بَاب مَرْجِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهم ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي ، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( جُوَيْرِيَةُ ) بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الظُّهْرَ مَعَ اتِّفَاقِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا ، أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي عَتْبَانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِلَفْظِ الظُّهْرَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَتْبَانَ كَذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ إِلَّا بِلَفْظِ الظُّهْرَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصٍ السِّلْمِيِّ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ فَقَالَ : الْعَصْرَ وَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ الظُّهْرَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ : مَنْ كَانَ سَامِعًا مطيعا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الْأَحْزَابِ وَجَمَعَ عَلَيْهِ اللَّأْمَةَ وَاغْتَسَلَ وَاسْتَجْمَرَ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : عَذِيرُكَ مِنْ مُحَارِبٍ ، فَوَثَبَ فَزِعًا ، فَعَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ ، قَالَ : فَلَبِسَ النَّاسُ السِّلَاحَ فَلَمْ يَأْتُوا قُرَيْظَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، قَالَ : فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ الْعَصْرَ وَتَرَكَتْهَا طَائِفَةٌ وَقَالَتْ : إِنَّا فِي عَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْمٌ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْصُولًا بِذِكْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّهَا الْعَصْرُ ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْأَمْرِ كَانَ صَلَّى الظُّهْرَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُصَلِّهَا فَقِيلَ : لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ وَلِمَنْ صَلَّاهَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ .
وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ رَاحَتْ بَعْدَ طَائِفَةٍ فَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى : الظُّهْرَ وَقِيلَ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : الْعَصْرَ ، وَكِلَاهُمَا جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ مِنْ مَبْدَئِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ رِجَالِ إِسْنَادِهِ قَدْ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحَمَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ . ثُمَّ تَأَكَّدَ عِنْدِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنْ حِفْظِ بَعْضِ رُوَاتِهِ فَإِنَّ سِيَاقَ الْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَعَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي ، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ .
فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَسَائِرِ مِنْ رَوَاهُ نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الْأَحْزَابِ أَنَّ لَا يُصَلِّينَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ ، قَالَ : فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ شَيْخَ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبَاقِينَ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَخِيرِ وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ جُوَيْرِيَةَ ، بِدَلِيلِ مُوَافَقَةِ أَبِي عِتْبَانَ لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَتَبَهُ مِنْ حِفْظِهِ وَلَمْ يُرَاعِ اللَّفْظَ كَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ كَثِيرًا ، وَإِنَّمَا لَمْ أُجَوِّزْ عَكْسَهُ لِمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنْ مُوَافَقَةُ أَبِي حَفْصٍ السُّلَمِيِّ لَهُ تُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَيْثُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي كَوْنِهِ قَالَ : الظُّهْرَ لِطَائِفَةٍ وَالْعَصْرَ لِطَائِفَةٍ مُتَّجَهٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الظُّهْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا ابْنُ عُمَرَ وَرِوَايَةُ الْعَصْرِ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَائِشَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُعَابُ عَلَى مِنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ ، وَلَا عَلَى مَنِ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَوَابًا فِي حَقِّ إِنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النَّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الخطر وَالْإِبَاحَةَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ لَا أَعْيَانٍ قَالَ : فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ فَهُوَ مُصِيبٌ انْتَهَى .
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَاحِدٌ ، وَخَالَفَ الْجَاحِظُ ، وَالْعَنْبَرِيُّ . وَأَمَّا مَا لَا قَطْعَ فِيهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا : الْمُصِيبُ وَاحِدٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَرَّرَهُ ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ . وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : وَهُوَ مُصِيبٌ بِاجْتِهَادِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ . وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْكُ تَعْنِيفِ مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عَدَمُ تَأْثِيمِهِ . وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَلَمْ يُبَالُوا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ تَرْجِيحًا لِلنَّهْيِ الثَّانِي عَلَى النَّهْيِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَرْكُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا ، وَاسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لِمَنِ اشْتَغَلَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ بِنَظِيرِ مَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِالْخَنْدَقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُصَرِّحُ بِأَنَّهُمْ صَلَّوُا الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبذَلِكَ لِشُغْلِهِمْ بِأَمْرِ الْحَرْبِ ، فَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَامًّا فِي كُلِّ شُغْلٍ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَلَا سِيَّمَا وَالزَّمَانُ زَمَانُ التَّشْرِيعِ ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَثِّ وَالِاسْتِعْجَالِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيمِ مَنِ اجْتَهَدَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَنِّفْ أَحَدًا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ إِثْمٌ لَعَنَّفَ مَنْ أَثِمَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا لَا يَكْفُرُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى . وَاسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّوَابِّ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَعَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَمَّدُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا يَقْضِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ صَلَّوْهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا بَعْدَ أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَخِّرُوهَا إِلَّا لِعُذْرٍ تَأَوَّلُوهُ ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ أَخَّرَ عَمْدًا بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَادَّعَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّذِينَ صَلَّوُا الْعَصْرَ لَمَّا أَدْرَكَتْهُمْ فِي الطَّرِيقِ إِنَّمَا صَلَّوْهَا وَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ ، وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ النُّزُولَ إِلَى الصَّلَاةِ يُنَافِي مَقْصُودَ الْإِسْرَاعِ فِي الْوُصُولِ ، قَالَ : فَإِنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا عَمَلُوا بِالدَّلِيلِ الْخَاصِّ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْإِسْرَاعِ فَتَرَك عُمُومَ إِيقَاعِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا إِلَى أَنْ فَاتَ ، وَالَّذِينَ صَلَّوْا جَمَعُوا بَيْنَ دَلِيلَيْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِ الْإِسْرَاعِ فَصَلَّوْا رُكْبَانًا ، لِأَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا نُزُولًا لَكَانَ مُضَادَّةً لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِهِمْ مَعَ ثُقُوبِ أَفْهَامِهِمْ .
انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُمْ بِتَرْكِ النُّزُولِ ، فَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِأَمْرِهِمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ فَبَادَرُوا إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ ، وَخَصُّوا وَقْتَ الصَّلَاةِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ تَأْكِيدِ أَمْرِهَا ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَنْزِلُوا فَيُصَلُّوا وَلَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مُضَادَّةٌ لِمَا أُمِرُوا بِهِ ، وَدَعْوَى أَنَّهُمْ صَلَّوْا رُكْبَانًا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلِ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَحْثُ ابْنِ بَطّالٍ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ مَا حَاصِلُهُ : كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَأْجُورٌ بِقَصْدِهِ ، إِلَّا أَنَّ مَنْ صَلَّى حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ : امْتِثَالَ الْأَمْرِ فِي الْإِسْرَاعِ ، وَامْتِثَالَ الْأَمْرِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا سِيَّمَا مَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ حَبَطَ عَمَلُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَنِّفِ الَّذِينَ أَخَّرُوهَا لِقِيَامِ عُذْرِهِمْ فِي الْتَمَسُّكِ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَلِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فَأَخَّرُوا لِامْتِثَالِهِمُ الْأَمْرَ .
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَى أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُمْ أَصْوَبَ مِنِ اجْتِهَادِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى . وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ لِمَنْ أَخَّرَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ تُؤَخَّرُ كَمَا فِي الْخَنْدَقِ وَكَانَ ذَلِكَ قبل صلاة الخوف ، فليس بواضح ، لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان ، وذلك بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ : مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا .
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لَهَا لَبَادَرَ إِلَيْهَا كَمَا صَنَعَ عُمَرُ انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَنْدَقِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ .