بَاب السَّلَم إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ
بَاب السَّلَم إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ 2244 ، 2245 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ ، قَالَ : بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ، وَأَبُو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَا : سَلْهُ : هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ ، فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، قُلْتُ : إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ ؟ قَالَ : مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا . حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ ، بِهَذَا ، وَقَالَ : فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ : وَقَالَ : وَالزَّيْتِ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ : وَقَالَ : فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ السَّلَمِ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ ) أَيْ : مِمَّا أَسْلَمَ فِيهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ أَصْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُسْلَمُ فِيهِ ، فَأَصْلُ الْحَبِّ مَثَلًا الزَّرْعُ ، وَأَصْلُ الثَّمَرِ مَثَلًا الشَّجَرُ ، وَالْغَرَضُ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي أَوْفَى مِنْ طَرِيقِ الشَّيْبَانِيِّ ، فَأَوْرَدَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْهُ ، فَذَكَرَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالزَّيْتَ ، وَمِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّيْتَ ، وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ : الزَّبِيبَ بَدَلَ الزَّيْتِ ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ - وَذَكَرَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ - كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( نَبِيطُ أَهْلِ الشَّامِ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ : أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ وَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ دَخَلُوا فِي الْعَجَمِ وَالرُّومِ ، وَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابُهُمْ وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتُهُمْ ، وَكَانَ الَّذِينَ اخْتَلَطُوا بِالْعَجَمِ مِنْهُمْ يَنْزِلُونَ الْبَطَائِحَ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ ، وَالَّذِينَ اخْتَلَطُوا بِالرُّومِ يَنْزِلُونَ فِي بِوَادِي الشَّامِ ، وَيُقَالُ لَهُمُ : النَّبَطُ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَالنَّبِيطُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ ، وَالْأَنْبَاطُ قِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنْبَاطِ الْمَاءِ ، أَيِ : اسْتِخْرَاجُهُ لِكَثْرَةِ مُعَالَجَتِهِمُ الْفِلَاحَةَ .
قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ ) أَيِ : الْمُسْلَمُ فِيهِ ، وَسَيَأْتِي مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بِلَفْظِ : قُلْتُ : أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ) كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْحُكْمَ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ ، وَتَقْرِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ ) هُوَ الْعَدَنِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَطَرِيقُهُ مَوْصُولَةٌ فِي جَامِعِ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْهِلَالِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَذْكُورِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ السَّلَمِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَزَادَ : وَيَقْبِضُهُ فِي مَكَانِ السَّلَمِ ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي تَسْلِيمِهِ مَكَانًا مَعْلُومًا . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيمَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي وَقْتِ السَّلَمِ إِذَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي وَقْتِ حُلُولِ السَّلَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ عِنْدَهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ فِيمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَهُ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحَلِّهِ لَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّفَرُّقِ فِي السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : يَفْسُدُ بِالِافْتِرَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى جَوَازُ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالسَّلَمِ إِلَيْهِمْ ، وَرُجُوعُ الْمُخْتَلِفِينَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى السُّنَّةِ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّ السُّنَّةَ إِذَا وَرَدَتْ بِتَقْرِيرِ حُكْمٍ كَانَ أَصْلًا بِرَأْسِهِ لَا يَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ أَصْلٍ آخَرَ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ ، وَأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلسَّلَمِ فِيهِ ، وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي السِّيَاقِ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي ، إِنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنِ السَّلَمِ مَعَ مَنْ لَهُ نَخْلٌ فِي ذَلِكَ النَّخْلِ ، رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، فَإِذَا كَانَ السَّلَمُ فِي النَّخْلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَجُوزُ تَعْيِينُ جَوَازِهِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ؛ لِلْأَمْنِ فِيهِ مِنْ غَائِلَةِ الِاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ النَّخْلِ بِعَيْنِهِ ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي بَابِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّلَمِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ ، أَيِ : السَّلَفُ لَمَّا كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَكَأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ فِي الذِّمَّةِ .