحديث من معجزات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع ، ومن الفقه والأحكام ما فيه كثرة لا تخفى على فطن ، من أهمها : جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله إرادة الشهادة ، واقتحام الواحد على الجمع ؛ إذا كان من أهل النجدة . وجواز المبارزة بغير إذن الإمام . وهو حجَّة على من كرهها مطلقًا ، وهو الحسن ، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام : وهو إسحاق ، وأحمد ، والثوري . ثم هل يعان المبارز أم لا ؟ أجازها أحمد وإسحاق ، ومنعها الأوزاعي ، وفسر الشافعي فقال : إن شرط المبارز عدمها لم يجز ، وإن لم يشترط جاز . وظاهر هذا الحديث : أن الذي قتل مرحبًا هو علي رضي الله عنه . وقد روي : أن الذي قتله محمد بن مسلمة . وحكى محمد بن سعد : أن الذي قتله ، محمد ، وذفَّفَ عليه علي .