بَاب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا
بَاب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾إِذْ رَأَى نَارًا - إِلَى قَوْلِهِ - بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى آنَسْتُ أَبْصَرْتُ ، نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمُقَدَّسُ : الْمُبَارَكُ ، طُوًى اسْمُ الْوَادِي ، سِيرَتَهَا حَالَتَهَا ، وَ : النُّهَى التُّقَى ، بِمَلْكِنَا بِأَمْرِنَا ، هَوَى شَقِيَ ، فَارِغًا إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ، رِدْءًا كَيْ يُصَدِّقَنِي ، وَيُقَالُ : مُغِيثًا أَوْ مُعِينًا ، يَبْطُشُ ويَبْطِشُ ، يَأْتَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ ، وَالْجِذْوَةُ : قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ ، سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ ، أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهِيَ عُقْدَةٌ ، أَزْرِي ظَهْرِي ، فَيُسْحِتَكُمْ فَيُهْلِكَكُمْ ، الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ ، يَقُولُ : بِدِينِكُمْ ، يُقَالُ : خُذْ الْمُثْلَى خُذْ الْأَمْثَلَ ، ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يُقَالُ : هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ ؟ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ ، فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفًا ، فَذَهَبَتْ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةً لِكَسْرَةِ الْخَاءِ ، فِي جُذُوعِ النَّخْلِ عَلَى جُذُوعِ ، خَطْبُكَ بَالُكَ ، مِسَاسَ مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا ، لَنَنْسِفَنَّهُ لَنُذْرِيَنَّهُ ، الضَّحَاءُ : الْحَرُّ ، قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ تَقُصَّ الْكَلَامَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ ، وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ اجْتِنَابٍ وَاحِدٌ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى قَدَرٍ مَوْعِدٌ ، وَلا تَنِيَا : لَا تَضْعُفَا ، يَبَسًا يَابِسَا ، مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيِّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَذَفْتُهَا : أَلْقَيْتَهَا ، أَلْقَى صَنَعَ ، فَنَسِيَ مُوسَى : هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا فِي الْعِجْلِ . 3393 - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ ، فَإِذَا هَارُونُ ، قَالَ : هَذَا هَارُونُ ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ .
تَابَعَهُ ثَابِتٌ وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قوله ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾إِذْ رَأَى نَارًا - إِلَى قَوْلِهِ - بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى سَقَطَ لَفْظُ بَابُ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ . قَوْلُهُ : آنَسْتُ أَبْصَرْتُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا أَيْ أَبْصَرَ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمُقَدَّسُ الْمُبَارَكُ ، طُوًى اسْمُ الْوَادِي ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا التَّفْسِيرُ وَمَا بَعْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ خَاصَّةً وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمِيعُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ هُنَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا بَعْضَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طه ، وَهَا أَنَا أَشْرَحُهُ هُنَا وَأُبَيِّنُ إِذَا أُعِيدَ فِي تَفْسِيرِ طه إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا سَبَقَ مِنْهُ هُنَا . وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ ، وَرَوَى هُوَ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُمِّيَ طُوًى لِأَنَّ مُوسَى طَوَاهُ لَيْلًا ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى أنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طَوَيْتُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ أُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ كَأَنَّهُ قَالَ : طَوَيْتُ الْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ طُوًى . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قِيلَ لَهُ طُوًى أَيْ طَأ الْأَرْضَ حَافِيًا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَيْ طَأِ بالْوَادِيَ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ : قِيلَ لَهُ طُوًى لِأَنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ طُوًى أَيْ ثُنًى ، أَيْ نَادَاهُ رَبُّهُ مَرَّتَيْنِ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ ، وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ شَاهِدًا قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ : أَعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ حِينِهِ عَلَيَّ طُوًى مِنْ غَيِّكَ الْمُتَرَدِّدِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : طِوًى بكْسَرُ أَوَّلَهُ قَوْمٌ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدَى آخِرِ الدَّهْرِ ، قَالَ : وَمَنْ جَعَلَ طُوًى اسْمَ أَرْضٍ لَمْ يُنَوِّنْهُ ، وَمَنْ جَعَلَهُ اسْمَ الْوَادِي صَرَفَهُ ، وَمَنْ جَعَلَهُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى نُودِيَ مَرَّتَيْنِ صَرَفَهُ ، تَقُولُ : نَادَيْتُهُ ثُنًى وَطُوًى أَيْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ . قَوْلُهُ : سِيرَتَهَا حَالَتَهَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى يَقُولُ حَالَتَهَا الْأُولَى ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ كَذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ سِيرَتَهَا هَيْئَتَهَا .
