[70] 2589 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَقُتَيْبَةُ ، وَابْنُ حُجْرٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ . قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ . ( 20 ) بَاب تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْغِيبَةُ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ . قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ ) . يُقَالُ : بَهَتَهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ مُخَفَّفَةٍ . قُلْتُ فِيهِ : الْبُهْتَانِ ، وَهُوَ الْبَاطِلُ . وَ ( الْغِيبَةُ ) ذِكْرُ الْإِنْسَانِ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَهُ . وَأَصْلُ الْبَهْتِ أَنْ يُقَالَ لَهُ الْبَاطِلُ فِي وَجْهِهِ ، وَهُمَا حَرَامَانِ . ( لَكِنْ ) تُبَاحُ الْغِيبَةُ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ ، وَذَلِكَ لِسِتَّةِ أَسْبَابٍ : أَحَدُهَا التَّظَلُّمُ ; فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ ، فَيَقُولُ : ظَلَمَنِي فُلَانٌ ، أَوْ فَعَلَ بِي كَذَا . الثَّانِي الِاسْتِغَاثَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ ، وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ ، فَيَقُولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ : فُلَانٌ يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . الثَّالِثُ الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي : ظَلَمَنِي فُلَانٌ أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ وَدَفْعِ ظُلْمِهِ عَنِّي ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ يَقُولَ فِي رَجُلٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَالِدٍ وَوَلَدٍ : كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ لِحَدِيثِ هِنْدٍ وَقَوْلِهَا : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ . الرَّابِعُ : تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ : مِنْهَا جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَالشُّهُودِ ، وَالْمُصَنِّفِينَ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ ، وَمِنْهَا الْإِخْبَارُ بِعَيْبِهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُوَاصَلَتِهِ ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا سَارِقًا أَوْ زَانِيًا أَوْ شَارِبًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ تَذْكُرَهُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ نَصِيحَةً ، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا ، وَخِفْتَ عَلَيْهِ ضَرَرَهُ ، فَعَلَيْكَ نَصِيحَتَهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ ، فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حَالِهِ ، فَلَا يَغْتَرُّ بِهِ ، وَيَلْزَمُ الِاسْتِقَامَةَ . الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كَالْخَمْرِ وَمُصَادَرَةِ النَّاسِ وَجِبَايَةِ الْمُكُوسِ وَتَوَلِّي الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ . السَّادِسُ : التَّعْرِيفُ ، فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَزْرَقِ وَالْقَصِيرِ وَالْأَعْمَى وَالْأَقْطَعِ وَنَحْوِهَا جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ · ص 110 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته · ص 569 ( 2589 ) [ 2496 ] وعنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ . و ( قوله : " أتدرون ما الغيبة ؟ " ) كأن هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر الغيبة ، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ففسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغيبة المنهي عنها . ووزنها فعلة ، وهي مأخوذة من الغيبة - بفتح الغين - مصدر غاب ، لأنَّها ذكر الرجل في حال غيبته بما يكرهه لو سمعه . يقال من ذلك المعنى : اغتاب فلان فلانا ، يغتابه اغتيابا ، واسم ذلك المعنى : الغيبة ، ولا شك في أنها محرمة وكبيرة من الكبائر ، بالكتاب والسنة ، فالكتاب : قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا الآية ، وأما السنة فكثيرة ، من أنصها ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم " ، وفي كتابه من حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم ، قال : " مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم " . وإذا تقررت حقيقة الغيبة وأن أصلها على التحريم ، فاعلم أنها قد تخرج عن ذلك الأصل صور ، فتجوز الغيبة في بعضها ، وتجب في بعضها ، ويندب إليها في بعضها : فالأولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به ، فيجوز ذكره بفسقه لا بغيره ، مما يكون مشهورا به ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " بئس أخو العشيرة " كما يأتي ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا غيبة في فاسق " ، ولقوله : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " . والثاني : جرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته ، وجرح المحدث الذي يخاف أن يُعمل بحديثه ، أو يُروى عنه ، وهذه أمور ضرورية في الدين ، معمول بها ، مجمع من السلف الصالح عليها . ونحو ذلك : ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته ، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك ، على جهة الإخبار ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه " . وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب ، بل يندب إليه ، كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم ، وكتحريز من لم يسأل مخافة معاملة مَن حاله تُجهل ، وحيث حكمنا بوجوب النص على الغيب ، فإنما ذلك إذا لم نجد بدا من التصريح والتنصيص ، فأمَّا لو أغنى التعريض والتلويح ، لحرم التنصيص والتصريح ؛ فإنَّ ذلك أمر ضروري ، والضروري يقدر بقدر الحاجة ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " ) هو بتخفيف الهاء وتشديد التاء ، لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل ، وكذلك رويته ، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب ، يقال : بهته بهتا وبهتا وبهتانا ، أي : قال عليه ما لم يقل ، وهو بهات ، والمقول مبهوت ، ويقال : بهِت الرجل - بالكسر - إذا دهش وتحير ، وبهُت - بالضم - مثله ، وأفصح منها : بُهِت ، كما قال تعالى : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ لأنَّه يقال : رجل مبهوت ، ولا يقال : باهت ، ولا بهيت . قاله الكسائي .