[ 39 ] 2185 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ - ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَاهُ جِبْرِيلُ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ ، إِذَا حَسَدَ ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ . ( 16 ) بَاب الطِّبِّ وَالْمَرَضِ وَالرُّقَى قَوْلُهُ : ( إِنَّ جِبْرِيلَ رَقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ بَعْدَهُ فِي الرُّقَى ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) فَقَدْ يُظَنُّ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَلَا مُخَالَفَةَ ، بَلِ الْمَدْحُ فِي تَرْكِ الرُّقَى الْمُرَادُ بِهَا الرُّقَى الَّتِي هِيَ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ ، وَالرُّقَى الْمَجْهُولَةُ ، وَالَّتِي بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَمَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا ، فَهَذِهِ مَذْمُومَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَعْنَاهَا كُفْرٌ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ ، أَوْ مَكْرُوهٌ . وَأَمَّا الرُّقَى بِآيَاتِ الْقُرْآنِ ، وَبِالْأَذْكَارِ الْمَعْرُوفَةِ ، فَلَا نَهْيَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِنَّ الْمَدْحَ فِي تَرْكِ الرُّقَى لِلْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيَانِ التَّوَكُّلِ . وَالَّذِي فَعَلَ الرُّقَى ، وَأَذِنَ فِيهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، مَعَ أَنَّ تَرْكَهَا أَفْضَلُ ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَحَكَاهُ عَمَّنْ حَكَاهُ . وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ نَقَلُوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى بِالْآيَاتِ ، وَأَذْكَارِ اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ الْمَازِرِيُّ : جَمِيعُ الرُّقَى جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ بِذِكْرِهِ ، وَمَنْهِيٌّ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ ، أَوْ بِمَا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي رُقْيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَجَوَّزَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بَدَّلُوهُ . وَمَنْ جَوَّزَهَا قَالَ : الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوا الرُّقَى ، فَإِنَّهُمْ لَهُمْ غَرَضٌ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِمَّا بَدَّلُوهُ . وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ ) . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى ) فَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدِهَا كَانَ نَهَى أَوَّلًا ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ ، وَأَذِنَ فِيهَا ، وَفَعَلَهَا ، وَاسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَى الْإِذْنِ . وَالثَّانِي : أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الرُّقَى الْمَجْهُولَةِ كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ النَّهْيَ لِقَوْمٍ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَنْفَعَتَهَا وَتَأْثِيرَهَا بِطَبْعِهَا كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ . أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ( لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ ) فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : لَمْ يُرِدْ بِهِ حَصْرَ الرُّقْيَةِ الْجَائِزَةِ فِيهِمَا ، وَمَنْعَهَا فِيمَا عَدَاهُمَا ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ لَا رُقْيَةَ أَحَقُّ وَأَوْلَى مَنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَّةِ لِشِدَّةِ الضَّرَرِ فِيهِمَا . قَالَ الْقَاضِي : وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : سُئِلَ عَنِ النَّشْرَةِ ، فَأَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ . قَالَ : وَالنَّشْرَةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْزِيمِ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَنْشُرُ عَنْ صَاحِبِهَا ، أَيْ تُخَلِّي عَنْهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : هِيَ مِنَ السَّحَرِ . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَشْيَاءُ خَارِجَةٌ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَذْكَارِهِ ، وَعَنِ الْمُدَاوَاةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحِ . وَقَدِ اخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ هَذَا ، فَكَرِهَ حَلَّ الْمَعْقُودِ عَنِ امْرَأَتِهِ . وَقَدْ حَكَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بِهِ طِبٌّ أَيْ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ ، أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ ، أَيُخَلَّى عَنْهُ أَوْ يُنْشَرُ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الصَّلَاحَ ، فَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ . وَمِمَّنْ أَجَازَ النَّشْرَةَ الطَّبَرِيُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ كَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ : يَجُوزُ الِاسْتِرْقَاءُ لِلصَّحِيحِ لِمَا يَخَافُ أَنْ يَغْشَاهُ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ ، وَالْهَوَامِّ . وَدَلِيلُهُ أَحَادِيثُ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ تَفَلَ فِي كَفِّهِ ، وَيَقْرَأُ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَالْمُعَوِذِّتَيْنِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَهُ مِنْ جَسَدِهِ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الطِّبِّ وَالْمَرَضِ وَالرُّقَى · ص 340 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم · ص 562 ( 31 ) كتاب : الرقى والطب ( 1 ) باب في رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ( 2185 ) ( 39 ) - [2126] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَاهُ جِبْرِيلُ ، قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي شر . ( 31 ) كتاب الرُّقى والطِّبِّ ( 1 ) باب في رقية جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - قولها : ( كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى رقاه جبريلُ - عليه السلام - ) دليلٌ على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى ، وأن ذلك لا يناقض التوكل على الله تعالى ولا ينقصه ؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق الناس بأن يجتنبَ ذلك ، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في المقامات الشريفة ، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقام ، وأعلى حال ، وقد رُقي في أمراضه ، حتى في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - ، فقد رقته عائشة رضي الله عنها في مرض موته ، ومسحته بيدها وبيده ، وهو مُقرٌّ لذلك ، غير منكر لشيء مما هنالك . وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الإيمان . و ( قوله : باسم الله يبريك ) الاسم هنا يراد به المسمَّى ؛ فكأنه قال : الله يبريك ، كما قال تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى أي : سبح ربَّك . ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدَّالة على المسمَّى ، والمسمَّى هو مدلولها ، غير أنه قد يتوسَّع ، فيوضع الاسم موضع المسمَّى مسامحة ، فتدبَّر هذا ، فإنَّه موضع قد كثر فيه الغلط ، وتاه فيه كثير من الجهَّال وسقط . وموضع استيفائه علم الكلام . و ( قوله : ومن كل داء يشفيك ) دليلٌ على جواز الرُّقى لما وقع من الأمراض ، ولما يتوقع وقوعه . وقوله : وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ دليلٌ على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا يقع به ، إمَّا في جسمه بمرض ، أو في ماله وما يختص به بضرر ، وذلك بإذن الله تعالى ، ومشيئته ، كما قد أجرى عادته ، وحقق إرادته ، فربط الأسباب بالمسببات ، وأجرى بذلك العادات ، ثمَّ أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه ، والدعاء ، وأحالنا على الاستعانة بالعُوَذ والرُّقى .