قَوْلُهُ : ( وَ النُّهَى التُّقَى ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى قَالَ : لِأُولِي التُّقَى . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ لِأُولِي النُّهَى : لِأُولِي الْوَرَعِ قَالَ الطَّبَرِيُّ : خَصَّ أُولِي النُّهَى لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ . قَوْلُهُ : بِمَلْكِنَا بِأَمْرِنَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا يَقُولُ : بِأَمْرِنَا ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِمَلْكِنَا أَيْ بِطَاقَتِنَا وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ; وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ زَيْدٍ بِهَوَانَا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْقِرَاءَةِ فِي مِيمِ مَلْكِنَا فَقَرَءُوا بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ ، وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ . قَوْلُهُ : هَوَى شَقِيَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى قَالَ : يَعْنِي شَقِيَ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ .
قَوْلُهُ : فَارِغًا إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا قَالَ : مِنْ كُلٍّ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَارِغًا لَا تَذْكُرُ إِلَّا مُوسَى وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ نَحْوَهُ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَصْبَحَ فَارِغًا مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهَا أَنَّهُ سَيَرُدُّ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ فَارِغًا أَيْ مِنَ الْحُزْنِ لِعِلْمِهَا أَنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ . وَرَدَّ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . وَأُمُّ مُوسَى اسْمُهَا بَادُونَا وَقِيلَ : أباذخت وَيُقَالُ يوحاند .
قَوْلُهُ : ( رِدْءًا كَيْ يُصَدِّقَنِي ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيُّ قَالَ : كَيْمَا يُصَدِّقَنِي ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ رِدْءًا أَيْ عَوْنًا . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ مُغِيثًا أَوْ مُعِينًا ) يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ; قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي أَيْ مُعِينًا ، يُقَالُ فِيهِ أَرْدَأْتُ فُلَانًا عَلَى عَدُوِّهِ أَيْ أَكْنَفْتُهُ وَأَعَنْتُهُ ، أَيْ صِرْتُ لَهُ كَنَفًا . قَوْلُهُ : ( يَبْطِشُ وَيَبْطُشُ ) يَعْنِي بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِضَمِّهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا بِالطَّاءِ مَكْسُورَةً وَمَضْمُومَةً لُغَتَانِ .
قُلْتُ : الْكَسْرُ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ هُنَا ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى وَالضَّمُّ قِرَاءَةُ ابْنِ جَعْفَرٍ ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : يَأْتَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أَيْ يَهُمُّونَ بِكَ وَيَتَآمَرُونَ وَيَتَشَاوَرُونَ انْتَهَى . وَهِيَ بِمَعْنَى يَتَآمَرُونَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شِيمَةً وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : مَعْنَاهُ يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَقَوْلِهِ : وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ قَوْلُهُ : ( وَالْجَذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ لَيْسَ لَهَا لَهَبٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أَيْ قِطْعَةٍ غَلِيظَةٍ مِنَ الْحَطَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا جَزْلَ الْجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلَا دَعِرِ وَالْجَذْوَةُ مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ .
