حدثنا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ( كُلُّ مَوْلُودٍ ) : أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ . ( يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ) : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ . ( يُهَوِّدَانِهِ ) : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا . ( وَيُنَصِّرَانِهِ ) : أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا . ( كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ ) : أَيْ تَلِدُ . ( جَمْعَاءَ ) : أَيْ سَلِيمَةِ الْأَعْضَاءِ كَامِلَتِهَا . ( هَلْ تُحِسُّ ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ . وَقِيلَ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ ، أَيْ : هَلْ تُدْرِكُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ سَلِيمَةٌ مَقُولًا فِي حَقِّهَا ذَلِكَ . ( مِنْ جَدْعَاءَ ) أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأُذُنِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَهِيمَة أَوَّلُ مَا تُولَدُ تَكُونُ سَلِيمَةً مِنَ الْجَدْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهَا أَرْبَابُهَا النَّقَائِصَ ، كَذَلِكَ الطِّفْلُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَوْ تُرِكَ عَلَيْهَا لَسَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ إِلَّا أَنَّ وَالِدَيْهِ يُزَيِّنَانِ لَهُ الْكُفْرَ وَيَحْمِلَانِهِ عَلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
الشروح
عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ · ص 366 عون المعبود شرح سنن أبي داودبَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ · ص 366 قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شاهد أَخْبَرَكَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو ، قال : أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ مَالِكٌ : احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ . قَالُوا : أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ( إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ) : الْمُرَادُ بِهِمْ هَاهُنَا الْقَدَرِيَّةُ . ( قَالَ مَالِكٌ : احْتَجَّ ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ . ( عَلَيْهِمْ ) : أَيْ عَلَى أَهْلِ الْهْوَاءِ . ( بِآخِرِهِ ) : أَيْ بِآخِرِ الْحَدِيثِ . ( قَالُوا : أَرَأَيْتَ إِلَخْ ) : هَذَا بَيَانٌ لِآخِرِ الْحَدِيثِ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : سَبَبُ اخْتَلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ ، فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظِ الْفِطْرَةِ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .