حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فِي النُّجُومِ

بَاب فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ : جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا ، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا ، وَالْأَبُّ : مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ، وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ ، بَرْزَخٌ حَاجِبٌ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَلْفَافًا مُلْتَفَّةً ، وَالْغُلْبُ : الْمُلْتَفَّةُ ، فِرَاشًا مِهَادًا ، كَقَوْلِهِ : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ نَكِدًا قَلِيلًا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْهُ بِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ : وَأَنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً : مَنْ غَرَسَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلَّا وَيُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ ، وَمَا عِلْمُ هَذِهِ النُّجُومِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّائِرِ شَيْء مِنْ هَذَا الْغَيْبِ ، انْتَهَى . وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا وَقَعَ اسْتِطْرَادًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْلُ قَتَادَةَ فِي النُّجُومِ حَسَنٌ ، إِلَّا قَوْلَهُ : أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرٌ انْتَهَى . وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْكُفْرُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ نَسَبَ الِاخْتِرَاعَ إِلَيْهَا ، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا عَلَامَةً عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِيمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا الضَّمِيرُ لِلسَّمَاءِ ؛ أَيْ وَجَعَلْنَا شُهُبَهَا رُجُومًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، فَصَارَ الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ . وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : النُّجُومُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ كَالْقَنَادِيلِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ فِي الْمَسَاجِدِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا ) لَمْ أَرَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ مَوْصُولَةٍ . لَكِنْ ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : قَوْلُهُ : هَشِيمًا أَيْ يَابِسًا مُتَفَتِّتًا ، وَ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ أَيْ تُفَرِّقُهُ .

قَوْلُهُ : ( وَالْأَبُّ مَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ : الْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَبُّ الْحَشِيشُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، وَالضَّحَّاكِ : الْأَبُّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، زَادَ الضَّحَّاكُ : إِلَّا الْفَاكِهَةَ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ ، فَقَالَ : أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي ، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ . وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : عَرَفْنَا الْفَاكِهَةَ فَمَا الْأَبُّ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ قَالَ : لِلْخَلْقِ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَنَامُ النَّاسُ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ : الْجِنُّ وَالْإِنْسُ .

وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : هُوَ كُلُّ ذِي رُوحٍ . قَوْلُهُ : بَرْزَخٌ حَاجِبٌ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَاجِزٌ بِالزَّايِ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَّا قَوْلَهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَلْفَافًا مُلْتَفَّةً ، وَالْغُلْبُ : الْمُلْتَفَّةُ ) وَصَلَهُمَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ . وَمِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : وَحَدَائِقَ غُلْبًا أَيْ مُلْتَفَّةً ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْحَدَائِقُ : مَا الْتَفَّتْ ، وَالْغُلْبُ : مَا غَلُظَ .

وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ : الْغُلْبُ : شَجَرٌ بِالْجَبَلِ لَا يَحْمِلُ يُسْتَظَلُّ بِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبَى طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا أَيْ مُجْتَمِعَةً . وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأَلْفَافُ جَمْعُ لَفٍّ أَوْ لَفِيفٍ .

وَعَنِ الْكِسَائِيِّ : هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : اللِّفَافُ جَمْعُ لَفِيفَةٍ وَهِيَ الْغَلِيظَةُ ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ غَلُظَ بِالِالْتِفَافِ . قَوْلُهُ : ( فِرَاشًا : مِهَادًا كَقَوْلِهِ : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ : فِرَاشًا : هِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ .

قَوْلُهُ : نَكِدًا قَلِيلًا ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا قَالَ : النَّكِدُ : الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفَّارِ كَالْبَلَدِ السَّبِخَةِ الْمَالِحَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ مِنْهَا الْبَرَكَةُ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث