حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا مَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأُسَارَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمِّسَ

بَاب مَا مَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأُسَارَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمِّسَ 3139 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا مَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأُسَارَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمِّسَ ) أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً فَيُنَفِّلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَتَارَةً مِنَ الْخُمُسِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ يَمُنُّ عَلَى الْأُسَارَى مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَتَارَةً مِنَ الْخُمُسِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ شَيْءٍ لَوْ وَقَعَ لَفَعَلَهُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأُسَارَى بِغَيْرِ فِدَاءٍ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْلِكُونَ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَلِلْفَرِيقَيْنِ احْتِجَاجَاتٌ أُخْرَى وَأَجْوِبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ أُطِلْ بِهَا هُنَا لِأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْمُنِيرِ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ فَقَالَ : إِنَّ طِيبَ قُلُوبِ الْغَانِمِينَ بِذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُذْعِنَ بَعْضُهُمْ ، فَكَيْفَ بَتَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُعْطِيهِ إِيَّاهُمْ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْمَحَ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَصَرَّفُ فِيهَا حَيْثُ شَاءَ ، وَفَرْضُ الْخُمُسِ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ بَدْرٍ كَمَا تَقَرَّرَ فَلَا حُجَّةَ إِذًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا ذَكَرْنَا .

وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ دُخُولَ التَّخْمِيسِ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ غَيْرُ أَمْرَيْنِ إِمَّا الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ وَإِمَّا الْفِدَاءُ بِمَالٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلَّمَ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ أَوْ شَيْئَيْنِ مِمَّا خُيِّرَ فِيهِ مَنْعُ التَّخْيِيرِ ، وَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُ ، وَادِّعَاؤُهُ أَنَّ قُرَيْشًا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الرِّقِّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْخِلَافِ هَلْ يُسْتَرَقُّ الْعَرَبِيُّ أَوْ لَا ثَابِتٌ مَشْهُورٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ النَّتْنَى بِنُونَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ مَقْصُورٌ جَمْعُ نَتِنٍ أَوْ نَتِينٍ كَزَمِنٍ وَزَمْنَى أَوْ جَرِيحٍ وَجَرْحَى ، وَرُوِيَ بِمُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَأَبْعَدَ مَنْ جَعَلَهُ هُوَ الصَّوَابَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث