الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبا لهم على حروف المعجم
الفصل التاسع . في سياق أسماء من طعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبا لهم على حروف المعجم ، والجواب عن الاعتراضات موضعا موضعا ، وتمييز من أخرج له منهم في الأصول أو في المتابعات والاستشهادات مفصلا لذلك جميعه . وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان ، مقتض لعدالته عنده ، وصحة ضبطه وعدم غفلته ، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين ، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول ، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق ، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره ، مع حصول اسم الصدق لهم ، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا ، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام ، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا ، أو في ضبطه لخبر بعينه ؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة ، منها ما يقدح ، ومنها ما لا يقدح ، وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة .
يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه ، قال الشيخ أبو الفتح القشيري في مختصره : وهكذا نعتقد وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما . قلت : فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح ؛ لأن أسباب الجرح مختلفة ومدارها على خمسة أشياء : البدعة ، أو المخالفة ، أو الغلط ، أو جهالة الحال ، أو دعوى الانقطاع في السند ، بأن يُدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل . فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح ؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة ، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول ، فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف ، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته ؛ لما مع المثبت من زيادة العلم ، ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا كما سنبينه ، وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده ، أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط ، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق ، وإن لم يوجد إلا من طريقه ، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله ، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء ، وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال : سيئ الحفظ ، أو له أوهام ، أو له مناكير ، وغير ذلك من العبارات ، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله ، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك .
وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة ، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا ، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى ، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ، فهذا شاذ ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير ، قد بين في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى . وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه ، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة ، فإن وجد التصريح بالسماع فيها ، اندفع الاعتراض وإلا فلا ، وأما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق ، فالمكفر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة ، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره ، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، أو غير ذلك ، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة ، والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا ، لكنه مستند إلى تأويل ظاهرة سائغ ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله ، إذا كان معروفا بالتحرز من الكذب ، مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة ، موصوفا بالديانة والعبادة ، فقيل : يقبل مطلقا ، وقيل : يرد مطلقا ، والثالث : التفصيل بين أن يكون داعية أو غير داعية ، فيقبل غير الداعية ويرد حديث الداعية ، وهذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة ، وادعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه ، لكن في دعوى ذلك نظر ، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل ، فبعضهم أطلق ذلك ، وبعضهم زاده تفصيلا فقال : إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيد بدعته ويزينه ويحسنه ظاهرا فلا تقبل ، وإن لم تشتمل فتقبل ، وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية فقال : إن اشتملت روايته على ما يرد بدعته قبل ، وإلا فلا ، وعلى هذا اشتملت رواية المبتدع سواء كان داعية أم لم يكن على ما لا تعلق له ببدعته أصلا ، هل ترد مطلقا أو تقبل مطلقا ؟ مال أبو الفتح القشيري إلى تفصيل آخر فيه ، فقال : إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه ، هو إخماد لبدعته وإطفاء لناره ، وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده ، مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب ، واشتهاره بالدين ، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته - فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته ، والله أعلم . واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد ، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق ، وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط ، والله الموفق .
وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف بعض الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره ، أو للتجامل بين الأقران ، وأشد من ذلك تضعيف من ضعف من هو أوثق منه ، أو أعلى قدرا ، أو أعرف بالحديث ، فكل هذا لا يعتبر به ، وقد عقدت فصلا مستقلا سردت فيه أسماءهم في آخر هذا الفصل بعون الله ، وإذ تقرر جميع ذلك فنعود إلى سرد أسماء من طعن فيه من رجال البخاري ، مع حكاية ذلك الطعن والتنقيب عن سببه ، والقيام بجوابه ، والتنبيه على وجه رده على النعت الذي أسلفناه في الأحاديث المعللة بعون الله تعالى وتوفيقه .