قَوْلُهُ : سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أَيْ سَنُقَوِّيكَ بِهِ وَنُعِينُكَ ، تَقُولُ شَدَّ فُلَانٌ عَضُدَ فُلَانٍ إِذَا أَعَانَهُ ، وَهُوَ مِنْ عَاضَدْتُهُ عَلَى أَمْرِهِ أَيْ عَاوَنْتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهِيَ عُقْدَةٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾: الْعُقْدَةُ فِي اللِّسَانِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ كَانَتْ فِيهِ مُسْكَةٌ مِنْ تَمْتَمَةٍ أَوْ فَأْفَأَةٍ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا تَحَرَّكَ مُوسَى أَخَذَتْهُ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تُرْقِصُهُ ثُمَّ نَاوَلَتْهُ لِفِرْعَوْنَ ، فَأَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا ، فَاسْتَدْعَى فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ ، فَقَالَتْ آسِيَةُ إِنَّهُ صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ ، فَوَضَعَتْ لَهُ جَمْرًا وَيَاقُوتًا وَقَالَتْ : إِنْ أَخَذَ الْيَاقُوتَ فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَخَذَ الْجَمْرَةَ فَاعْرِفْ أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَطَرَحَ فِي يَدِهِ جَمْرَةً فَطَرَحَهَا فِي فِيهِ فَاحْتَرَقَ لِسَانُهُ فَصَارَتْ فِي لِسَانِهِ عُقْدَةٌ مِنْ يَوْمِئِذٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ ، والتَّمْتَمَةُ هِيَ التَّرَدُّدُ فِي النُّطْقِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَالْفَأْفَأَةُ بِالْهَمْزَةِ التَّرَدُّدُ فِي النُّطْقِ بِالْفَاءِ . قَوْلُهُ : أَزْرِي ظَهْرِي ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾أَيْ ظَهْرِي ، وَيُقَالُ : قَدْ أَزَرَنِي أَيْ كَانَ لِي ظَهْرًا وَمُعِينًا . وَأَوْرَدَ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾قَالَ : ظَهْرِي .
قَوْلُهُ : فَيُسْحِتَكُمْ فَيُهْلِكَكُمْ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ منْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : وَتَقُولُ سَحَتَهُ وَأَسْحَتَهُ بِمَعْنًى ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : سَحَتَ أَكْثَرُ مِنْ أَسْحَتَ . وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَيُسْحِتَكُمْ ، أَيْ يَسْتَأْصِلَكُمْ ، وَالْخِطَابُ لِلسَّحَرَةِ ، وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَ رُؤَسَائِهِمْ غادون ، وساتور ، وخطخط ، والمصفا . قَوْلُهُ : الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ يَقُولُ بِدِينِكُمْ .
يُقَالُ خُذِ الْمُثْلَى خُذِ الْأَمْثَلَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : بِطَرِيقَتِكُمُ أَيْ بِسُنَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، وَالْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ ، تقول خُذِ الْمُثْلَى مِنْهُمَا لِلْأُنْثَيَيْنِ ، وَخُذِ الْأَمْثَلَ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ ذَكَرًا ، وَالْمُرَادُ بِالْمُثْلَى الْفُضْلَى . قَوْلُهُ : ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يُقَالُ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أَيْ صُفُوفًا ، وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ : هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ ؟ أَيِ الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ . قَوْلُهُ : فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ خفيةٍ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ فَأَضْمَرَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ خَوْفًا ، فَذَهَبَتِ الْوَاوُ فَصَارَتْ يَاءً مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الْخَاءِ .
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لَا يَلِيقُ بِجَلَالَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ رَأَى فِيهِ مَا يُخَالِفُ اصْطِلَاحَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ عِلْمِ التَّصْرِيفِ فَقَالَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلُ خِيفَةٍ خَوْفَةٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَوْنِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ ، وَمَا عُرِفَ أَنَّهُ كَلَامُ أَحَدِ الرُّءُوسِ الْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : فِي جُذُوعِ النَّخْلِ عَلَى جُذُوعِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : هُمْ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا جَاءَ عَلَى مَوْضِعٍ فِي إِشَارَةٍ لِبَيَانِ شِدَّةِ التَّمَكُّنِ فِي الظَّرْفِيَّةِ .
قَوْلُهُ : خَطْبُكَ بَالُكَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ أَيْ مَا بَالُكَ وَشَأْنُكَ ؟ قَالَ الشَّاعِرُ : يَا عَجَبًا مَا خَطْبُهُ وَخَطْبِي ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ قَالَ : مَا لَكَ يَا سَامِرِيُّ ، وَاسْمُ السَّامِرِيِّ الْمَذْكُورِ يَأْتِي . قَوْلُهُ : مِسَاسَ مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا ) قَالَ الْفَرَّاءُ . قَوْلُهُ : لا مِسَاسَ أَيْ لَا أَمَسُّ وَلَا أُمَسُّ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مُوسَى أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُؤَاكِلُوهُ وَلَا يُخَالِطُوهُ ، وَقُرِئَ لَا مَسَاسَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ ، وَاسْمُ السَّامِرِيِّ مُوسَى بْنُ طفر وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا مِسَاسَ إِذَا كَسَرْتَ الْمِيمَ جَازَ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ وَالْجَرُّ بِالتَّنْوِينِ ، وَجَاءَتْ هُنَا مَنْفِيَّةً فَفُتِحَتْ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، قَالَ النَّابِغَةُ : فَأَصْبَحَ مِنْ ذَاكَ كَالسَّامِرِيِّ إِذْ قَالَ مُوسَى لَهُ لَا مِسَاسَا قَالَ : وَالْمُمَاسَّةُ وَالْمُخَالَطَةُ وَاحِدٌ ، قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا اسْمًا فَكَسَرَ آخِرَهَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ : تَمِيمٌ كَرَهْطِ السَّامِرِيِّ وَقَوْلُهُ أَلَا لَا مُرِيدَ السَّامِرِيِّ مِسَاسِ أَجْرَاهَا مَجْرَى قِطَامٍ وَحِزَامِ . قَوْلُهُ : لَنَنْسِفَنَّهُ لَنُذْرِيَنَّهُ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا يَقُولُ لَنُذْرِيَنَّهُ فِي الْبَحْرِ . قَوْلُهُ : ( الضَّحَاءُ الْحَرُّ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ﴾أَيْ لَا تَعْطَشُ وَلَا تَضْحَى لِلشَّمْسِ فَتَجِدَ الْحَرَّ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يُصِيبُكَ فِيهَا عَطَشٌ وَلَا حَرٌّ .
قُلْتُ : وَهَذَا الْمَوْضِعُ وَقَعَ اسْتِطْرَادًا ، وَإِلَّا فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَوْلُهُ : قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ أَيِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ تَقُولُ : قَصَصْتُ آثَارَ الْقَوْمِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فهُوَ مِنْ قِبَلِ الْمُصَنِّفِ . وَأُخْتُ مُوسَى اسْمُهَا مَرْيَمُ وَافَقَتْهَا فِي ذَلِكَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَالِدَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَوْلُهُ : عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ ، وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنِ اجْتِنَابٍ وَاحِدٌ ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : عَنْ جُنُبٍ قَالَ : عَنْ بُعْدٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أَيْ عَنْ بُعْدٍ وَتَجَنُّبٍ ، وَيُقَالُ مَا تَأْتِينَا إِلَّا عَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ جُنُبٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ وَفِي حَدِيثِ الْقُنُوتِ الطَّوِيلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْجُنُبُ أَنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الْإِنْسَانِ إِلَى الشَّيْءِ الْبَعِيدِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ لَمْ يَشْعُرْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى قَدَرٍ مَوْعِدٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، ورَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى أَيْ عَلَى مِيقَاتٍ .
قَوْلُهُ : وَلا تَنِيَا لَا تَضْعُفَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي قَالَ : لَا تُبْطِئَا . قَوْلُهُ : مَكَانًا سُوًى مُنْصِفٌ بَيْنَهُمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِهِ كَعِدًى وَعُدًى ، وَالْمَعْنَى النِّصْفُ وَالْوَسَطُ . قَوْلُهُ : يَبَسًا يَابِسًا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا أَيْ يَابِسًا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا مُتَحَرِّكُ الْحُرُوفِ وَبَعْضُهُمْ يُسَكِّنُ الْبَاءَ ، وَتَقُولُ شَاةٌ يَبَسٌ بِالتَّحْرِيكِ أَيْ يَابِسَةٌ لَيْسَ لَهَا لَبَنٌ .
قَوْلُهُ : مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أَيِ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَهِيَ الْأَثْقَالُ أَيِ الْأَوْزَارُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ : الْأَوْزَارُ الْأَثْقَالُ وَهِيَ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الذُّنُوبُ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَقَّتَ لِمُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُونَ قَالَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّمَا أَصَابَكُمُ الَّذِي أَصَابَكُمْ عُقُوبَةً بِالْحُلِيِّ الَّذِي كَانَ مَعَكُمْ ، وَكَانُوا قَدِ اسْتَعَارُوا ذَلِكَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَسَارُوا وَهِيَ مَعَهُمْ فَقَذَفُوهَا إِلَى السَّامِرِيِّ فَصَوَّرَهَا صُورَةَ بَقَرَةٍ ، وَكَانَ قَدْ صَرَّ فِي ثَوْبِهِ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَقَذَفَهَا مَعَ الْحُلِيِّ فِي النَّارِ فَأَخْرَجَ عِجْلًا يَخُورُ . قَوْلُهُ : ( فَقَذَفْتُهَا : أَلْقَيْتُهَا ، أَلْقَى صَنَعَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَذَفْنَاهَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَقَذَفْنَاهَا قَالَ : أَلْقَيْنَاهَا ، وَفِي قَوْلِهِ : أَلْقَى السَّامِرِيُّ أَيْ صَنَعَ ، وَفِي قَوْلِهِ : فَنَبَذْتُهَا أَيْ أَلْقَيْتُهَا . قَوْلُهُ : ( فَنَسِيَ مُوسَى ، هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبُّ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ الْعِجْلُ فَخَارَ قَالَ لَهُمْ السَّامِرِيُّ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ، فَنَسِيَ أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى وَضَلَّ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ قَالَ : نَسِيَ مُوسَى رَبَّهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَنَسِيَ أَيْ السَّامِرِيُّ نَسِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا فِي الْعِجْلِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : تَقْدِيرُ الْقِرَاءَةِ بِالضَّمِّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ ، وَمَنْ لَمْ يَضُمَّ الْعَيْنَ نَصَبَ بِأَنْ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ التَّفَاسِيرِ لِمَا جَرَى لِمُوسَى فِي خُرُوجِهِ إِلَى مَدْيَنَ ، ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ إِلَى مِصْرَ ، ثُمَّ فِي أَخْبَارِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ ، ثُمَّ فِي غَرَقِ فِرْعَوْنَ ، ثُمَّ فِي ذَهَابِهِ إِلَى الطُّورِ ، ثُمَّ فِي عِبَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ مَا هُوَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الْقُنُوتِ الطَّوِيلِ فِي قَدْرِ ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ طه عِنْدَهُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنِ جَرِيرٍ ، وَابْنِ مَرْدُوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ خَرَّجَ التَّفْسِيرَ الْمُسْنَدَ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ : حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَإِذَا هَارُونُ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ خَاصَّةً ، ثُمَّ قَالَ : تَابَعَهُ ثَابِتٌ ، وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ تَابَعَا قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ هَارُونَ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ لَا فِي جَمِيعِ الْحَدِيثِ ، بَلْ وَلَا فِي الْإِسْنَادِ ، فَإِنَّ روايَةَ ثَابِتٍ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، نَعَمْ فِيهَا ذِكْرُ هَارُونَ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَهُوَ بَصْرِيٌّ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَوَافَقَ ثَابِتًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لِأَنَسٍ فِيهِ شَيْخًا ، وَقَدْ وَافَقَهُمَا شَرِيكٌ عَنْ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ وَفِي كَوْنِ هَارُونَ فِي الْخَامِسَةِ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي أَثْنَاءِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ . وَأَمَّا قَتَادَةَ فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَمَا مَضَى فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ هَارُونَ أَصْلًا ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُتَابَعَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .