بَاب إِمَامَةِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) أَيْ : فِيمَا فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنِ اسْتُعْمِلَ ) أَيْ : جُعِلَ عَامِلًا ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ يَحْيَى : وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ، وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ : اسْمَعْ وَأَطِعِ ، الْحَدِيثَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ أَيْضًا ، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ لَهُ آخَرُ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُونِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : إِنَّ خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَانِي : أَنِ اسْمَعْ وَأَطِعْ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِيهِ قِصَّةُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَإِذَا عَبْدٌ يَؤُمُّهُمْ ، قَالَ : فَقِيلَ : هَذَا أَبُو ذَرٍّ ، فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : أَوْصَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ : سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ : وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَائِدَتَانِ : تَعْيِينُ جِهَةِ الطَّاعَةِ ، وَتَارِيخُ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) قِيلَ : شَبَّهَهُ بِذَلِكَ لِصِغَرِ رَأْسِهِ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْحَبَشَةِ ، وَقِيلَ : لِسَوَادِهِ ، وَقِيلَ : لِقِصَرِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَتَفَلْفُلِهِ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْعَبْدِ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِطَاعَتِهِ فَقَدْ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ جِهَةِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ أَنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى السَّلَاطِينِ وَإِنْ جَارُوا ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى أَشَدِّ مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ الْحَبَشِيِّ ، وَالْإِمَامَةُ الْعُظْمَى إِنَّمَا تَكُونُ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي قُرَيْشٍ فَيَكُونُ غَيْرُهُمْ مُتَغَلِّبًا ، فَإِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ اسْتَلْزَمَ النَّهْيَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَالْقِيَامَ عَلَيْهِ .
وَرَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِلِ هُنَا مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ الْإِمَامُ لَا مَنْ يَلِي الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّاعَةِ الطَّاعَةُ فِيمَا وَافَقَ الْحَقَّ . انْتَهَى . وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ وُجِدَ مَنْ وَلِيَ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ مِنْ ذَوِي الشَّوْكَةِ مُتَغَلِّبًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ .
وَقَدْ عَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِمَامَةِ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ، إِذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِجْزَاءِ وَالْجَوَازِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .