بَاب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ
بَاب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ : إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ 2258 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ : وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا سَعْدُ ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ . وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ ) أَيْ : هَلْ تَبْطُلُ بِذَلِكَ شُفْعَتُهُ أَمْ لَا ؟ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَكَمُ : إِذَا أُذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ) أَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : إِذَا أَذِنَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا بِنَحْوِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ وَالشَّرِيدُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ طَوِيلٍ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ، وَوَلَدُهُ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ ، وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ .
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي : الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيْ ) في رِوَايَةُ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا يَأْتِي بَيَانُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ ) أَيِ : الْكَائِنَيْنِ فِي دَارِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ الْمِسْوَرُ : وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا ) بَيَّنَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَأَلَ الْمِسْوَرَ أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَرْبَعَةِ آلَافٍ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ إِذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ . قَوْلُهُ : ( مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْمُرَادُ مُؤَجَّلَةً عَلَى أَقْسَاطٍ مَعْلُومَةٍ .
قَوْلُهُ : ( الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَالسَّقَبُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالصَّادِ أَيْضًا وَيَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ وَإِسْكَانُهَا : الْقُرْبُ وَالْمُلَاصَقَةُ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ ، يُنْتَظَرُ بِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، وَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرِيكُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ شَرِيكَ سَعْدٍ فِي الْبَيْتَيْنِ ، وَلِذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا ، فَمَرْدُودٌ ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا قِيلَ لَهُ : جَارٌ ، وَقَدْ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ : جَارَةٌ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُخَالَطَةِ ، انْتَهَى .
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ يَمْلِكُ بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ سَعْدٍ ، لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِلِ سَعْدٍ ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ اتَّخَذَ دَارَيْنِ بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ ، وَكَانَتِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِدِ مِنْهُمَا لِأَبِي رَافِعٍ ، فَاشْتَرَاهَا سَعْدٌ مِنْهُ . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبَابِ ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا لِأَبِي رَافِعٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارَهُ لَا شَرِيكًا . وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ ؛ لِأَنَّ الْجَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوِرِ مَجَازٌ فِي الشَّرِيكِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ ، وَقَدْ قَامَتِ الْقَرِينَةُ هُنَا عَلَى الْمَجَازِ فَاعْتُبِرَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيْ جَابِرٍ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، فَحَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرِيكِ ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ مَصْرُوفُ الظَّاهِرِ اتِّفَاقًا ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَارُ أَحَقَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنَ الشَّرِيكِ ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ قَدَّمُوا الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ثُمَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّرِيقِ . ثُمَّ الْجَارَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ ، فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَى الْفَضْلِ أَوِ التَّعَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ أَيْضًا ، بِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى مَعْدُومٍ فِي الْجَارِ ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ فَتَأَذَّى بِهِ ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى مُقَاسَمَتِهِ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الضَّرَرُ بِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِهِ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .