[ 15 ] - وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جرير ، ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ ، فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ : لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ يَخْطُبُ فَقَالَ : لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ [ 16 ] - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ قَالَ : فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ : الشَّيْطَانَ . [ 17 ] ( 2269 ) - حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح . وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَنَّهَا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اعْبُرْهَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ ، حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا قَالَ : فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ . قَالَ : لَا تُقْسِمْ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَانًا يَقُولُ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَحْيَانًا يَقُولُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِير ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْتُ ظُلَّةً . بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . قَوْلُهُ : ( أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا ) . أَمَّا ( الظُّلَّةُ ) فَهِيَ السَّحَابَةُ . ( وَتَنْطِفُ ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ تَقْطُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا . ( وَيَتَكَفَّفُونَ ) يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ . وَ( السَّبَبُ ) الْحَبْلُ . وَ( الْوَاصِلُ ) بِمَعْنَى الْمَوْصُولِ . وَأَمَّا ( اللَّيْلَةُ ) فَقَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ : يُقَالُ : رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَمَنِ الزَّوَالِ إِلَى اللَّيْلِ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصَبْتَ بَعْضًا ، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَصَبْتَ فِي بَيَانِ تَفْسِيرِهَا ، وَصَادَفْتَ حَقِيقَةَ تَأْوِيلِهَا ، وَأَخْطَأْتَ فِي مُبَادَرَتِكَ بِتَفْسِيرِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَكَ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَمُوَافِقُوهُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : اعْبُرْهَا وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي تَرْكِهِ تَفْسِيرَ بَعْضِهَا ، فَإِنَّ الرَّائِي قَالَ : رَأَيْتُ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ، فَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقُرْآنِ حَلَاوَتِهِ وَلِينِهِ ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعَسَلِ ، وَتَرَكَ تَفْسِيرَ السَّمْنِ وَتَفْسِيرَهُ السُّنَّةُ ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأُ وَقَعَ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ أَخَذَ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ ، وَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، وَعُثْمَانُ قَدْ خُلِعَ قَهْرًا ، وَقُتِلَ ، وَوُلِّيَ غَيْرُهُ . فَالصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ قَوْمِهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأُ فِي سُؤَالِهِ لِيَعْبُرَهَا . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ قَالَ : لَا تُقْسِمْ ) هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ إِبْرَارَ الْمُقْسِمِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْإِبْرَارِ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ . فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِبْرَارِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا رَأَى فِي إِبْرَارِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ ، وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَبِ انْقِطَاعِ السَّبَبِ مَعَ عُثْمَانَ ، وَهُوَ قَتْلُهُ . وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ ، فَكَرِهَ ذِكْرَهَا مَخَافَةً مِنْ شُيُوعِهَا ، أَوْ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُبَادَرَتَهَ وَوَبَّخَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، أَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي تَرْكِ تَعْيِينِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ فِي بَيَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَانَهُمْ مَفْسَدَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ عَبْرِ الرُّؤْيَا ، وَأَنَّ عَابِرَهَا قَدْ يُصِيبُ ، وَقَدْ يُخْطِئُ . وَأَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ لِأَوَّلِ عَابِرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا أَصَابَ وَجْهَهَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَارُ الْمُقْسِمِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ . قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ : أُقْسِمُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ : أُقْسِمُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي عَجَبٌ ، فَإِنَّ الَّذِي فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ : ( فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي ) وَهَذَا صَرِيحُ يَمِينٍ ، وَلَيْسَ فِيهَا أُقْسِمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ لِمَالِكٍ : أَيَعْبُرُ الرَّجُلُ الرُّؤْيَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الشَّرِّ ؟ فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَبِالنُّبُوَّةِ يَتَلَعَّبُ ؟ هِيَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَهُمْ كَثِيرًا مَا كَانَ يَفْعَلُ كَذَا ، كَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ شَأْنِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى عِلْمِ الرُّؤْيَا وَالسُّؤَالِ عَنْهَا وَتَأْوِيلِهَا ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَسُؤَالُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ تَأْوِيلَهَا وَفَضِيلَتَهَا وَاشْتِمَالَهَا عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي · ص 428 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب استدعاء العابر ما يعبر وتعبير من لم يسأل · ص 30 ( 2269 ) [ 2183 ] وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه : " من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها ؟ قال فجاء رجل فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رأيت ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَإذا النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأمي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اعْبُرْهَا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَخْطَأْتُ أم أَصَبْتُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ، قَالَ : فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالَّذِي أَخْطَأْتُ ، قَالَ : لَا تُقْسِمْ . و ( قوله : كان مما يقول لأصحابه ) قال القاضي أبو الفضل : معنى ( مما ) هاهنا عندهم : كثيرًا ما كان يفعل كذا . قال ثابت في مثل هذا : كأنه يقول : هذا من شأنه ، ودأبه ، فجعل ( ما ) كناية عن ذلك . يريد : ثم أدغم ( من ) فقال : مما يقول . وقال غيره : معنى ( ما ) هاهنا : ربما ، لأنَّ ربما تأتي للتكثير . قلت : وهذا كلام جملي لم يحصل به بيان تفصيلي ، فإنَّ هذا الكلام من السهل جملة الممتنع تفصيلاً . وبيانه بالإعراب ، وذلك : أن اسم كان مستتر فيها يعود على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخبرها في الجملة التي بعدها ، وذلك : أن ( ما ) من ( مما ) بمعنى : الذي ، وهي مجرورة بـ ( من ) وصلتها : يقول ، والعائد محذوف . وهذا المجرور : خبر المبتدأ الذي هو : من رأى منكم رؤيا ، فإنَّه كلام محكي معمول للقول ، تقديره : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة القول الذي يقوله هذا القول . ويجوز أن تكون مصدرية ، ويكون تقديرها : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جملة قوله : " من رأى منكم رؤيا " و" مَنْ " في كلا الوجهين : استفهام محكي . والله تعالى أعلم . وأبعد ما قيل فيها : قول من قال : إن " من " بمعنى : ربما ، إذ لا يساعده اللسان ، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام . و ( قوله : " فليقصَّها أَعْبُرها " ) أي : ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئًا ، مأخوذ من : قصصت الأثر : إذا تتبعته . و" أعبرها " ، أي : أعتبرها وأفسرها . ومنه قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ وأصله من عبرت النهر : إذا جُزْتُ من إحدى عُدوتيه إلى الأخرى . و" الظُّلة " : السَّحابة التي تظلل من تحتها . و" تنطف " : تقطر . والنطفة : القطرة من المائع . و" يتكففون " : يأخذون بأكفهم ، ويحتمل أن يكون معناه : يأخذون من ذلك كفايتهم . وهذا أليق بقوله : فالمستكثر من ذلك والمستقل . و" السبب " : الحبل . و ( قوله : " بأبي أنت وأمي " ) أي : مَفْدِيٌّ من المكاره والمساوئ . و ( قوله : " والله لتدعني فلأعبرها " ) هذه الفاء : زائدة . و" أعبرها " منصوب بلام كي ، ويصح أن تكون لام الأمر فتجزم ، ولا تكون لام القسم لما يلزم من فتحها ، ومن دخول النون في فعلها . وفيه من الفقه : جواز الحلف على الغير ، وإبرار الحالف ، فإنَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجاب طَلِبَتَه ، وأبرَّ قسمه ، فقال له : " اعبُر " . ويدل على تمكُّن أبي بكر من علم عبارة الرؤيا . ووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة ، ومناسباتها واقعة ، غير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال له : " أصبت بعضًا ، وأخطأت بعضًا " ، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه . اختلف الناس فيه ، فقيل : معناه : أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير مفسَّرة ، وذلك أنه ردَّ شيئين لشيءٍ واحد ، فإنَّه ردَّ السَّمن والعسل للقرآن ، ولو ردَّ الحلاوة للقرآن والسَّمن للسُّنَّة ، لكان أليق ، وأنسب . وإلى هذا أشار الطحاوي . قلت : وفي هذا بُعد ، ويرد عليه مؤاخذات يطول تتبعها . وقال بعضهم : إن المنام يدلّ على خلع عثمان ، لأنه الثالث الذي أخذ بالسبب فانقطع به ، غير أنه لم يُوصل له بِعَودِ الخلافة ، فإنَّه قتل ، وإنما وصل لغيره ، وهو علي رضي الله عنهما . قلت : وهذا إنما يصحُّ إذا لم يرو في الحديث : " له " من " وصل له " على ما نبَّه عليه القاضي فإنَّه قال : ليس فيها " له " . وإنما هو : " وصل " فقط . وعلى هذا يمكن أن ينسب الخطأ إلى هذا المعنى ، لأنَّه تأوَّل الوصل له وهو لغيره ، لكن الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفت عليها ثبوت " له " ، وعلى هذا فإنما وصل له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة ، وتأوَّلها أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على الخلافة . والله تعالى أعلم . وبعد هذا فأقول : إن تكلُّف إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يعلمه أبو بكر ، ولا من كان هناك من أكابر الصحابة وعلمائهم ـ رضي الله عنهم ـ جرأة نستغفر الله تعالى منها ، وإنما لم يعيِّن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها ، ولا أرهقت إليه حاجة ، ولعلَّه لو عيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة ، ومن تتم له ، ومن لا تتم له ، فتنفر لذلك نفوس ، وتتألم قلوبٌ ، وتطرأ منه مفاسد ، فسدَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك الباب . والله تعالى أعلم بالصواب . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : " لا تُقسم " ) مع أنه قد أقسم . معناه : لا تعد للقسم . ففيه : ما يدلّ على أن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإبرار المقسم ليس بواجب ، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه .